الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
التقوى هي السبب الثاني للوقاية من السحر والعين، وتعني حفظ أوامر الله واجتناب نواهيه على علم وبصيرة موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فسرها طلق بن حبيب بأنها عمل بطاعة الله على نور منه رجاء رحمته، وترك معصيته على نور منه خيفة عقابه.
التقوى الحقيقية تجمع بين أداء الطاعات رجاء ثواب الله واجتناب المعاصي خوفاً من عقابه على علم واختيار. ثمارها تشمل السعادة والطمأنينة وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وتيسير الأمور وسعة الرزق والخروج من الابتلاءات كالأمراض والسحر والحسد.
ثمرة التقوى هي كون العبد في حفظ الله وولايته، فلا يضره كيد الحاسدين والسحرة ما دام صابراً متقياً محافظاً على الأذكار والطاعات. الغافل عن ذكر الله يصبح كالبيت الخرب تدخله الشياطين، والحديث النبوي «احفظ الله يحفظك» يؤكد أن تحقيق التقوى سبب لحفظ الله في الدنيا والآخرة.
ملازمة التقوى سبب عظيم لنيل العافية والشفاء من الأمراض، وجلب الخير في الدنيا والآخرة. يختم الدرس بالدعاء بالتوفيق للطاعة وأن يجعل الله المستمعين من المتقين، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فما زلنا مع رسالة «عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين»، وقد أخذنا في الدرس الماضي السبب الأول الذي به يقي المسلم نفسه من شر السحر والحسد، وهو الاستعاذة بالله جل وعلا من شر السحرة والحاسدين. قال: السبب الثاني: تقوى الله عز وجل. قال: فيجب على العباد أجمعين أن يحرصوا على تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾. فأخبر الله جل وعلا أن تقوى الله جل وعلا، والوصية بها، هي وصية الله للأولين والآخرين، لما فيها من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة في الدنيا والآخرة. قالوا: يتأكد هذا الأمر فيمن اشتد به البلاء، وعظمت حاجته للشفاء، أي: من ابتلي بشيء من الأسقام والأمراض، ومنها الإصابة بالعين أو السحر، فيتأكد في حقه أن يحرص على تقوى الله جل وعلا، بفعل الأوامر، وترك النواهي، والبعد عن المعاصي والذنوب، ولزوم الطاعة؛ فإن ذلك سبب عظيم من أسباب الوقاية من هذه الأمراض، وهكذا أيضا سبب عظيم للشفاء لمن ابتلي بشيء منها. قالوا: حقيقة تقوى الله عز وجل: حفظ أمره ونهيه. فالتقوى هي حفظ الأوامر بفعلها والقيام بها والمحافظة عليها، واجتناب النواهي بتركها والبعد عنها. ولهذا عندما سئل طلق بن حبيب رحمه الله عن حقيقتها، أي: حقيقة التقوى، قال: «التقوى: عمل بطاعة الله على نور من الله، رجاء رحمة الله، والتقوى: ترك معصية الله على نور من الله، خيفة عقاب الله». قال المصنف - فقه الله -: أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد»، وهكذا يذكره لنا ابن القيم رحمه الله في كتابه «مدارج السالكين». ففسر طلق بن حبيب رحمه الله التقوى بهذا التفسير: أنها عمل بطاعة الله، أن تعمل بطاعة الله، فيشمل ذلك جميع الأوامر والواجبات والفرائض، وهكذا أيضا اتباع ذلك بالنوافل، نوافل الطاعات، سواء نوافل الصلاة، أو نوافل الصيام، أو نوافل الصدقة، أو غيرها. قال: «على نور من الله»: أي على علم، أن تفعل الطاعة على علم، كما أمر الله جل وعلا، وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، لا بجهل؛ لأن فعل الطاعة على جهل قد يوقع العبد في البدع والمحدثات. كم من الناس اليوم من يفعل الطاعات، ويريد بذلك القرب من الله وحصول الأجر والثواب، لكنه لا يعملها بعلم، وإنما يعملها بجهل، فيقع في أنواع من البدع والمحدثات، ومنها ما يفعل في هذا الشهر، في شهر رجب، الذي فيه من البدع العجب، حتى ألف له الحافظ ابن حجر رحمه الله كتابه «بيان العجب فيما ورد في فضل رجب». أشياء عجيبة يفعلها الإنسان يريد الأجر والثواب، ومع ذلك