سلامة القلوب 1

سلامة القلوب 1

الدرس في سلامة القلوب 1، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

نعمة بلوغ رمضان واجتماع المسلمين لتدبر القرآن

يؤكد الخطيب على نعمة بلوغ رمضان واجتماع المسلمين في المساجد لتدبر القرآن، مشيراً إلى أن سلامة القلب من الشرك والبدع والمعاصي هي مفتاح النجاة يوم القيامة. يستدل بآيات قرآنية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن القلب السليم.

مفهوم مخموم القلب وضرورته للتطهير

يشرح المقطع معنى مخموم القلب الوارد في الحديث النبوي بأنه القلب التقي النقي الخالي من الإثم والبغضاء والغل والحسد، ويؤكد ضرورة العناية بتطهيره عبر الأعمال الصالحة وحمايته من وساوس الشيطان. يستعرض نماذج من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في سلامة صدره وصفاء قلبه حتى مع من أساءوا إليه كما في قصة الطائف.

رحمة النبي وعفوه عن أهل الطائف وصفح يوسف

يسلط المقطع الضوء على رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعفوه عن أهل الطائف وثقيف رغم إيذائهم له، داعياً لهم بالهداية بدلاً من الانتقام. يستعرض قصة يوسف عليه السلام في الصفح عن إخوته ونسب عداوتهم إلى وسوسة الشيطان، مؤكداً على تطهير القلب من الحقد والشحناء خاصة في رمضان.

