الدرس في سلامة القلوب 4، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المقطع قصة المقنع الكندي محمد بن ظفر الذي أنفق ماله كله على بني عمه وقرابته، فلما احتاج لزوجة رفضوه لدَينه، فأنشد أبياتًا تعبر عن كرمه وصفاء سريرته رغم جفائهم. ويختتم بتحذير من داء البخل والشح، مؤكدًا أن المال نعمة من الله يجب إنفاقها في وجوه الخير رجاء الأجر العظيم.
يستعرض المقطع أسباب عدم سلامة القلوب كضعف الصلة بالله، وعدم المراقبة، والجهل، وسوء الظن، ويؤكد على أهمية التحلي بالأخلاق الفاضلة. كما يشدد على كظم الغيظ اقتداءً بالسنة النبوية كعلاج لتلك الأمراض القلبية.
يحذر الخطيب من سوء الظن بالمسلمين وإصدار الأحكام دون تثبت مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويؤكد على ضرورة اللجوء للدعاء لتطهير القلوب من الأمراض. ويختتم بالبشارة بتخريج دفعة من حفاظ القرآن بالقراءات المتواترة في دار الحديث بالشحر ومركز طيبة.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، مؤكداً أن الله ولي ذلك والقادر عليه. ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين نبينا محمد، عليه وعلى صحابته أفضل صلاة وأتم تسليم، من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في سير العظماء، في سلامة القلوب وحسن التعامل مع الناس. ومن أراد الحكم والعبر فعليه بدراسة السير: بسير النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم إلى يومنا هذا من العلماء والصالحين. من أراد أن يمشي في النور، ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين. فالإسلام نور من الله سبحانه وتعالى، فمن أخذ الإسلام من جميع جوانبه كان على هداية من الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. نعم عباد الله، بسير الصالحين ممن كان قبلنا نتخذ طريقًا إلى الله سبحانه وتعالى، ننور قلوبنا ونصلح قلوبنا ونسلم قلوبنا لله سبحانه وتعالى، حتى ندخل في ذلك الوعد العظيم، وعد الله لا يخلف الله وعده، ﴿فَإِنَّهُ لَا يُنْجِي إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، بقلب طاهر، بقلب نقي، بقلب صاف، بقلب خال من الشرك بالله سبحانه وتعالى، ومن البدعة، خال من الذنوب والمعاصم، خال وسليم من الأهواء، ومن الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا لكم كيف كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضًا من سير الصحابة الأجلاء كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان وعائشة وجبير بن مطعم وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهكذا من التابعين ومن تبعهم بإحسان، ويسير على هذا المنهاج، ويسير على هذا المنهاج. ولعلنا في خواتيم هذا اللقاء، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع المتكلم به أولًا، وأن ينفعكم به ثانيًا، نسأل الله عز وجل أن يجعله حجة لنا لا علينا، بعظيم من العظماء ممن ذكرهم التاريخ في القرون الهجرية. هذا الرجل من حضرموت، يقال له المقنع الكندي، من قبيلة كندة، من حضرموت، واسمه محمد بن ظفر. وكان من الشعراء، وكان أيضًا من الرؤساء. ترك له أبوه مالًا كثيرًا لأنه كان سيد قومه، وكان أخوه وابن عمه ينازعه في الرياسة. هذا الرجل بعدما ترك له أبوه الإرث والمال، ماذا صنع؟ قام بسيرة حسنة في قرابته وبني عمه، فأنفق ما كان معه في النائبات وفي غير النائبات. هكذا العظماء، وهكذا الرؤساء، وهكذا الكبار، فإنهم لا يألون جهدًا أن ينفقوا ما أعطاهم الله عز وجل في وجوه الخير، وخصوصًا عندما تأتي المدلهمات والنائبات، والنائبات يكون هو الأول في هذا الباب. فهذا الرجل المقنع، وقيل له مقنع لأنه كان رجلًا جميلًا، يقال أنه كان رجلًا جميلًا يضع اللثام على وجهه خشية العين، وقيل لأنه كان فارسًا مغوارًا فكان يلبس الحديد ويضعه على وجهه لكي لا يعرف في الحرب. فالمقنع الكندي الدوعني، كعادة الرؤساء والأمراء، أنفق ماله في قرابته وأهله وبني عمه، خصوصًا حتى لا يقال أنه كان رجلًا بخيلًا. طلب منهم بعدما أنفق جميع ماله حتى صار يستدين، له يستدين لأهله وقرابته، طلب منهم أن يزوجوه من أختهم، أي من بني عمه، فرفضوا وقالوا: أنت رجل مديون، ما عندك مال، وكيف نزوجك أختنا؟ فأنشأ يقول: ألم ير قومي يعاتبني في الدين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا ألم ير قومي أني أوسر مرة وأعسر أخرى حتى تبلغ الجهدا فما زادني الإقتار منهم تقربا وما زادني فضل الغنى منهم قربا وما زادني فضل الغنى منهم منهم قربا ألم ير قومي أني أوسر مرة وأعسر أخرى حتى تبلغ الجهدا فما زادني إعسار منهم تقربا ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا أراهم إلى نصر بطاء وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدا فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفضت غيوبهم وإن ضيعوا غيبي حفضت غيوبهم وإن هموا هووا غيي هويت لهم رشدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقد هذه الأبيات العظيمة من هذا الشاعر وهذا الرجل الذي وهب ماله سخاء وكرمًا لبني عمه وأهله وذويه، ليدل على أنه ذا قلب نقي وقلب عظيم. عندما يكون عندك المال وأنت تنفقه في وجوه الخير وفي سبيل الله عز وجل ولا تبالي لأنك ترجو الله عز وجل، فمهما أنفقت ومهما أعطيت فإن العطاء الجزيل والكبير يكون عند الله سبحانه وتعالى، والله عظيم وكريم يجازي العبد على ما يعمله في هذه الحياة الدنيا. فإن أنت عملت خيرًا جازاك الله سبحانه وتعالى بالخير العظيم الكثير الوفير في الآخرة، وإن أنت إذا لم تفعل ذلك كان الجزاء من جنس العمل. فلنصفِّ عباد الله قلوبنا من أمراضها، وخصوصًا مرض الشح ومرض البخل، فإنهما داءان وأي داءين، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الرجل الذي ذكر له أنه سيد قومه ولكنه بخيل. في رجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد قومه ولكن عنده شح أو عنده بخل، فيمنع الخير من الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أعظم من البخل أن يبخل المرء بالنفقة الواجبة على أهله وذويه وقرابته». والله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه، فمن أين لك هذا المال لولا أن الله عز وجل سخر لك؟ فالله عز وجل هو الذي يسخر لعباده الأموال ويسخر لهم الدنيا، فأنت إذا سخر الله عز وجل لك شيئًا منها فعليك أن تقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى. يقول الإمام المبجل الشافعي رحمه الله تعالى في قصيدته: دعي الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء وكن رجلا على الأهواء جلدا شيمتك السماحة والسخاء تغطي بالسماحة كل عيب وكم عيب يغطيه السخاء ولا ترجو السماحة من بخيل فما في النار للظمآن ماء هكذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: عليك أن تكون ذا قلب قنوع، تغطي بسماحتك وقناعتك كل عيب، فإن العيوب إنما تغطى بالأخلاق الفاضلة وتغطى بالآداب الجميلة التي يفعلها المسلم في حياته. فأنت إذا أردت أن تكون ذا قلب سليم نظيف، طهره من هذه الأمراض، وامشِ كما مشى السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ورحمهم الله، كيف مشوا في الناس؟ مشوا بالأخلاق العظيمة التي اكتسبوها وتوارثوها وتعلموها وقرأوها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الحياة عباد الله مليئة بالدروس والعبر، مليئة بالدروس والعبر، فعلينا أن نعتبر، وعلينا أن نتخذ من ماضينا دروسًا نتعلمها، علينا أن نتخذ من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نورًا نهتدي به. ونذكر ما الذي يؤدي إلى عدم سلامة القلوب عند بعض الناس، ما الذي يخرجه عن طهارة القلب وصفائه ونقائه؟ هناك أسباب لا بد أن تكون هناك أسباب تجعل هذا المسلم أو هذا الشخص لا يعامل الناس بالتي هي أحسن، فمنها: ضعف الصلة بالله سبحانه وتعالى. بعض الناس ضعيف الصلة بالله عز وجل، ليس قريبًا، شاردًا. هذا الشارد وهذا البعيد عن رب العالمين لا يعامل الناس بالتي هي أحسن، لا يعاملهم بصفاء قلب ولا بنقاء قلب ولا بطهارة قلب لأنه ضعفت صلته بالله سبحانه وتعالى. