المحاضرة بعنوان وأصلحوا ذات بينكم، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثانية والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 7 ذو القعدة 1445هـ الموافق 15 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
العلم النافع هو أعظم وسيلة لرفع الجهل وتحقيق العبودية لله، فيصلح الأولاد في مجالس العلم والكهول في المساجد والنساء في بيوتهن والفاسقين بالسجن. صلاح المجتمعات مرهون بنشر العلم والعمل به، والولد الصالح ثمرة للتربية في بيوت الله ومجالس العلم.
الإصلاح في القرآن يأتي بمعنى الرفق واللطف في الدعوة كما في قصة موسى وهارون، وبمعنى الإحسان في القول والعمل كما في دعاء شعيب، وبمعنى إصلاح ما أفسده العبد بعد التوبة كشرط للمغفرة، وبمعنى الإصلاح بين المتخاصمين وعدم جعل اليمين مانعًا من فعل الخير، مع مشروعية الإصلاح بين الزوجين عند الطلاق الرجعي.
يجب السعي في الإصلاح بين الزوجين عند الشقاق عبر التحكيم، ويجوز للمرأة التنازل عن بعض حقوقها للبقاء مع زوجها خشية الفرقة مستدلاً بآية سودة بنت زمعة. الإصلاح بين المؤمنين عامة من أعظم القربات، ويستحب فيه التنازل عن الحق اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم مع كعب بن مالك والحسن بن علي رضي الله عنهما، ومن عفا وأصلح فأجره على الله.
صلح الحسن بن علي رضي الله عنه وتنازله عن الخلافة حقنًا للدماء وجمعًا للكلمة، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحسن سيد يصلح بين فئتين عظيمتين. الآيات القرآنية تبرز عظيم أجر المصلح بين الناس سواء بالتنازل عن بعض الحقوق أو بالسعي في الإصلاح، داعية المسلم للحرص على هذا الباب العظيم من أبواب الخير.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات ربي عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، شكر الله لإخواننا المشايخ الفضلاء والأساتذة النبلاء القائمين على هذه الدورة المباركة النافعة بإذن الله، والتي بها تصلح هذه الأنفس وهذه المجتمعات، فلا أنفع لصلاح الأنفس والمجتمعات بمثل العلم. العلم أفضل ما تصلح به هذه النفوس، ترفع عنها الجهل، ويتعبد المرء ربه جل وعلا بعلم ونور، ويمشي في سيره وطريقه إلى الله سبحانه وتعالى على علم وهدى، ﴿أَوَمَن جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. وهكذا تصلح هذه المجتمعات ببث العلم ونشره وتعليمه، يتعلم الصغار ويتعلم الكبار، ويتعلم الرجال ويتعلم النساء، فهنا يكثر الخير ويقل الشر. وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. أهلها مصلحون، ليسوا فقط صالحين أو مصلحين لأنفسهم، بل هم كذلك مصلحون لغيرهم، مصلحون لأسرهم، مصلحون لأولادهم، مصلحون لمجتمعاتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكمل ذلك إلا بالعلم. فبالعلم تصلح هذه المجتمعات، فيكثر خيرها ويقل شرها. وتترى المجتمعات التي يكثر فيها العلم وأهلها، ترى فيها الخير ظاهرًا والشر يكون قليلاً. وهكذا بالعكس، إذا كثر الجهل وقل العلم، فهنا يكثر الشر ويقل الخير. فإن أعظم ما تصلح به هذه الأرض هو بالعلم الذي به تتحقق العبودية لله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. بعد إصلاحها، أي بطاعة الله. وأعظم ما يعين على طاعة الله وعلى صلاح الطاعات هو العلم، هو العلم النافع، علم الكتاب والسنة. والمسلم لا يستغني عما يصلح به نفسه، فهو بحاجة إلى ما يعينه على صلاح قلبه، وعلى صلاح جوارحه، وعلى صلاح أعماله، وعلى صلاح أقواله. أعظم ما يعينه على ذلك هو العلم. كذلك أيضًا صلاح الذرية والأولاد، فإن صلاحهم يكون بالعلم، بتعليمهم وتهذيبهم وتربيتهم في مجالس العلم وفي بيوت الله جل وعلا. إذا أردت أن يصلح الله عز وجل ولدك، فخذ بيده إلى بيوت الله جل وعلا التي فيها العلم، فيصلحه الله جل وعلا شاء أم أبى. