شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 2

شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 2

الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أصول السنة عند الإمام أحمد: تعريفها ومراتبها مع القرآن

يشرح الإمام أحمد أن السنة هي آثار النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير، وتأتي في أربع مراتب مع القرآن: تبيين المجمل، تخصيص العام، موافقة القرآن، وزيادة عليه. ويؤكد وجوب التسليم للسنة واتباعها دون معارضتها بالقياس الفاسد أو الآراء.

تقديم السنة على العقل والهوى وأصول الإيمان بالقدر

يشدد النص على أن السنة تُتلقى بالاتباع لا بالعقول الفاسدة أو الأهواء، ولا يعارض النص الصحيح عقل صريح. ويبين أن الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان السنة، متحققًا بتصديق مراتب القدر الأربع مع وجوب التسليم لأحاديث القدر دون سؤال بـ «لم» أو «كيف».

وجوب الإيمان بالأحاديث الصحيحة في القدر والرؤية والقرآن

يؤكد المقطع وجوب التسليم والتصديق بالأحاديث الصحيحة الواردة في القدر والرؤية والقرآن، وعدم ردها لمجرد مخالفة الهوى أو العقل، ومن رد حديثاً صحيحاً فقد كفر. كما ينهى عن الجدال في هذه المسائل إلا للعلماء عند الضرورة، موضحاً أن سبيل النجاة هو الإيمان والتسليم على فهم السلف.

