الدرس في سلامة القلوب 2، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المقطع أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظيمة في العفو عن المسيئين وحسن معاملتهم، مستشهداً بمواقف من سيرته كعفوه عن رجل أراد قتله وصبره على جبذ الأعرابي لردائه. ويؤكد أن هذه الأخلاق القرآنية هي سبب تحويل الأعداء إلى أحبة، داعياً المسلمين للاقتداء به في دفع السيئة بالحسنة.
واجه النبي صلى الله عليه وسلم شدة رجل بجذبه بردائه بالتبسم والعطاء، مظهراً خلقه في العفو وتأليف القلوب لتقريب الناس إلى الله. واقتفى أبو بكر الصديق هذا النهج فعفا عن قريبه مسطح بعد أن قطعه، ونزل القرآن يحث على العفو فسارع أبو بكر للإنفاق عليه مجدداً، مظهراً سرعة الرجوع والحلم.
يروي المقطع موقفاً لربيعة الأسلمي مع أبي بكر رضي الله عنهما حين اختصما في عذق نخلة، فطلب أبو بكر القصاص لكن ربيعة آثر العفو وقال: غفر الله لك يا أبا بكر، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وبكى أبو بكر تأثراً. ويبرز الدرس المستفاد: أهمية صفاء القلوب، وتقديم الإحسان، وحل الخلافات بالتراضي دون تدخل الآخرين، وتقوى الله في رمضان بطهارة القلب من الغل والحقد.
يختم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه تطهير القلوب من الأمراض، والتوفيق لمرضاته، والمعونة على الصيام والقيام، وأن تكون الأعمال خالصة لوجهه الكريم. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، في هذا اليوم الجمعة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، وقال عليه الصلاة والسلام: «أكثروا من الصلاة عليَّ ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني». فعطروا أفواهكم، وشنفوا أسماعكم بطيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وأسعد الناس به يوم القيامة هم من أكثر الصلاة عليه، وأهل السنة لهم الحظ الكبير والأوفر من ذلك، إذ أنهم يذكرونه عند كل حديث يذكرونه به فيصلون عليه عليه الصلاة والسلام. والبخيل من ذكر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يصلي عليه. جاء في صفته عليه الصلاة والسلام في كتب أهل الكتاب التوراة والإنجيل، كما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، يعفو ويصفح. وهذا لعظيم ما جبله الله عز وجل عليه، إذ أن خلقه كان القرآن، كما تقول عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «كان خلقه القرآن». وقال ربنا عز وجل في صفته: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، خلق عظيم عليه الصلاة والسلام. رباه ربه فأحسن تأديبه، أو أدبه ربه فأحسن تأديبه، كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم. تقول عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئاً قط، لامرأة ولا خادماً، لامرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه في شيء قط فانتقم لنفسه» رواه مسلم. انظروا عباد الله هذه السجايا، وهذه الأخلاق، وهذه الآداب العظيمة. النبي عليه الصلاة والسلام ما ضرب شيئاً بيده، أن يضرب أحداً من الناس صلى الله عليه وسلم. انظروا عباد الله كيف يعامل أعداءه، أعداءه الذين يريدون النيل منه ويريدون قتله، انظروا كيف يعاملهم عليه الصلاة والسلام. جاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير، فجلس النبي عليه الصلاة والسلام واستظل تحت شجرة، وعلق بها سيفه، ثم نام عليه الصلاة والسلام، ولكن قلبه حي، قلبه لا ينام. فجاء رجل فاخترط السيف، وقال: يا محمد، أي عرف أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من يمنعك مني؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله»، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «من يمنعك مني؟» فقال الرجل: كن خير آخذ. طلب العفو عنه مع أنه أراد أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام. لو رجل آخر في غير مكان النبي عليه الصلاة