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «صلاح الأولاد في مجالس العلم». قال أحد السلف: «صلاح أربعة في أربعة: صلاح الفتيان في الكتاتيب». أي الأولاد، صلاحهم في الكتاتيب، أي في مجالس العلم التي كانت في السابق، كان السلف يدرسون في الكتاتيب، يأتي الطفل فيتعلم القراءة والكتابة ثم يتعلم القرآن، وهكذا مبادئ العلم، فيصلح في مثل هذه المجالس النافعة. صلاح الفتيان في الكتاتيب، فإذا أهمل، أهمل، أهمل الولد، وجعل يعني يلعف في الشوارع ويضيع أوقاته، ولا يؤخذ بيده إلى مثل هذه المجالس النافعة، يضيع، يضيع، وينشأ على ماذا؟ على البعد عن طاعة الله وحب المعاصي والفسق، عياذًا بالله، كحال كثير من الأولاد هداهم الله جل وعلا، الذين أهمل آباؤهم وأمهاتهم تربيتهم، فتجدهم ينشأون على حب المعاصي وحب الذنوب والخطايا والسيئات، والبعد عن مثل هذه المجالس الطيبة النافعة المباركة. وقال: «وصلاح الكهل في المسجد». صلاح الكهل الكبير الذي قد كبر وانتهى زمن شبابه، فصلاحه في بيوت الله، أن يلزم المساجد، يحافظ على الصلوات، يكثر من ذكر الله، يقرأ القرآن، يحضر مجالس العلم، يكون ملازمًا لبيوت الله. هذا مما يصلح به الكهل. أما إذا كان مع هذا السن وهو بعيد عن المساجد، تجده ربما في مقاهي النت، وفي مجالس القيل والقال واللعب، والله، كحال كثير من أمثال هؤلاء، تجدهم في المقاهي يلعبون الورق والضمنة، بل ربما قد بلغ سن الشيخوخة، سن الشيخوخة يعني أصبح قريبًا من الموت، ومع هذا تجده في غفلة عظيمة، حريصًا على اللعب، والله. وهذا لا شك أنه ضياع عظيم وإفساد للإنسان لنفسه، يفسد نفسه بمثل هذا اللعب، والله. فإذا أراد من كان كذلك أن يصلح نفسه، فليلزم بيوت الله، يلزم هذه المساجد، ففيها صلاح نفسه. وقال: «وصلاح المرأة في بيتها». صلاح المرأة في لزوم بيتها، لا تخرج إلا لضرورة أو لحاجة. والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾. فالمرأة تصلح إذا لزمت بيتها، تقوم بخدمة زوجها وبرعاية أولادها وبشؤون البيت، فهذا صلاحها. فإذا خرجت وتبرجت وخالطت الرجال، فإن ذلك من أسباب فسادها. ولهذا تجدون أعداء هذا الدين من دعاة تحرير المرأة وغيرهم حريصين على إخراج المرأة من بيتها، ويعنون يدعون هذه المرأة المسكينة إلى أن تنزع يد الطاعة عن زوجها أو عن والديها، وكذلك يبثون في عقلها الشبه أنها محبوسة، وأنها ممنوعة من حقوقها ومن حريتها ومن شؤون حياتها إلى آخر ذلك، وهم يردون من ذلك أن تخرج حتى تكون في أيديهم، فبعد ذلك يتسنى لهم أن يفعلوا بها ما شاء، وتصبح بعد ذلك ألعوبة في أيدي الذئاب البشرية، فيكون حالها كحال المرأة في الغرب، كحال المرأة في الغرب، لا قيمة لها ولا منزلة ولا مكانة، بل هي كما سمعتم ألعوبة في أيدي العابثين. فالمرأة صلاحها في لزوم البيت. وقال: «وصلاح الفاسق في السجن». الفاسق الذي ما عنده هم إلا الذنوب والمعاصي والبغي على الآخرين والاعتداء، يعتدي على مال هذا، ويعتدي على عرض هذا، وعلى دم هذا، مفسد، مفسد في الأرض. هذا صلاحه أن يودع في السجن، فيتأدب، يتأدب إذا سجن، ويصلح حاله