دعاء ختامي للتوفيق في صيام رمضان وقيامه

يسأل الداعي الله أن يوفقهم لصيام الشهر الكريم وقيامه، وأن يعينهم على طاعته ورضوانه. يختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي أنعم علينا بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، أنعم علينا بنعمة الإسلام، وبنعمة الإيمان والقرآن، وأنعم علينا سبحانه ببلوغ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فهذه نعمة تستحق منا عباد الله أن نشكر الله سبحانه وتعالى عليها، فكم من شخص ربما قد أتته المنية قبل أن يدرك شهر رمضان. وإن من سعادة المرء أن يجتمع مع أهله وقرابته وجيرانه وأهل بلده وإخوانه ومحبيه، هذه من السعادة أن يجتمع في هذا الشهر المبارك مع من يحبهم ويحبونه، فهذه نعمة عظيمة، فالقلوب مهما... أو الأجساد مهما بعدت فإنها تحن إلى موطنها وإلى أهلها وإلى دورها، فلا بد أن يرجع المرء إلى من كان يأنس بهم من أهله وقرابته وأحبائه وإخوانه، فهذه نعمة من الله جل وعلا، نسأل الله عز وجل أن يوزعنا شكرها. ونحن عباد الله اجتمعنا في هذا الصرح الشامخ، وفي هذه القلعة، وفي هذا المسجد المبارك، في هذا الوقت، وفي هذا الشهر العظيم، شهر رمضان المبارك، في هذا الشهر الذي تتنزل فيه الرحمات والبركات والنفحات من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، هذه نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى أن تجتمع القلوب وتجتمع الأجساد في بيت من بيوت الله جل وعلا على مائدة الكتاب والسنة، وهذه نعمة جليلة أيضًا تستحق الشكر منا. عباد الله، اجتمعنا في هذا الوقت المبارك لنتدارس كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لنتذاكر القرآن العظيم الذي ينبغي جميعًا أن نعتصم به وأن نتلوه حق تلاوته، وكذلك نتدبر هذا القرآن العظيم الذي فيه حياة لقلوبنا وحياة لأجسادنا وسعادة لنا في الدنيا والآخرة إذا تمسكنا به، وإذا عملنا به، وإذا اتخذناه لنا منهاجًا وطريقًا وسببًا يوصلنا إلى الله سبحانه وتعالى. وإن في القرآن العظيم لآيات كثيرة تذكر القلوب وتذكر كذلك سلامتها، فالمؤمن لا بد إذا قرأ كتاب الله سبحانه وتعالى أن يصغي له سمعه وأن يفهم مراد الله سبحانه وتعالى ليحيي به قلبه، فإن هذا القرآن رسائل للبشر جميعًا ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. وقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾، فالقرآن حياة للقلوب، وإذا أردت يا عبد الله أن تلقى الله سبحانه وتعالى وأنت سليم القلب، سليم القلب من جميع أمراضه، فعليك بتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى. سلامة القلوب عباد الله لا بد أن نسعى لها، لا بد كل مؤمن أن يسعى لسلامة قلبه، هذه المضغة التي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، حديث النعمان بن بشير: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». هذا القلب ينبغي لنا أن نعتني به حق العناية، لأنك لن تقابل الله سبحانه وتعالى إلا بقلب صافٍ وبقلب سليم، إن أردت النجاة من عذاب الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في سورة الشعراء: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾. ما ينفع شيء في هذه الحياة يوم القيامة، لا المال ولا الأولاد ولا الجاه ولا السلطان ولا غير ما جمعت من حطام ومتاع الدنيا، لكن ينفعك سلامة قلبك إذا قابلت الله عز وجل وقلبك معافى وقلبك سليمًا، سليم من أمراض الشرك العياذ بالله. مراض القلب السليم أن يكون سليمًا من الشرك بالله، أن توحد الله عز وجل وتعبد الله عز وجل، لا تعبد حجرًا ولا شجرًا ولا وليًا ولا نبيًا ولا صالحًا ولا ملكًا ولا غير ذلك، إنما تكون عبادتك خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، لا تدعو أحدًا من دون الله، فلا تدعو نبيًا ولا تدعو وليًا ولا ملكًا ولا غير ذلك، وإنما تدعو الله سبحانه وتعالى، تلقى الله عز وجل وقلبك سليم خالص من الشرك والعياذ بالله، فهنا ينجح ويفلح هذا القلب لأن صاحبه اعتنى به وطهره في هذه الحياة الدنيا، فهو يسعى دائمًا وأبدًا أن يكون هذا القلب سليمًا من الشرك، وكذلك من الكفر والنفاق والبدع والخرافات وسائر أنواع المعاصي. هكذا المسلم ينبغي أن يأتي الله بقلبه، والنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى القلب السليم والقلب النظيف الخالي من الأمراض في كثير من الحديث، بل وصف صاحبه بأنه خير الناس، هذا الذي يعتني بالقلب وينظفه ويطهره هذا خير الناس عند الله سبحانه وتعالى. قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والترمذي وغيره: «خَيْرُ النَّاسِ صَدُوقُ اللِّسَانِ مُخْمُومُ الْقَلْبِ»، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا صدوق اللسان، أي الذي يصدق في قوله، هذا معروف ومعلوم عندنا، لكن ما هو مخموم القلب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هُوَ الْقَلْبُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ»، هذا صاحب مخموم القلب، قلب صافٍ، قلب نظيف، لا يعرف بغضاء للمؤمنين، لا يعرف الشحناء بينه وبين إخوانه، خالي من الأحقاد، لا يحقد على أحد، لا يحسد أحدًا على نعمة آتاه الله سبحانه وتعالى، ليس في قلبه غل للمؤمنين. انظروا إلى هذا القلب النظيف، هذا القلب الذي ينجح، وهذا القلب الذي يفلح يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى، وخير الناس كما قال صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينبغي أن نعتني بقلوبنا بأن نطهرها بأعمال صالحة، ونسعى دائمًا أننا نطهر هذه القلوب وننظفها، لأن المؤمن والمسلم في هذه الحياة الدنيا محاط بأعداء يسعون في إفساد قلبه، لأنك بقلبك يا عبد الله، بما يقوم عليه هذا القلب في هذه الحياة، فهناك من يسعى في إفساد هذا القلب، كما قال ذلك من قائل: «إِنِ ابْتُلِيتُ بِأَرْبَعٍ يَرْمِينَنِي بِالنَّبْلِ عَنْ قَوْسٍ لَهَا تَوْتِيرُ إِبْلِيسُ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى يَا رَبِّ أَنتَ عَلَى الْخَلَاصِ قَدِيرُ» من الذي يخلصك يا عبد الله من إبليس الذي يوسوس لك في الليل والنهار بأن ترتكب ما حرم الله سبحانه وتعالى، ترتكب المعاصي، وربما يجاهر بها بعضهم العياذ بالله، فإنه إبليس الذي يوسوس لك بعمل الفحشاء، ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ في سورة البقرة، أخبرنا الله عز وجل أن الشيطان يأمر بالفحشاء بكل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، وما يأتي ذلك إلا من خلال وسوسته في القلوب: افعل كذا، وفعل كذا، ولن يضرك كذا، يخذل ويثبت ويأمر، هذه النفس كذلك، الله سبحانه وتعالى ذكر أن النفس أمارة بالسوء كما في سورة يوسف: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾، نفسك أمارة بالسوء، فأنت محاف بنفسك، ولهذا قال الله عز وجل في سورة الشمس: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾، أفلح من ربى هذه النفس، والمراد هنا القلب، إذا ذكرت النفس وذكر الصدر فالمراد به هذه المضغة التي بين جنبين، ينبغي أن تحرس عليها، تنظفها، وتسعى دائمًا في استخلاص الشوائب، استخلاص الشوائب التي تأتي في الليل والنهار، لا يسلم أحد، ما يقول أحد: أنا قد بلغت درجة التقوى أو الصلاح، فإنه ربما يكون ذلك أشد ضررًا عليه لأنه يدخله بعد ذلك الغرور، وهذا من الأمراض، إذا شعر الإنسان أنه قد بلغ مرتبة عليا من التقوى أو من العلم أو من نحو ذلك يأتيه إبليس من باب آخر، فلذا ينبغي أنك تسد جميع الأبواب التي تدخل القلب وتريد إفساده. كيف سلامة القلوب يا عباد الله؟ النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن ننظر في سيرته كيف سلامة قلبه وصدره، حتى أنه قال لهم ذات مرة لما بلغه خبر: «لَا يَأْتِينِي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ خَبَرٌ عَنْ أَصْحَابِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»، حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأصله في الصحيحين، هو في السنة، يعني تأتي الأخبار من بعض الناس: فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، يقول: لا تحدثوني، لا تخبروني بشيء عن أصحابي، هو مؤيد عليه الصلاة والسلام بالوحي، وإذا جاءه شيء أو كان عن أحد من أصحابه شيء فإن الله عز وجل يخبره، لكن أنتم لا تسعون فيما بينكم بالتحريش. هكذا قد يفعل بعض الناس، تكون بينك وبين بعض الناس علاقة طيبة وسليمة، فيأتي من يسعى لإفسادها ويخبرك بأشياء عجيبة غريبة عن فلان وفلان، ويوغر صدرك، كي بعد ذلك أنت إذا سمعته وصدقته تترك هذا الشخص أو تهجره أو تقاطعه، فاحذر يا عبد الله، النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يخرج إلى أصحابه وهو سليم الصدر، صافي القلب، ما في قلبه شيء عن أحد من المسلمين، وهكذا ينبغي أن نكون، أن نطهر قلوبنا وأن نسلمها من الأمراض، العياذ بالله، التي خاصة تكون بين الناس، وما أكثرها، وما أكثر هذه الأمراض القلبية التي تكون بين الناس، فلذا ننظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، نبي الرحمة، نبي الهدى. تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أشد ما لقيت يا رسول الله من قومك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ»، والحديث في البخاري، يقول: «أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ حِينَ ذَهَبْتُ إِلَى الطَّائِفِ»، والقصة معروفة، لما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الله عز وجل فأغروا به الصبيان والسفهاء ورموه بالحجارة عليه الصلاة والسلام، انظروا، يدعو إلى الله، يقول لهم: وحدوا الله، لا إله إلا الله، يذهب ما عنده شيء، غرض، لا يرد أموالًا عليه الصلاة والسلام، ما يرد منهم شيء من حطام الدنيا، إنما ليوحدوا الله، ومع ذلك يقابلونه بهذه المقابلة العنيفة الشديدة، أقل شيء أنهم يقولون: ننظر في أمرنا، لكن أن يغروا، يغروا به الصبيان والأطفال ويرمونه بالحجارة، أي أقوام هؤلاء؟ أو أي شقاوة هذه؟ أي مبلغ بلغت هذه القلوب عندما يأتي رجل ويدعوك إلى الله عز وجل؟ فخرج عليه الصلاة والسلام ورجع مهمومًا من هذه المقابلة، ومن كثرة ما همه ذلك الأمر أنه لم يستفق، صار يمشي ما يدري أين يذهب، يمشي، قال: «فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا فِي قَرْنِ الثَّعَالِبِ»، موضع قبل مكة، في قرن الثعالب، مع أن المسافة التي قطعها النبي عليه الصلاة والسلام مائة كيلو، يمشي على قدمين إلى الطائف، من مكة إلى الطائف، فنزل جبريل عليه السلام وقال له: «هَذَا مَلَكُ الْجِبَالِ مَعَهُ، مُرْهُ بِمَا شِئْتَ»، فسلم ملك الجبال على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: «لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ لَفَعَلْتُ»، ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ كلكم تعلمون، صلى الله عليه وسلم هذه الرحمة، قال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، من يقول: لا إله إلا الله، عليه الصلاة والسلام رحمة، ما حقد عليهم، ما حقد عليهم صلى الله عليه وسلم، هكذا ينبغي أن يكون عباد الله المؤمنون، ليس بمجرد موقف حصل لك من أخيك يا عبد الله، أو من جارك، أو من قريبك، أو من أحد من الناس، بمجرد موقف أن تعاديه، اصبر كما صبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولما جاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في غزوة هوازن، في غزوة حنين، وأرادوا منه أن يدعو على الطائف، على أهل الطائف، على أهل ثقيف، لأنهم جمعوا الجموع وحاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ادْعُ عَلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ»، النبي صلى الله عليه وسلم ما يحمل الشحناء ولا البغضاء ولا الحقد على أحد من الناس، هؤلاء كانوا كفارًا، كانوا كفارًا، ومع ذلك يدعو لهم: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ»، وهدى الله عز وجل بدعوته صلى الله عليه وسلم ثقيفًا، وكان منهم الصحابة الأجلاء الذين ناصروا بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن ينبغي أن تكون يا عبد الله هكذا سليم القلب كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلنا نختم بقصة نبي من أنبياء الله عز وجل وهو يوسف عليه الصلاة والسلام، ماذا فعل معه إخوته؟ يوسف وضعوه في غيابة الجب، وهذه مصيبة، طفل يوضع في بئر ليموت، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينجو هذا النبي الكريم، وتصير مع ذلك قصة معه ومع إخوته، ويصير عزيز مصر بعدما يدخل السجن، ويبتلى بالسجن، ويبتلى بامرأة العزيز، ابتلاءات، لكنها تمحيص لهذا القلب الطاهر النقي، فبلغ شأنًا عظيمًا، وملكه الله عز وجل مصر، وجاء إخوته لأجل الكيل، وحصلت تلك القصة العظيمة التي ذكرها الله عز وجل في سورة يوسف. ماذا بعد ذلك؟ بعد أن جاء بأبيه وأخوته، قالوا: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾، بعد ماذا؟ اعترفوا أنهم أخطأوا في حق أخيهم، أخوك من أبيك وأبيك، تفعل بهذا الفعل؟ سبحان الله، قلوب، ومع ذلك تحمل يوسف وصبر يوسف، فأعلى الله قدره وشأنه، قال: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، لا تثريب يعني العتاب، اللي فات مات، الماضي ماضي، نسيناه، عليه الصلاة والسلام ما قال: نعيد السيرة، فعلتم وفعلتم وفعلتم، وكان بسبب ذلك الفعل أني سجنت، وأني ابتليت، وأني كذا، لا، ما ذكر هذا، قال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، ومع ذلك أرجع السبب عليه الصلاة والسلام يوسف إلى الشيطان، شوف إلى الشيطان، تأمل يا عبد الله، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾، ما قال: نزغهم هم بس، هم السبب، الشيطان نزغ، من نزغ أخوة يوسف؟ قال لهم: أنتم افعلوا به كذا وكذا لأجل أن تحظوا بمكانه عند أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين، نزغهم، ومع ذلك قال يوسف عليه الصلاة والسلام: «مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي»، هكذا ينبغي أن تتأمل الأمور وأن تنظر في عواقب الأمور، أن ما يحصل بينك وبين أخيك المسلم، سوى كان أخًا أو أبًا أو قريبًا أو جارًا أو غير ذلك، إنما هو من نزغات الشيطان، الحريص على الإفساد وإفساد هذه القلوب، فلا تجعل له سبيلًا، خلي قلبك صافي نظيف، إذا بلغت تريد أن تبلغ المنازل العليا والرتب العالية الرفيعة مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، صفي هذا القلب. وأنت الآن يا عبد الله في شهر عظيم، شهر القرآن، الذي نسمعه في التراويح ونقرؤه أيضًا في الليل والنهار، نعمة عظيمة، نتدبر الآيات، وأن نزكي هذه النفس ونطهر هذه القلوب بكتاب الله سبحانه وتعالى، بالتأمل فيه، وأننا نأتي إلى الصلاة مبكرين، ونحب القرآن العظيم، فإذا أحببنا القرآن العظيم فهذه دلالة كما قال بعض السلف: من أحب كلام الله فقد أحب الله، إذا أحببت القرآن أنت تحب الله، كيف؟ لأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، فإذا أحببت كلامه أحببته سبحانه وتعالى، فأنت لا بد أن تطهر هذه القلب وتصفيه. وإذا هذا يقول عثمان رضي الله تعالى عنه: «وَاللَّهِ لَوْ طَهَّرَتْ قُلُوبُنَا مَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَكِنَّ قُلُوبَنَا عَادَ فِيهَا وَعَادَ، عَادَ فِيهَا، لا بُدَّ أَنْ تُصْفَى وَتُزَكَّى، وَلَا مَا تَشْبَعُ مِنَ الْقُرْآنِ أَبَدًا، مَا شَبِعَتْ»، وانظروا سيرتهم في رمضان خاصة في تلاوة القرآن، وكم ختم يختمونها، ونحن ماذا نقول؟ نسأل الله السلامة والعافية لنا. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لمرضاته، وأن يوفقنا وإياكم لصيام هذا الشهر الكريم، كما بلغنا أوله أن يبلغنا آخره، نسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا فيه على القيام، أسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا فيه على مرضاته، إنه ولي ذلك والقادر، وعليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.