والسلام لربما عاقبه، لربما قتله، أو ربما أسره، أو ربما طلب منه شيء غير ذلك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عفى عنه، عفى عنه. فرجع الرجل إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. انظروا، انقلب الموقف من عداوة إلى محبة. هذا، هذا يأتي إلى قومه ويقول: جئتكم من عند خير الناس. من موقف واحد تتبدل، من موقف واحد تتبدل الآراء وتتبدل الأفكار. إذا أحسنت، إذا أحسنت أنت إلى غيرك، فإن الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. سيصبح هذا العدو يوماً من الأيام صديقاً، ويصبح حميماً محباً، إذا أنت قابلته بالتي هي أحسن، ودفعت السيئة بالحسنة، وعفوت وأصلحت. فإن لا يكون ذلك إلا من أصحاب القلوب العظيمة الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، سيرته ملأى عليه الصلاة والسلام بالمواقف العظيمة، لأنه أسوة، ولأنه قدوة، ولأن الله جل وعلا أرسله رحمة للعالمين. جاء في البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، وكان على النبي صلى الله عليه وسلم برد نجراني غليظ الحاشية، فجاء رجل من خلفه وجبذه جبذة شديدة، أثرت في عنق النبي عليه الصلاة والسلام من شدتها. تخيل يا عبد الله، يأتي من خلف النبي عليه الصلاة والسلام ثم يجر رداءه بقوة، ويقول: يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، ليس مالك ولا مال أبيك. هكذا بغلظة، فضاضة يقولها للنبي عليه الصلاة والسلام. أفلا كان جاء بأسلوب طيب وأسلوب حسن، ويطلب من النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد، والنبي المعروف عنه أنه لا يرد سائلاً، لا يرد سائلاً أبداً، ويعطي ما عنده، أو يأمر له بعطاء، أو أنه ينصح الصحابة ويكلمهم في شأن هذا الرجل أو الجماعة إذا جاءوا عنده عليه الصلاة والسلام يطلبون شيئاً من الدنيا. النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف العظيم، الرجل شده بردائه حتى أثر في عنقه، كما رآه أنس، قال: حتى رأينا ذلك أثر في عنق النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كان أبيض مشرباً بحمرة، فأثر ذلك الجذب في عنقه صلى الله عليه وسلم. قال: فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسماً، متبسماً، ليس متجهماً، بل متبسماً. انظروا الموقف عباد الله. قال: «وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»، وأمر لهذا الرجل بعطاء. هكذا يعامل النبي عليه الصلاة والسلام الأعداء، والقريب والبعيد، والصديق والمحب وغير المحب. كل هذا من أجل ماذا؟ تقرباً إلى الله عز وجل، وأيضاً يتألف القلوب. فإن الإنسان إذا أحسنت إليه ملكته، وصار ذلك الإحسان يؤثر فيه في نفسه، ويصبح صديقاً ومحباً وقريباً وغير ذلك. هكذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكم سنحكي من سيرته الشيء الكثير، تحتاج إلى أيام وليالٍ، ويكفي إن شاء الله ما ذكرنا عنه من سيرته عليه الصلاة والسلام. ونذكر في هذا المقام أصحابه رضي الله عنهم، الذين تخلقوا بأخلاقه وتجملوا بآدابه، لأنه رباهم عليه الصلاة والسلام على ذلك المنوال. شاهدوا ورأوا كيف يتعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الناس. وأفضلهم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم. كيف كان يتعامل في المواقف؟ ما ذكره الله جل وعلا في سورة النور بحادثة الإفك، بعدما تكلم المنافقون وتكلم من تكلم في أمنا عائشة رضي الله عنها، وأغضب ذلك أبا بكر. أبو بكر رضي الله عنه قطع النفقة على قريب من أقربائه، هو مسطح رضي الله عنه، ولكن مسطح قد تاب وقد تراجع بعد ذلك، ونزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. عرف أبو بكر أنه المعني بهذه الآية العظيمة، قال: بلى، أحب أن يغفر الله لي، فأرجع النفقة إلى مسطح. كان من أقربائه وتكلم مع من تكلم في عرض أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، حتى برأها الله، فقطع عنه النفقة. وكل شخص