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. هذا الشارد، هذا البعيد عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ضعيف الصلة بالقرآن، ضعيف الصلة بالمساجد، ضعيف الصلة بأهل الخير، فإذن ليس له منهج، ليس له نور يهتدي به في حياته حتى يعامل الناس به. هذا البعيد عن الله سبحانه وتعالى ضعيف الصلة. ومن الأسباب: عدم المراقبة. أن بعض الناس ما يراقب الله عز وجل في المقاصد والنيات والأفعال والأقوال، فيقع في العظائم لأنه لا مراقبة لله، لا يستشعر عندما يفعل هذه الأشياء أن الله مطلع عليه، أن الله يراه، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، لهذا تصدر منه هذه الأمور العظيمة في سوء المعاملة وسوء الأخلاق والعياذ بالله. فعدم المراقبة لله عز وجل عندما يتكلم، عندما يفعل، عندما ينوي في قلبه ماذا ينوي من الأعمال الصالحة، فالمراقب لله سبحانه وتعالى لا يصدر منه إلا كل خير، لا يصدر منه إلا كل جميل في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته لأن عنده استشعار عظيم أن الله سبحانه وتعالى مراقبه. وهكذا أيضًا منها: الجهل وعدم العلم بما في الكتاب والسنة، بما أعده الله جل وعلا لأصحاب القلوب الطيبة والقلوب السليمة الذين يعفون ويصفحون ويسامحون، فيتخذون الأخلاق الفاضلة شعارًا وانبراسًا لهم في حياتهم الدنيا. فانظروا عباد الله كم فعل الجهل بالناس، والذي عنده نور وبصيرة من الكتاب والسنة ويقرأ ويسمع، يقرأ في كتاب الله ويسمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون عنده الطريق الصحيح كيفية المعاملة مع الناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: عدم معرفة الأجور، أجور عظيمة أعدها الله سبحانه وتعالى، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، الذين كظموا غيظهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء»، حديث معاذ بن أنس في السنة، صححه الألباني. انظروا إلى هذا الذي كظم غيظه، هذا الذي ضبط نفسه مع المواقف التي قد تحصل في بعض الأيام. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الشديد بالصرعة»، حديث أبي هريرة، ليس الشديد بالصرعة، أي الذي يصرع الناس بقوته، لكن من هو الشديد القوي؟ قال: «هو الذي يملك نفسه عند الغضب». هذا الذي يملك نفسه هو القوي، أقوى من ذاك صاحب العضلات، لأن صاحب العضلات هذا قد تؤدي به عضلاته إلى ما لا تحمد عقباه، لكن صاحب ضبط النفس ما يصدر منه إلا كل خير، لهذا يضبط نفسه فيضبط كلامه فيضبط حركاته، فلا يتعدى ولا يظلم ولا يسير، لأنه نظر في الأدلة الشرعية، عنده علم، صاحب العلم ما عنده جهل، ما هو جاهل بالأدلة الشرعية، ما هو جاهل بالأجور والفضائل التي أعدها الله عز وجل في مثل هذه المواقف التي تأتي لك، ماذا تصنع وماذا تفعل؟ الله عز وجل يختبرك. انظروا عمر كان وقافًا عند كتاب الله، ما تجاوز، لما تليت عليه الآية وقف، فهكذا المؤمن. فما الذي يؤذي إلى الأمور الخطيرة التي قد تصدر من الإنسان؟ قلنا منها: الجهل بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومنها أيضًا أن بعض الناس يغلب سوء الظن، يغلب سوء الظن، ما يغلب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، يغلب حسن الظن بالناس، يغلب حسن الظن. لا تظن في الناس السوء، لأن بعضهم عنده ظنون، عنده شكوك في قلبه، أمراض، هذا فعل كذا وهذا فعل كذا، ومجرد يرى شخصًا كذا وكذا يظن فيه سوءًا والعياذ بالله. والله عز وجل نهى في كتابه الكريم عن الظن: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وكيف بكله؟ وإنما الظن الذي ذكر في الأدلة الشرعية الذي يظن في غيره السوء أو غير ذلك إذا احتفت فيه القرائن، وليس هناك مجال بهذا الشخص كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أظن فلانًا وفلانًا يعرفاني من ديننا شيئًا». فإذا احتفت القرائن بالشخص، كأن نرى رجلًا يعتاد خمارة، أي مكان السكر معروف، هذا مكان مسكر أو مكان له مراقص وغير ذلك، ويعتاد الدخول إليه والمجيء إليه، أو كانت حالته تنبئ عن ذلك، فهذا يظن به، أما من كان ظاهره السلامة فالأصل عدم الظن به، لهذا نهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن سوء الظن. ومنها أيضًا عباد الله: إصدار الأحكام عن غير تثبت وروية، فبعض الناس يصدر حكمه ولا يتثبت في الأمر. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، في قراءة حمزة والكسائي: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾، ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. احذر من أصحاب الأخبار، وأن تطلق الأحكام جزافًا، تطلق على الناس أحكامًا لا يستحقونها. فإذا كان عموم المسلمين لا يجوز أن تصدر عليهم أحكام بمجرد نقل الخبر حتى تتأكد وتتثبت، فكيف بأهل العلم والصلاح أن تسيئ فيهم الظن أو تتكلم فيهم بما ليس فيهم، وإنما لمجرد شائعة أو لمجرد نقل خبر؟ لهذا يحذر المسلم، يحذر من هذه الأخلاق السيئة والعياذ بالله. ومن هذه عباد الله: أن بعض الناس لا يلجأ إلى سلاح عظيم وهو الدعاء. الدعاء عباد الله سلاح عظيم، ادعُ الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلبك، أن ينقي قلبك، فلست بأفضل من خير البشر صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يصرف قلبه على طاعته وأن يثبت قلبه على دينه. هذا أثر عنه عليه الصلاة والسلام، كان يقول: «يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. أنت ضعيف إذا لم يثبتك الله، أنت ضال كما قال الله سبحانه وتعالى: «كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». اطلب الهداية من الله سبحانه وتعالى، اطلب صلاح القلب من الله سبحانه وتعالى، أن يخرج عنك الأمراض القلبية من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكبر وحب الشهرة والظهور وغير ذلك. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله سبحانه وتعالى: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع»، يستعيذ بالله سبحانه وتعالى. فلا بد لنا عباد الله أن نلجأ إلى الله عز وجل، فلا يصلح القلوب إلا الله سبحانه وتعالى. ادعُ الله في صلاتك وغير ذلك، وأبشر بأن الله سبحانه وتعالى سيستجيب دعاءك إذا أخلصت لله سبحانه وتعالى. وانظر في سير العظماء والصالحين من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يصرف قلوبنا على طاعته، وأن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يطهر قلوبنا من أمراضها، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وقبل أن أختم هذا الدرس، أزف بشرى لإخواننا في هذه البلاد، وفي هذه المنطقة، وفي هذا المسجد المبارك، بشرى تخريج حفاظ لكتاب الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك بالقراءات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فتعلمون عظم القرآن وشأن القرآن العظيم، وأن الله سبحانه وتعالى أنزله هداية للناس، وأمره من يتدبروه ويتفهموه ويقرؤوه ويتلوه حق تلاوته. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وهو ابن مسعود. وسمع قراءة أبي موسى فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، وكان يحب أن يسمعه من غيره كما سمعه من ابن مسعود في سورة النساء، وبكى عليه الصلاة والسلام. فالقرآن عظيم، وهو شرف، وهو شرف لحامله وقارئه وتاليه، فهو شرف عظيم في الدنيا ورفعة في الدنيا والآخرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». يرفعك الله عز وجل إذا حفظت كتابه وعملت بما فيه، وينور الله عز وجل قلبك، ويحفظ لك جوارحك سبحانه وتعالى، وهو كلامه المنزل، كلامه الذي قرأه ربنا سبحانه وتعالى على جبريل عليه السلام، وقرأه جبريل عليه السلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان في رمضان له الحظ الكبير، فكان يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام كل ليلة فيدارسه القرآن. فإن شاء الله تعالى في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك سيكون هناك إن شاء الله احتفاء وتكريم لطلابنا وإخواننا الذين قرأوا القرآن العظيم بالقراءات، فمنهم من قرأ قراءة عاصم، ومنهم من قرأ قراءة الكسائي وعاصم، ومنهم من قرأ قراءة حفص، ولا بد أن نكرمهم لكونهم حفظوا القرآن وحملوا القرآن، ونجل هؤلاء لإجلال الله سبحانه وتعالى لحامل القرآن، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه بشرى عظيمة في دار الحديث بالشحر ومركز طيبة، تخرجوا، وإن شاء الله تعالى يكونون لإخوانهم عونًا وسندًا ممن يطلب منهم القرآن فيقرأونه، بشرط الإخلاص لله سبحانه وتعالى، ويهبون ما وهبهم الله سبحانه وتعالى ويعلمونه لغيرهم، عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، رواه البخاري من حديث عثمان. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.