بإذن الله. فالمقصود أن أمر الإصلاح من الأمور العظيمة التي حف عليها الإسلام ورغب فيها، سواء كان ذلك صلاح الأنفس أو كان صلاح الذرية. والله عز وجل يقول مادحًا عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ولد صالح، قيد الله عز وجل هذا الولد بالصلاح، ما قال: أو ولد يدعو له، لأن الذي يهتم بأمر أبيه ويعرف قيمته ومنزلته هو الولد الصالح الذي يعرف قيمة الأب وعظيم مكانته، فإذا فقده فإنه لا ينساه من الدعاء، فيدعو له بالمغفرة والرحمة ورفع المنزلة، فينتفع به الأب بعد موته وانتقاله من هذه الدنيا. هذا الولد الصالح الذي تربى في بيوت الله وفي مثل هذه المجالس المباركة من مجالس العلم. كذلك أيضًا صلاح المجتمعات، فهذا كذلك كما سمعتم من المقاصد العظيمة التي دعت إليها الشريعة. كذلك أيضًا ورد لفظ الإصلاح في كتاب الله عز وجل وأريد به معنى الرفق واللطف، كما في قول الله عز وجل على لسان موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. أصلح، يعني كن رفيقًا في قومك وفي دعوتهم، وفي الإشفاق عليهم والإحسان إليهم. وهذا مما يحتاج له الداعي إلى الله سبحانه وتعالى في دعوته، أن يكون رفيقًا، فإن ذلك مما تصلح به دعوته، وتكون لها الأثر الطيب والثمار الحسنة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ويقول: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه». والله جل وعلا يقول في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لو كنت تعامل قومك بالغِلظة والشدة والقسوة، لما جلس إليك أحد، ولما التف حولك أحد، ولما نفع منك أحد. فلما كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته الرفق واللين والرحمة والشفقة، كانت دعوته نافعة، والتف الناس حوله، وأحبه القريب والبعيد. وهكذا يصلح ويفلح الداعي إلى الله سبحانه وتعالى إذا كان متخلقًا بهذا الخلق العظيم. كذلك أيضًا الإحسان، ورد الإصلاح بمعنى الإحسان، كما في قول الله عز وجل عن شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، أي الإحسان في الأقوال وفي الأعمال، فإن ذلك من تمام صلاح الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، أن يكون محسنًا في أقواله وفي أفعاله وفي تصرفاته. كذلك أيضًا ورد الإصلاح والأمر به بعد التوبة، إذا أذنب الإنسان وأخطأ وزل وأفسد حال خطئه وزلته، فإن من تمام توبته أن يصلح ما أفسد. قال الله جل وعلا آمرًا من وقع في مثل ذلك أن يصلح بعد توبته: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، أصلحوا ما أفسدوا. إن كنت أفسدت بلسانك، فأصلح ما أفسدته بلسانك، وإن كنت أفسدت بأفعالك، فأصلح ما أفسدت بأفعالك، وإن كنت أفسدت بقلمك وكتابتك، فأصلح. لا يكفي مجرد أن تقول: أتوب إلى الله بلسانك، وأنت قد أفسدت، أفسدت بأنواع مختلفة من أنواع الإفساد، فلا بد من الإصلاح إذا كنت حقًا صادقًا في توبتك. قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، جعل الله عز وجل الإصلاح شرطًا لحصول المغفرة والرحمة. كذلك أيضًا الإصلاح بين الناس، والإصلاح في ذات البين، فهذا من أكثر ما ورد فيه الأمر في كتاب الله جل وعلا. قال عز وجل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. إذا خاف الإنسان من صاحب الوصية جنفًا، أي بعدًا عن الحق عن غير قصد، أو إثما إذا فعل ذلك عن قصد، فلا جناح عليه أن يصلح بينهما، أي بين صاحب الوصية وبين الموصى إليهم، أن يصلح بينهم بما فيه رفع هذا الإثم عن الموصي، وحصول العدل للموصى إليهم، فيحصل بذلك الخير العظيم. وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. نهى الله عز وجل أن يجعل المسلم يمينه مانعة له من فعل الخير، مانعة له من فعل البر والتقوى، وكذلك أيضًا من الإصلاح. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ما تقول: أنا حلفت أني ما أتدخل في هذه المسألة، أو في هذه القضية، أو بين هذين المتنازعين. لا تجعل اليمين مانعة لك من فعل هذا الخير العظيم، أن تصلح بين الناس، أن تصلح بين الناس، وأن ترفع النزاع والخصام الذي بينهم. هذا أمر من الله جل وعلا، وحث وترغيب في الإصلاح، وأن المسلم لا يجعل اليمين مانعة له من الخير. بل إن استمراره في هذه اليمين وعدم الحنث فيها قد يوقعه في الإثم، إذا كان حنثه هو الخير، أن يفعل ويخالف ما حلف عليه هو الخير، والذي يحبه الله، فعليه أن يحنث في يمينه، وأن يكفر، ولا يستمر في يمينه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني». «إلا أتيت الذي هو خير». وكذلك أمر عليه الصلاة والسلام من حلف بمثل ذلك أن يأتي الذي هو خير. روى عبد الرحمن بن سمرة، قال: «من حلف منكم على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». وفي حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لأن يلجىء الرجل في يمينه في أهله آثم له عند الله، من أن يأتي كفارته التي فرض الله عليه». لا يلجىء أحدكم في يمين، يعني يستمر في يمينه في أهله، إذا حلف في أهله بيمين: والله لا آتي لكم بشيء كذا، أو والله لا آخذكم إلى المكان كذا، أو نحو ذلك من اليمين المتعلق بأهله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لأن يلجىء أحدكم في يمينه في أهله»، أي يستمر في يمينه، «آثم له عند الله، من أن يأتي كفارته التي فرض الله عليه». بمعنى أنه ينبغي له أن يكفر عن يمينه، وأن يحسن إلى أهله، وأن ذلك خير له من أن يستمر في يمينه. فإن أبى إلا أن يستمر في يمينه، فإن ذلك قد يوقعه في الإثم، يوقعه في الإثم. وكذلك أيضًا أمر الله عز وجل بالإصلاح بين الرجل وبين زوجته، إذا وقع بينهما خلاف أو نزاع أو شقاق أو طلاق، فلا يمنع ذلك من الصلح بينهما ما أمكن. قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. بعولتهم، أي أزواج هؤلاء المطلقات، أحق بردهن، أي برد هذه الزوجة المطلقة، إذا كان الطلاق طلاقًا رجعيًا، فهو يملك رجعتها، وإذا كان يريد بذلك الإصلاح، فإنه لا ينبغي أن يمنع من جهة ولي المرأة، ما يقال: أنت طلقت وأهنت ابنتي، أو أهنت أختي، ما أرجعها إليك أبدًا. لا، مادام أنه يريد الإصلاح، ويعترف بخطئه وذنبه وزلته، وأحس بخطيئته، ويريد إرجاع زوجته لما بينهما من المحبة والمودة إلى آخر ذلك، فهنا ترد إليه، ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. قال أهل العلم: مفهوم المخالفة، أنه إن لم يرد الإصلاح، إذا علم منه أنه ما يريد الإصلاح، وإنما يريد الإفساد، فإنها لا ترد إليه، لا ترد إليه، كمن عرف منه ظلمه لزوجته بضربها وإهانتها ونحو ذلك، فمثل هذا لا يستحق أن ترجع إليه، وخاصة إذا علم أنه لم يصدق في رجوعه وفي قصده للإصلاح، فمثل ذلك لا يعان على إرجاع زوجته له، لأن ذلك سبب لذمتها وإهانتها إلى آخر ذلك. وكذلك أيضًا يقول الله جل وعلا، مخبرًا ما قد يقع بين الزوجين من شقاق ونزاع: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. إذا وقع النزاع بين الزوجين، وما أمكن أن يقترب