الختام والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ويختم بقوله والله تعالى أعلم. يعكس هذا الختام الأدب النبوي في إنهاء المجالس العلمية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أحمد رحمه الله في رسالته «أصول السنة»: «قال: والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى». يقول رحمه الله: «السنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، فالسنة المراد بها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. «والسنة تفسر القرآن»، يعني: توضحه وتبينه، وهي دلائل القرآن. القرآن كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، فالقرآن السنة تبين القرآن، تبين مجمله، وكذلك تخصص عمومه. نعم، لهذا كانت السنة مع القرآن على أربع مراتب: المرتبة الأولى: وهي مرتبة التبيين، ببيان كيفية ما أجمل في القرآن، مثل كيفية الصلاة ومقدار الزكاة، جاء في القرآن مجملاً، وبينته السنة. وكذلك المرتبة الثانية: وهي تخصيص العام، أن يأتي في القرآن حكم عام، فيأتي في السنة ما يخصصه، مثل قول الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، هذه الآية عامة تشمل ما لو كان الوالد مؤمناً والابن كافراً أو العكس، أنه يرث أحدهما من الآخر بهذا العموم، فجاء في السنة تخصيص ذلك باتفاق الدين، في قول عليه الصلاة والسلام: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». والمرتبة الثالثة: أن تكون السنة موافقة للقرآن، أن تكون موافقة للقرآن، فيأتي الحكم في القرآن، ويأتي ما يوافقه في السنة، وهذا كثير، كالأمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الجوار، إلى آخره. والمرتبة الرابعة: والقسم الرابع أن تكون السنة زائدة عن القرآن، تأتي بحكم زائد لم يذكر في القرآن، مثل تحريم النبي عليه الصلاة والسلام لكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحمر الأهلية، هذا لم يرد في القرآن، وورد في السنة. إذن السنة تبين القرآن وتفسره، وتدل عليه وتوضحه، وهي كذلك حجة يجب الأخذ بها والعمل بها كالقرآن، لا فرق من حيث الإيمان بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام والتصديق والعمل به. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام، بعد كرب: «لا يوشك أن يكون الرجل متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت، أو النهي مما نهيت، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». ألا وإنما قال رسول الله كما قال الله، ألا وإنما قال رسول الله كما قال الله، يعني: كما يجب أن تأخذ بما أمر الله عز وجل به، كذلك يجب أن تأخذ بما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام. والحديث ذكره النبي عاصم في السنة، قال: «وليس في السنة قياس»، المراد: ليس بسنة قياس، يعني: قياس يعارض به حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس المراد به القياس الجلي، القياس الصحيح، إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، هذا ثابت، إذا وجد حكم لم يرد في السنة، وجد ما يماثله في السنة، نلحقه به، لكن المراد أننا لا نقيس قياساً فاسداً مع وجود سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا ما يسميه العلماء بالقياس الفاسد، أو فاسد الاعتبار، القياس الذي يخالف النص ويخالف الدليل، هذا يرد ولا يعتبر به. «ولا تضرب لها الأمثال»، يعني: ما ترد السنة بشيء من الأمثال، بمثل كذا أو كذا. وما أحسن ما جاء في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «توضأوا مما مست النار، توضأوا مما مست النار»، فقال له رجل: «أنا أتوضأ من الحميم»، يعني: الماء الحار، كأنه يعارض الحديث، فقال له أبو هريرة رضي الله عنه: «يا ابن أخي، إذا سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تضرب له الأمثال»، يعني: ما عليك إلا أن تسلم وتتبع، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. قال: «ولا تضرب لها الأمثال». كذلك أيضاً جاء عن ابن عمر في السنن، أنه سئل عن تقبيل الحجر الأسود، فقال: «استلمته، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ويقبله»، فقال له الرجل: «أرأيت لو زحمت؟ أرأيت لو كذا؟» قال: «اجعل أرأيت في اليمن»، والسائل هذا من اليمن، قال له ابن عمر: «اجعل أرأيت في اليمن، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ويقبله»، يعني يقول: لا تعارض سنة النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الآراء، «أرأيت، أرأيت»، خلال الشيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فاقبله. وما أحسن أيضاً ما ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله في «البداية والنهاية» عن الرشيد، أنه كان عنده معاوية الضرير يحدث، فحدث بحديث «حج آدم موسى»، حديث «حج آدم موسى»، فقال رجل، كأنه يعارض، يقول: «كم بين آدم وموسى؟ كيف حج آدم موسى؟ كم بين آدم وموسى؟» يعني: من فترة زمنية، آدم أول البشر، وموسى متأخر من أواخر أنبياء بني إسرائيل، فغضب الرشيد، فقال: «علي بالنطع والسيف، علي بالنطع والسيف»، أراد أن يقطع رأسه، يعني: كانوا يقولون: تعارض حديث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام، وغضب غضباً شديداً، فما زالوا به يشفعون، فأمر بسجنه، فسجنه، ثم قال: «ما أخرجه حتى يقول: من أين أتى بهذا الكلام؟ من الذي أملاه عليه؟» فما زال به حتى قال: «والله ما أخذت هذا من أحد، وأستغفر الله وأتوب إليه»، ثم عفا عنه بعد ذلك، ولا كان سيضرب رأسه غضباً لسنة النبي عليه الصلاة والسلام أن يعارضها بقوله وبرأيه، رحمه الله. قال: «ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى». أي: سنة ما تدرك بالعقول، وإنما تدرك بالاتباع: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». فالسنة تدرك بالاتباع، بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، ولا تعارض بالعقول، ما يقول إنسان: «العقل، ما يدرك هذا الحديث، ما يقبل هذا الحديث، ما يفعل بعقلك»، إذا كان عقلك فاسداً خرباناً، نرد السنة من أجل عقلك؟ لا أبداً، السنة مقدمة، السنة مقدمة على عقلك، فأنت عليك أن تصحح هذا العقل، ولا يمكن أن يتعارض العقل الصريح مع النص الصحيح، ما يمكن أن يتعارض العقل الصريح مع النص الصحيح، بل عقول توافق النصوص فيما جاء في الشرع. فالمقصود أن الإنسان لا يعارض بعقله ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، للأسف أنه يوجد في هذا العصر بعض هؤلاء أهل الأهواء الذين يردون النصوص والأحاديث الصحيحة بعقولهم. حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقبله، كأحدهم جاء لحديث أبي هريرة في البخاري، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء»، حديث صحيح في البخاري، يقول معنى كلامه: «لو سمعت هذا من طبيب لقبلته، لو سمعت هذا الكلام من طبيب لقبلت هذا الأمر، أما من الرسول صلى الله عليه وسلم لا»، انظر كيف العقول الفاسدة والهوى يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح بعقله. قال: «ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى». فلهذا سُمّي أهل السنة بأهل السنة، لأنهم يتمسكون بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقدمون عليها عقولهم وأهواءهم، بخلاف أهل الأهواء، سُمّوا بأهل الهوى، لأنهم يقدمون الهوى على السنة، يقدمون الهوى على سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال: لم ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان بها». كذلك من أصول السنة: الإيمان بالقدر خيره وشره، أن تؤمن بأن الخير والشر كله بتقدير الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل خلق الخير وخلق الشر وقدره سبحانه وتعالى، ولا يتحقق ذلك إلا أن تؤمن بمراتب القدر الأربع، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. أن تؤمن بأن الله عز وجل علم كل شيء، أن الله عز وجل علم كل شيء، ما كان وما لم يكن، لو كان كيف يكون، كله قد علمه الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]. والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وفي حديث عبادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: 70]، فتؤمن أن الله كتب مقادير كل شيء. والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، أن الله عز وجل شاء كل شيء، وأنه لا يقع شيء بغير مشيئته سبحانه وتعالى، لا يقع شيء في هذا الكون بغير مشيئته سبحانه وتعالى. وقال إمام الشافعي رحمه الله: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، خلقت العباد على ما علمت، ففي العلم يجري الفتى والمسن، على ذا من أنت، وهذا أعنت، وهذا خذلت، وذا لم تعن، فمنهم شقي، ومنهم سعيد، ومنهم قبيح، ومنهم حسن، أي: كل شيء فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى، الخير والشر كله قد شاءه الله عز وجل». ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: 30]. والمرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق، أن الله عز وجل خلق كل شيء، الله خالق كل شيء، وخلق كل شيء فقدره تقديراً. فإذا آمنت بهذه المراتب الأربع كنت محققاً للإيمان بمرتبة القدر خيره وشره، فتؤمن أن الله علم كل شيء، وكتبه، وشاءه، وخلقه سبحانه وتعالى. «والتصديق بالأحاديث فيه»، يعني: الأحاديث الواردة في هذا الباب، في باب القدر، كحديث «حج آدم موسى»، وحديث عبد الله بن عامر: «إن الله قدر مقادير الخلائق»، وحديث عبادة بن الصامت: «أول ما خلق الله القلم»، وحديث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً»، الحديث، هذه كلها، وما كان مثلها مما يتعلق بالقدر، يجب عليك أن تؤمن بها، وأن تسلم بها، ولا يقال: لم، لا تسأل بلم في باب القدر، كما لا تسأل بكيف في باب الصفات، لا تقول: «لم خلق الله كذا ولم يخلق كذا؟ لم أعطى الله فلان ولم يعط فلان؟ لم هذا غني وهذا فقير؟ لم هذا أسود وهذا أبيض؟» لا، لا تسأل، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، ليس لك حق أن تسأل بلم في أفعال الله سبحانه وتعالى، وإنما الواجب عليك هو التسليم والانقياد. قال رحمه الله: «ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نأت عن الأسماع واستوحش منها المستمع، وإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات». يقول: الواجب على المسلم أن يؤمن بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإن لم يدرك معناها بعقله، وإن لم يفهم تفسيرها، لا يحمله ذلك على ردها وتكذيبها، لا يحمله ذلك على ردها وتكذيبها، كما فعل أهل الأهواء من المعتزلة والأشاعرة والجهمية وغيرهم، كم ردوا من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام لأن عقولهم لم تدركها، أو تخالف ما يعتقدون من المعتقدات الباطلة والمعتقدات المنحرفة. قال: «مثل حديث الصادق المصدوق»، حديث ابن مسعود: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». هذا الحديث يبطل ما عليه القدرية في ضلالهم في باب القدر، ويبين أن كل شيء قد قدره الله سبحانه وتعالى، ولهذا أرادوا جحود هذا الحديث وإنكاره، حتى قال عمرو بن عبيد المعتزلي، هو رأس من رؤوس المعتزلة، كما ذكر الإمام ابن كثير في «البداية والنهاية»، جاء إلى هذا الحديث وهو في الصحيحين، والحديث من طريق الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لو سمعت هذا الحديث من الأعمش لكذبته، لو سمعت هذا الحديث من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لرددته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لما صدقته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبلته، ولو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا». انظر إلى الهوى كيف رد هذا الحديث لأنه لم يوافق هواه، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. فهكذا أهل الأهواء يردون الأحاديث الصحيحة