يُذكر فضل الاستعاذة بكلمات الله من الفزع والخوف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه كلمات للاستعاذة من الخوف والفزع أثناء النوم. هذه الكلمات تعتبر ثمرة من ثمار التوحيد.
الاستعاذة من غضب الله تعني طلب الحماية من الله من غضبه وعقابه، حيث إن الغضب صفة فعلية لله تتعلق بمشيئته. يغضب على الكافرين والعاصين، والاستعاذة من غضبه تتضمن الاستعاذة من أسبابه وعقابه.
الاستعاذة تشمل شر جميع مخلوقات الله، بما في ذلك الإنس والجن والحيوانات، ومن همزات الشياطين ووساوسهم. الإنسان يستعيذ بالله من هذه الشرور ليحميه من إضلال الشيطان ووساوسه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمُرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما زلنا معكم في حلقات ثمار التوحيد وآثاره. وفي هذه الحلقة نذكر ثمرة من ثمار التوحيد، وهي تابعة لما قبلها من الحلقات الأخيرة في ذكر فضل وثمرة الاستعاذة بكلمات الله جل وعلا. أخرج أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وفي رواية للنسائي قال: «كان خالد بن الوليد رجلاً يفزع في منامه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اضطجعت فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن». وفي موضع آخر عند مالك: «بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أروع في منامي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره». فهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمهم من الفزع -يعني من الخوف- إذا كان الإنسان يخاف في نومه أو عنده شيء من الخوف والفزع، فيستعيذ بالله جل وعلا بهذه الكلمات: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». سبق معنا في الحلقات الماضية ذكر «أعوذ بكلمات الله التامة»، وعرفنا أن «أعوذ» بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله جل وعلا من شر كل ذي شر. وكلمات الله أي كلام الله جل وعلا الذي لا منتهى له ولا نهاية له، كما قال جل وعلا: ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً﴾. والتامة أي الكاملة التي لا نقص فيها. من غضبه، فأنت تستعيذ بكلمات الله جل وعلا من غضبه، أي من غضب الله سبحانه وتعالى. وذلك أن العبد إذا غضب الله جل وعلا عليه فإنه لا يفلح. والغضب صفة من صفات الله جل وعلا الفعلية التي يفعلها سبحانه وتعالى متى شاء، فهي متعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فلما آثفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾، ومعنى آثفونا أي أغضبونا. وقال جل وعلا: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾. فأثبت الله جل وعلا لنفسه صفة الغضب. فالله جل وعلا يغضب من عباده من شاء منهم، يغضب على الكافرين، ويغضب على اليهود والنصارى، وعلى الكفار المشركين الذين اتخذوا معه آلهة، ويغضب جل وعلا ممن يعصيه ويخالف أمره. والاستعاذة من غضب الله جل وعلا متضمنة للاستعاذة من أسباب الغضب، فإن الغضب له أسباب كثيرة. فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من غضب الله، ومن الوقوع فيما يغضب الله جل وعلا، ومن فعل ما يوجب غضب الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً تستعيذ من عقابه. من غضبه وعقابه، والعقوبة هي ثمرة الغضب. فإن الله جل وعلا إذا غضب على عباده عاقبهم، كما سمعنا في قوله سبحانه: ﴿فلما آثفونا انتقمنا منهم﴾. فحصل الانتقام بعد الغضب. فإن العقوبة هي ثمرة الغضب. ولهذا الله عز وجل أخبرنا في كتابه عن أمم كثيرة وقرى متعددة عاقبها الله جل وعلا، وأنزل عليها أنواعاً من العقوبات لما أغضبوه جل وعلا بكفرهم وعدم إيمانهم، ومخالفة أمره وأمر رسله، فأوجب ذلك عليهم عقوبة الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها فسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً﴾. وتستعيذ بالله جل وعلا من شر عباده. و«عباده» هذه الكلمة جمع مضاف، فـ«عباد» مضاف إلى الضمير الهاء، فدل على الجمع. لأن الجمع إذا أضيف دل على العموم. فقول «وشر عباده» هذه استعاذة من جميع عباد الله جل وعلا الذين فيهم شر، فيشمل ذلك الإنس والجن والحيوانات والهوام وغيرها من مخلوقات الله جل وعلا التي فيها شر. فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شرها. وهكذا الرياح والأعاصير ونحوها من مخلوقات الله سبحانه وتعالى. ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. «من همزات الشياطين» أي وساوس الشيطان التي يخطر بها بقلب الإنسان، ووساوسه التي يوسوس بها للإنسان. فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من وساوسه وخطراته. والشيطان هو عدو الإنسان، وذلك أنه من أقرب الأعداء إلى الإنسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». وفي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وكل به قرينان، قرين يأمره بالمعروف ويحثه عليه، وقرين يأمره بالشر ويحثه عليه». قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». ولذلك قال الله عز وجل: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من همزات الشياطين وأن يحضرون، أي أن يصيبك بسوء، سواء كان ذلك بوساوس وخطرات وصد عن سبيل الله، أو كذلك بتزيين الباطل، أو بكذلك تزهيد في العبادة والطاعة، أو كان ذلك عن طريق المس أو غير ذلك مما فيه شر وسوء للإنسان. ومما يبين أن معنى قولي «وهمزات الشياطين وأن يحضرون» أي أن يصيبوا العبد بسوء، قول الله جل وعلا: ﴿وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربي أن يحضرون﴾. فهذه الاستعاذة المباركة النبوية فيها لجوء العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، واستعاذته بالله وبكلمات الله جل وعلا التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. فهي سبب لرفع الله جل وعلا الفزع والخوف من قلب الإنسان. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.