فيما بينهما، وكل متمسك برأيه وبقوله، فهنا أمر الله عز وجل أن يؤتى بحكم من جهة الرجل، وحكم من جهة المرأة، يكون هذا الحكم فطنًا عالمًا، عنده خبرة بحل النزاع ورفع الشقاق، فينظران في هذا الأمر وفي هذا النزاع، ويسعيان في الإصلاح ما استطاعا. إن كان قصدهما الإصلاح، وهما يرغبان في ذلك، يوفق الله سبحانه وتعالى بينهما في ذلك، ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. وأما إن لم يريد الإصلاح، وكل يريد قوله ورأيه، فهنا سيؤدي الأمر إلى الفراق وإلى الطلاق، وكذلك عدم الرجوع. فالمقصود أن الإصلاح مطلوب ما أمكن، إلى ذلك ما أمكن ذلك، فيسعى إليه، وتقضى فيه الأوقات، وتبذل فيه الجهود، فهو من أفعال الخير والبر التي يحبها الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. امرأة خافت من بعلها، أي من زوجها، نشوزًا أو إعراضًا. نشوزًا، أي ترفعًا، وإعراضًا، أي عدم رغبة. إذا كان الرجل ما يرغب في امرأته، والمرأة تشعر بأن زوجها ما يرغب فيها، وقد بدأ بالإعراض عنها، لكنها تحب أن تبقى معه، لكونها مثلًا ما لها أحد ترجع إليه، أو لأن عندها أولاد، فتخاف على تشتت الأولاد، فتصلح معه، أن تتنازل عن شيء من حقوقها على أن يبقيها معها، فلا بأس بذلك. قال الله عز وجل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، هذا الصلح بالتنازل عن شيء من حقوقها، من النفقة أو من المبيت أو نحو ذلك. وقد نزلت هذه الآية في شأن سودة بنت زمعة رضي الله عنها، لما علمت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قلت رغبته فيها، أو أنه أراد فراقها، فتنازلت عن ليلتها لعائشة رضي الله عنها، وأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. أصلحوا، أمر الله عز وجل بالإصلاح في ذات البين. وكذلك أمر الله بالإصلاح بين الطائفتين إذا وقع بينهما نزاع وخلاف وشقاق، حتى أدى إلى القتال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. هكذا يأمر الله عز وجل بالإصلاح، لأن فيه الألفة والاجتماع والمحبة والمودة والأخوة، ونزع أسباب الفرقة والبغض والكراهية. فأمر الإصلاح أمره عظيم. ولا شك أن أمر الإصلاح لا يتأتى أحيانًا، بل في الغالب، إلا بشيء من التنازل، أن يتنازل الإنسان عن شيء من حقوقه سعيًا للإصلاح، وهو بهذا مأجور ومثاب. في البخاري، من حديث كعب بن مالك، أن كعب بن مالك رضي الله عنه كان يتقاضى ابن أبي حدرد الدين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فارتفعت أصواتهما، فسمعهما النبي عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهما، فقال: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه أن «ضع الشطر»، أي نصف الدين، قال: قد فعلت يا رسول الله. فقال للآخر: «قم فاقضه». انظروا في هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذين المتخاصمين، ما جلس في بيته وقال: ما لي دخل، يصلح ما بينه وبين صاحبه أبدًا، بل خرج عليه الصلاة والسلام إليهما ليصلح بينهما. بل ربما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة حصل بينها نزاع ليصلح بينهما، كما حدث في بني عمرو بن عوف، والحديث في الصحيحين من حديث سهل بن السعد، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام يصلح بينهم. ووقع كذلك خلاف بين أهل قباء، حتى تراموا بالحجارة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «قوموا بنا نصلح بينهم». كان يسعى ويحرص عليه الصلاة والسلام