التي لا تدركها عقولهم، مع أن الواجب هو الإيمان والتسليم والتصديق. قال: «ومثل ما كان مثله في القدر»، أي: أحاديث كذلك القدر التي مر ذكر بعض منها، الواجب الإيمان والتسليم لها، وإن لم تدركها عقولنا، وإن لم تدركها عقولنا، فلا نردها، بل نؤمن بها ونصدق، وأنها حق، قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: «ومثل أحاديث الرؤية كلها»، كذلك أحاديث الرؤية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإننا كذلك نؤمن بها ونصدقها، مثل حديث جرير في الصحيحين: «إن في قوله عليه الصلاة والسلام: سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته». النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن أهل الإيمان سيرون ربهم يوم القيامة كما يرون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، لا تزدحمون في رؤيته، كل يرى في محله، كما أننا نرى القمر ونحن في محلنا، ما نزدحم عند رؤيته، كذلك يرى المؤمنون ربهم، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرء بالمرء، ليس أن الله كالقمر، فالله ليس كمثله شيء، ولكن شبه النبي صلى الله عليه وسلم الرؤية بالرؤية، رؤيتنا لله يوم القيامة كرؤيتنا للقمر في الدنيا، لا تضامون في رؤيته. هذا الحديث فيه إثبات الرؤية، رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، أهل التعطيل من الجهمية ومن سار على طريقتهم أنكروا هذا الحديث ولم يقبلوه، ولهذا يقول الإمام وكيع رحمه الله: «حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير في الرؤية، من رده فهو جهمي»، من رده لم يقبله فهو جهمي، أي: على معتقد الجهمية، لأن الجهمية ينكرون رؤية الله سبحانه وتعالى، فمراده رحمه الله أن المؤمن إذا أراد أن يكون على السنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنه يقبل هذه الأحاديث ويؤمن بها ويصدقها، ولا يردها ولا ينكرها. قال: «وإن نأت عن الأسماع واستوحش منها المستمع»، ويريد بهذا: من في قلبه مرض، أو في قلبه شيء، يعني: مثل أهل الأهواء، لما يسمعون هذه الأحاديث يشمئزون ويكرهون سماعها، أما المؤمن السني فلا يجد في قلبه حرجاً، ولا يجد في قلبه شيئاً عندما يسمع مثل هذه الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيؤمن بها ويصدقها ويقبلها، ولا يردها. قال: «وإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفاً واحداً»، لا يرد حرفاً واحداً، يعني: حديثاً واحداً عن النبي عليه الصلاة والسلام. الإمام ابن المبارك يقول: «من رد حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم صحته فقد كفر»، من رد حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم صحته فقد كفر، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا بوحي، كما أنه يجب علينا قبول الوحي القرآني ولا يجوز لنا أن نرد حرفاً منه، كذلك يجب علينا أن نقبل الوحي النبوي، ولا يجوز لنا أن نرد حرفاً منه، لأنه حق ويجب الإيمان به. قال: «وغيرها من الأحاديث المأثور عن الثقات»، عن الثابتة عن الرواة الثقات الذين رووها عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب أن نؤمن بها وأن نسلم لها. قال: «وأن لا يخاصم أحداً، ولا يناظره، ولا يتعلم الجدال، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه، لا يكون صاحبه، وإن أصاب بكلامه السنة، من أهل السنة، حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن بالآثار». يقول كذلك: «وأن لا يخاصم أحداً، لا يناظره»، يعني: أنه لا يناظر ويخوض فيما لا علم له به، لا يناظر ويخوض فيما لا علم له به، فإن فعل ذلك فهو آثم، فهو آثم، حتى لو وافق الحق، يناظر ويجادل وهو جاهل، وأصاب في هذه المناظرة فهو آثم، لأنه فعل شيئاً لا يحل له، ولا يجوز أن يخوض فيه. مثله مثل من يقضي بين الناس بجهل، ولو أصاب الحق فهو آثم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة»، قال: «من عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ومن قضى بجهل فهو في النار، ومن علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار». فقول عليه الصلاة والسلام: «ومن قضى بجهل فهو في النار»، قال أهل العلم: «وإن أصاب الحق، وإن أصاب الحق، لكنه بجهل فهو في النار». وهذا مثل كذلك من يناظر ويجادل وهو على جهل، وإن أصاب الحق في ذلك فهو آثم، لأنه فعل شيئاً ابتداءً لا يحل له. وإنما هذا الأمر، أمر المناظرة، وكذلك مجادلة أهل الأهواء، هو للعلماء، هو للعلماء، إذا اضطروا إلى ذلك، أو قضت الحاجة أن يجادل أهل الباطل ويبين الحق، وأما أن يجعل دينه عرضة للخصومة، يجادل هذا ويجادل هذا، ليس هذا من دين الله، ولا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الإمام مالك جاءه رجل، قال: «أجادلك؟» قال: «فإن غلبتك؟» قال: «اتّبعتك»، قال: «فإن غلبتني؟» قال: «اتّبعتني»، قال: «فإن جاء رجل ثالث غلبنا؟» قال: «اتّبعناه»، قال: «إذا نجعل ديننا عرضة للتنقل، اذهب إلى شاك في ديني مثلك، فإني على ثبات من ديني». فما تجعل دينك عرضة للتنقل والجدال والمخاصمة، بل تؤمن وتسلم لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ففيها الخير والكفاية، ومن جاء يعارضها ويجادل ويخاصم فيها، فرد قوله، لا تقبل، قل: عندي الأصل وهو الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة. وهكذا في كل هذه المسائل، في باب القدر تأخذ بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، مسائل الرؤية وما جاء فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما ثبت في القرآن في إثبات الرؤية، نؤمن بها ونصدقها ونثبتها. وهكذا أيضاً القرآن، أنه كلام الله منزل غير مخلوق، ما سيأتي، كل هذه القضايا والمسائل لا نجادل فيها ولا نخاصم فيها، بل نؤمن ونسلم بما جاء في كتاب الله، ومما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. طيب، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.