ربما إذا أوذي من قريب له، وكان بينه وبينه إحسان أو غير ذلك، فإنه ربما يقاطعه، يقاطعه. المؤمن إذا قاطع وإذا هجر، فإنه لا يستمر على القطيعة ولا على الهجران، ولكن له ثلاث أيام وثلاث ليالٍ، فإن له أن يهجر، وله أن يقطع إذا كان ذلك للإصلاح وللرجوع، فإذا ظن أن هذا الذي هجر، وأن هذا الذي قطع سينفع معه الهجر، فإنه يهجره لثلاث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فانظروا عباد الله كيف أثرت الآية العظيمة في نفس أبي بكر، ذلكم الصحابي الذي سبق الجميع، كما قال بعض السلف: ما سبقهم بكثرة صلاة ولا صيام ولا غير ذلك، ولكن سبقهم بشيء وقر في قلبه، شيء وقر في قلب الصديق، ألا وهو حب الله وحب رسوله وحب عباده. حب الناس ينبغي أن يكون في قلبك الخير وحب الناس، كما كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الذي سبقهم به أبو بكر، عنده شمائل العفو، وشمائل الصفح، وعنده كذلك شمائل الرجوع، وشمائل الندم. نعم قد يخطئ الشخص، قد يخطئ الشخص، ولكنه سرعان ما يرجع إلى نفسه، ويتأمل فيما فعل، فينظر بعد ذلك في العواقب. جاء في الصحيحة للألباني رحمه الله من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، جاء أبو بكر رافعاً ثوبه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما صاحبكم فقد غامر». قال: فسلم، فقال: يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، وإني أسرعت إليه، وإني ندمت، فقلت له: اغفر لي، فلم يفعل، أو قال: فأبى. قال: فجئتك يا رسول الله. هكذا تحل الأمور، تحل الأمور بالرجوع والندم، والرجوع إلى أهل العلم، والرجوع إلى أهل الفضل، والرجوع إلى من هم كبار. فرجع أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريد حلاً لهذا الذي حصل بينه وبين عمر رضي الله عنهما أجمعين. قال: فجاء عمر، وكان قبل ذلك ذهب إلى بيت أبي بكر، فقال: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وعرف أن أبا بكر سيذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجثى على ركبته، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي احمر وجهه، لأن أخاه أبا بكر طلب منه المسامحة، وطلب منه العفو، وكان الموضوع لا يستأهل إلا أن يحل في ذلك الوقت، ولأن منزلة أبي بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة وعظيمة، فتمعر وجه النبي عليه الصلاة والسلام على عمر، حتى قال أبو بكر: أشفقت عليه، خشية أن ينزل قرآن في هذا الوقت. قال: فخشيت عليه، فجثى على ركبته، وقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أغلى، والله أنا كنت أغلى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما قال في المرة الأولى: «غفر الله لك يا أبا بكر»، قال: «إن الله قد بعثني فكذبتموني، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» النبي عليه الصلاة والسلام يذكره بمن هو معه في الدعوة إلى الله عز وجل، حينما بعثه الله جل وعلا والناس كذبوه، وأبو بكر معه يصدقه في خبر السماء، وهكذا يواسيه في النفس وبالمال، صاحبه في الغار، صاحبه في الهجرة، رضي الله عنه وأرضاه. «فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» قال: فما أوذي بعدها. وهكذا يقول ربيعة الأسلمي، ويحكي موقفاً آخر مع الصديق رضي الله عنه، يقول: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاني أرضاً، وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا، وجاءت الدنيا، قال: فاختلفت مع أبي بكر في عذق نخلة، في عذق نخلة، فقلت: هي في حد أرضي، وقال أبو بكر: هي في حدي. ثم قال: فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فقال: يا ربيع، قل ما قلت لك، أي ردها حتى تكون قصاصاً. فقلت: لا أفعل. فقال: لتفعلن، أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا لم تقل لي تلك الكلمة سأذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال ربيع: لا أفعل. فذهب أبو بكر، ما طال المجلس، وما طال الكلام، ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فذهبت أتلوه، أي خلفه. ففي الطريق جاء ناس من أسلم، فقالوا: رحم الله أبا بكر، على ما يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخوفك بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال لك ما قال. هنا ربيعة ما أيدهم على ما قال، قال: نعم، هو الغلطان. سبحان الله، انظروا إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: ويحكم، ويحكم، أتعلمون من هذا؟ إنه الصديق، إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، إنه ذو شيبة المسلمين. هكذا ينبغي أن يعلم أهل الفضل لأهل الفضل فضله، فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوه. قال: لا يراكم تنصروني، فيذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيغضب، ويغضب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، فيهلك ربيعاً. تسلسل، لأن هذا أبو بكر له منزلة عظيمة في الإسلام، أنا ما بلقته. انظروا ربيعاً يعرف قدره. ورحم الله امرأة عرفت قدر نفسها. مع أن أبا بكر هو الذي قال له الكلمة وكرهها ربيعاً. قال: فرجع. احذر أن تدخل أحداً بينك وبين أخيك المسلم، أو قريبك الذي اختلفت معه. الأمور كلها تحل، نقعد وننظر ونصلح فيما بيننا، حتى لو كان في أنفسنا شيء، حتى لو غضبنا، وهذه طبيعة النفس البشرية، ربما يغضب الشخص في الموقف نفسه، لكنه يهدأ، وإذا هدأ تراجع وفكر وتأمل، ونظر في العواقب، ويصلح ما بينه وبين أخيه بدون تدخل أي أحد. هذا الذي ينبغي أن يكون. وإذا لم يستطع، وإذا لم يستطع أن يذهب إلى أخيه المسلم ويتسامح معه، ويكون ذا قلب رحيم، فلا بأس أنه يذهب إلى أهل الفضل والكبار والعقلاء في منطقته، وفي قريته، وفي حارته. فلله الحمد أن عندنا في منطقتنا، في بلدنا، هناك ما يسمى بعاقل الحارة، وهناك أيضاً أهل الفضل، وأهل العلم، وأهل الخير، وأهل الصلاح موجودون. أنت إذا رمت وطلبت الإصلاح، فإن الله عز وجل سيوفقك، وسيعلي قدرك وشأنك. قال: فذهب أبو بكر رضي الله عنه، وذهبت أتلوه. فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثه أبو بكر الحديث بما كان، قال: «يا ربيع، ما لك وللصديق؟» فقلت: يا رسول الله، قد كان ما كان، وإنه قال لي كلمة كرهتها، وإنه قال لي: ردها حتى تكون قصاصاً. قال: فلم أفعل، ولكن قلت: غفر الله لك يا أبا بكر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، وسر بهذا الموقف العظيم من ربيعة رضي الله عنه، حيث لم يقابل الصديق إلا بالإحسان والخير، لمعرفته لعظيم قدره ومنزلته في الإسلام، وعند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم، لا ترد عليه، نعم، لا ترد عليه، وقل: غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر». قال: فذهب أبو بكر وهو يبكي، وهو يبكي من هذا الموقف العظيم. هذه القلوب الرحيمة، هذه القلوب النقية، هذه القلوب الصافية، هذه هي القلوب السليمة التي تنجو يوم القيامة، إذا قابلت ربها سبحانه وتعالى، فإنه لا يدخل الجنة إلا أصحاب القلوب السليمة، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. وذكرنا لكم كلام ابن القيم رحمه الله: القلب السليم، القلب الخالي من الشرك، ومن البدع، ومن المعاصي، ومن الغل، ومن الحقد، ومن الحسد، ومن الكبر، ومن الشح، ومن حب الجاه، حب الرئاسة، وكل الشهوات، والعياذ بالله، التي تطرأ على القلوب. لهذا نحن في هذا الشهر المبارك، عباد الله، نصفي ونطهر قلوبنا، على الله سبحانه وتعالى أن نلقاه يوم القيامة بقلب سليم. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وإحسانه أن يطهر قلوبنا من جميع أمراضها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لمرضاته، وأن يعيننا في هذا الشهر الكريم المبارك، يعيننا فيه على الصيام، ويعيننا فيه على القيام، وأن يجعل أعمالنا أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.