على الإصلاح، إصلاح ذات البين. فأمر كعب بن مالك أن يتنازل عن شطر الدين، عن نصفه، حتى يصلح ما بينه وبين أخيه، وما كان من كعب إلا أن قال: لبيك يا رسول الله، قد وضعت، وضعت الشطر والنصف. قال للآخر: «قم فاقضه»، أي أعطه نصف الدين الآخر، وانتهت القضية التي بينهما. فهكذا يكون الصلح، في شيء من التنازل، إذا أراد الإنسان أن يصلح ما بينه وبين أخيه، فليتنازل، فليتنازل، وله الأجر والثواب. «فمن عفى وأصلح فأجره على الله». سمع النبي عليه الصلاة والسلام صوت خصوم، عالي أصواتهما، وإذا أحدهما يسترفق الآخر في شيء ويسترضيه، يقول: ارفق بي، أحسن إلي، تنازل عن شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، والله لا أفعل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ذا الذي يتألى على الله ألا يفعل المعروف؟» هذا من المعروف، أن تتنازل لأخيك عن شيء من الحق حتى تصلح ما بينك وبينه. قال: يا رسول الله، هو له أي ذلك، أحب، يطلب الذي يريد، يطلب الذي يريد، وأنا أتنازل عنه، ما دام أن هذا من المعروف ومن الخير. وهذا لك رفعة، لا تظن أنك إذا تنازلت أنك قد هضمت، وأنك قد غلب عليك أو ظلمت أو كذا وكذا، أبدًا، بل أنت الذي لك الرفع والشرف. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا». كلما عفوت، كلما كانت لك العزة والشرف والرفعة والمكانة العالية والذكر الحسن. وانظر إلى ما فعل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، لما خرج بتلك الكتائب العظيمة بعد مقتل علي رضي الله عنه، وكان الأمر في الشام لمعاوية، واجتمع الفريقان، كان مع الحسن بن علي كتائب أمثال الجبال. قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: «إني أرى كتائب لا ترجع إلا وقد قضت على أقرانها». فقال معاوية رضي الله عنه: «يا عمرو، إذا قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، فمن لي بأمور الناس؟ ومن لي بالنساء؟ ومن لي بضيعاتهم؟» ثم بعث إلى الحسن رجلين يطلب منهما أن يصطلحا مع الحسن، بعث عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر، فما كان من الحسن رضي الله عنه إلا أن قبل الصلح، وتنازل، تنازل عن الخلافة والإمارة. قال أبو بكرة: قال الحسن، رحمه الله، سمعت أبا بكرة وهو يقول: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر، والحسن بن علي بجانبه، ينظر إليه تارة، وينظر إلينا تارة، فقال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». بين فئتين عظيمتين من المسلمين. فوقع ذلك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الباب باب عظيم، وكذلك من أبواب الخير العظيمة التي ينبغي أن يحرص المسلم على السعي فيها، أن يكون مصلحًا بين الناس. والله عز وجل يقول: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. ويقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فهذه الآيات وغيرها من الأدلة، ينبغي للمسلم أن يتمعن فيها، وأن يعلم عظيم الأجر في مثل هذا الباب، سواء كان مصلحًا بنفسه، أو كان مصلحًا بأن يتنازل عن شيء من حقوقه حرصًا على جمع الكلمة، وعلى الألفة، ورفع أسباب الخلاف والشقاق، فله هذا الأجر العظيم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى به. أسأل الله جل وعلا بمنه وفضله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا جل وعلا ما يسخطه ويأباه، وأن ينفعنا جل وعلا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.