لا يصيب الصواب بسبب الجهل وعدم العلم. لا بد أن تكون الطاعة على نور من الله، على علم، بصيرة أن هذه طاعة أمر الله بها، أو أمر بها رسوله عليه الصلاة والسلام، أو فعلها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «رجاء رحمة الله»: هذا أمر لا بد منه، أن تكون الطاعة على علم وبصيرة، وموافقة لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد مع ذلك أن ترجو بهذه الطاعة ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، رجاء رحمة الله، كما قال الله جل وعلا في وصف أنبيائه ورسله في الثناء عليهم: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾. وهكذا في قوله عز وجل في وصف عباده المؤمنين المتقين: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾. إذن هذه هي التقوى: أن تفعل الطاعات، طاعات، بعلم، ترجو ثواب الله، تريد الأجر والثواب من الله، والفوز بنعيم الله جل وعلا، والنجاة من عذاب الله سبحانه وتعالى. قال: «والتقوى: ترك معصية الله». لكن فقط أن تفعل الطاعات وأنت ترتكب المعاصي، فتجمع بين الخير والشر، وبين الصالحات والسيئات؟ الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَالْمُسِيءُ ﴾. ما يستوي الذي يعمل الصالحات ويجتنب السيئات، ومن يقترف الذنوب، الخطايا والسيئات، كما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات. كذلك لا يستوي من اجتنب المعاصي والذنوب، ومن خلط مع عمله الصالح سيئات وذنوب. إذا، لا بد من ترك المعاصي إذا أردت أن تحقق تقوى الله جل وعلا: «خل الذنوب صغيرها وكبيرها، ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى». إذا أردت أن تكون متقيا لله، فلا بد من اجتناب المعاصي. ترك معصية الله على نور من الله: على علم، تترك المعصية على علم أن هذا ذنب، وأن هذه معصية، وأن هذه سيئة، فتتركها لله جل وعلا، رغبة في الثواب والأجر من الله. ولهذا قال: «خيفة عقاب الله»: أن تترك المعصية خوفا من الله. لا تتركها عجزا عن الوصول إليها، هذا لا ينفع ولا يكفي أن تكون متقيا لله. أنت تريد أن تعمل المعصية لكن ما تيسر لك ذلك، عندك النية وعندك الرغبة، بل ربما تسعى إلى الوصول إلى تلك المعصية لكن ما تيسر لك، لست بهذا متقيا، إلا إذا تركتها خوفا من الله مع قدرتك واستطاعتك لفعلها. هذه التقوى: أن تترك المعصية على نور من الله، خيفة عقاب الله، أن تتركها خوفا من الله سبحانه وتعالى. فإذا كنت كذلك فأنت من المتقين. قال: فإذا جاهد المؤمن نفسه على تحقيق التقوى، كان مآله إلى السعادة والطمأنينة والعافية في الدنيا والآخرة، وفاز بالعاقبة الحميدة، والعاقبة للمتقين. الله عز وجل يخبر أن العاقبة للمتقين، ولو تأخرت. قد يبتلى الإنسان، لكن يصبر ويتقي، يتقي الله جل وعلا، ويعلم أن العاقبة له إذا كان متقيا لله، ولو كان هذا الابتلاء بهذا المرض. ابتلي بشيء من العين فمرض وسقم، فصبر واتقى، ولازم طاعة الله جل وعلا، فيبشر بإذن الله بالشفاء وزوال هذا المرض. وهكذا من ابتلي كذلك بالسحر. قال: ومن ثمار التقوى أيضا: صلاح الحال، وسداد الرأي، وتيسير الأمور، وسعة الرزق، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾. الله عز وجل يسر أمور المتقين، يسر أمورهم، ويتكفل بأرزاقهم، ويرزقه من حيث لا يحتسب، من حيث لا يظن أن يأتيه الرزق، فيتكفل الله جل وعلا برزقه، لأن الرزاق هو الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾، الذي بيده خزائن السماوات والأرض. هو الله الذي يعطي، هو الله الذي يمنع، هو الله. فإذا كنت مع الله، فماذا تخشى بعد ذلك؟ أتخشى أن يخذلك الله سبحانه وتعالى وقد اتقيته، ولازمت طاعته، واجتنبت معصيته؟ أبدا. ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾: مخرجا من المصائب والابتلاءات، ومن النكبات، ومن كذلك الأمراض والأسقام. إذا ابتلي بشيء من ذلك، ومنها السحر والحسد والعين، إذا اتقى الله سبحانه وتعالى، سيجعل له مخرجا من هذه الأمراض ومن هذه الأسقام، فيشفيه الله جل وعلا ويعافيه. قالوا: من ثمار التقوى كذلك: أن يكون المتقي في حفظ الله وولايته، ومن كان في حفظ الله وكلاءته ورعايته، فلن يضره شيء أبدا، مهما عظم الكيد له، كما بين الله تعالى هذا بقوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. ﴿ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾: صبر على الابتلاء، والصبر على الطاعة باللزومها والمحافظة عليها، والصبر على ترك معصية الله، مع تقوى الله جل وعلا، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾: أي لا يضرك كيد الكائدين الذين يريدون أن يصيبوك بالشر والسوء، ويكيدون لك المكائد، وأنت متقي لله، ما يضرك ذلك. ومن ذلك: حسد الحاسدين، وفعل السحرة والمشعوذين. إذا كنت متقيا، صلتك بالله قوية، ما يضرك، ما يضرك، بل ربما لا يستطيع أن يصيبك الساحر بشيء من السحر، لقوة إيمانك، وقوة تقواك، وقوة صلتك بالله سبحانه وتعالى. ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. وأعرف أخا مبتلى بشيء من ذلك، يعني: ممن حسده ويكيد له المكائد، ويسعى إلى إصابته بالسحر، وهو على حرص شديد على تقوى الله جل وعلا، والمحافظة على الأذكار، والحمد لله، الله عز وجل يدفع عنه كيد الكائدين، وشر كذلك الحاسدين والسحرة، وما استطاعوا أن يصبوه بشيء، بحمد الله. هكذا المؤمن إذا كان متقيا لله سبحانه وتعالى، ما يضره كيد الكائدين. قال: وكان النبي... لكن لو كان في غفلة، وبعد عن طاعة الله، وبعد عن ذكر الله، وعن لزوم الطاعات، ومنغمس في المعاصي والمحرمات، فهذا كما يقال: «يا سهلا»، سيدخل فيه العفاريت والجن متى شاءوا، كالبيت الخرب، يعتبر بيتا خريبا، تدخله الشياطين وتؤوي إليه، ليس هناك شيء يمنعهم. ما الذي سيمنعهم وهو لا يذكر الله، ولا يحافظ على طاعة الله، بل وينغمس في أنواع من الذنوب والسيئات والمعاصي، ربما منذ أن يصبح إلى أن يمسي وهو مع الغناء والمزامير؟ هذا الذي تحبه الشياطين، ثم يقول: فلان صرع، فلان دخله الجن. سيدخلون، لا شيء يمنعهم، لأنه جسد خال من تقوى الله، ومن ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذا المعنى لأصحابه رضي الله عنهم، فقال لابن عباس وهو يعلمه كلمات تنفعه، تنفعه: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. «احفظ الله يحفظك»: إذا حفظت الله، بحفظ حدوده وأوامره ونواهيه، يحفظك الله. يحفظك الله من شر الأشرار، وكيد الفجار. يحفظك الله في الدنيا وفي الآخرة. يحفظك الله في نفسك، يحفظك الله في أهلك، يحفظك الله في مالك، يحفظك الله في ولدك. وهكذا تكون في حفظ الله، والله عز وجل خير حافظا، وهو أرحم الراحمين. ومن كان في حفظ الله، فماذا ينتظر بعد ذلك؟ إذا كان في حفظ الله، وحافظا لحدود الله، فإنه يستبشر بحفظ الله سبحانه وتعالى له. قال: وحفظ الله إنما يكون بحفظ أوامره ونواهيه، وذلك هو حقيقة التقوى كما تقدم. فمن حقق التقوى في أقواله وأفعاله، حفظه الله في بدنه وصحته وماله وولده، وفي أحواله كلها، وتنزلت عليه خيرات عديدة وبركات متنوعة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. فتحقيق التقوى سبب عظيم لحلول البركات، بركات من السماء والأرض، في الأبدان، وفي العقول، وفي الأفهام، وفي الأموال، وفي الأهل، وفي الذرية، وغير ذلك من الأمور، يعني: التي يجعل الله سبحانه وتعالى فيها البركة، في الدنيا والآخرة، في الدنيا والآخرة. إذن: ملازمة التقوى سبب عظيم للعافية، وللشفاء من الأمراض والأسقام، ولحلول الخير على العبد في دنياه، وكذلك أيضا في أخراه. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى وإياكم من عباده المتقين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.