المحاضرة بعنوان الطريق إلى الهدى، وكانت بمسجد السنة بديس المكلا الجمعة ١٤ محرم ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد المقطع أن الله أرسل الرسل لهداية الناس، وأن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على الجهل والظلم واتباع الهوى لا على علم. ويستدل بقول ابن تيمية وآيات القرآن التي ذمت من يتكلم في الله بغير علم، مشدداً على أن الحق لا يُعرف إلا بالكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
يبيّن المقطع أنواع الأدلة الثلاثة ويؤكد أن الصحابة كانوا يتلقون الدين من الكتاب والسنة حصراً. ويوضح أنهم إذا لم يجدوا نصاً اجتمعوا وتشاوروا وأعملوا الاجتهاد مع الرجوع إلى من سبقهم بالعلم كما في قصص القضاء والسقيفة.
يبرز المقطع تمسك الصحابة والتابعين بالحق والرجوع إليه عند تبين الدليل مستشهداً بمواقف أبي بكر وعمر والنبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن عبد العزيز. ويؤكد أن أهل السنة يتميزون باتباع الكتاب والسنة وعدم المكابرة بخلاف من يعاند بالدليل في العصر الحديث.
احتج قدري بآية ﴿إما شاكراً وإما كفوراً﴾ فأمره عمر بقراءة ما بعدها فظهر قوله تعالى ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، مبيناً أن الحجة بالقرآن كله لا بآية مفردة. وبين أن اتباع المتشابه من صفات أهل الأهواء، بينما الراسخون يؤمنون بالكتاب كله ويردون التأويل إلى فهم السلف.
استعرض المتحدث أدلة التشريع من الكتاب والسنة والمعقول عبر مواقف للإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. ثم انتقل إلى بيان عظمة الحق وأنواع الهداية الأربع التي شرعها الله مبتدئاً بالهداية العامة.
رحمة الله وبركاته. صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا أن يسر لنا زيارة إخواننا في هذا المسجد المبارك، مسجد أهل السنة بالمكلة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياهم، وأن يوفقنا وإياهم لكل خير. وجزى الله خيراً من كان سبباً في حصول هذا الخير، ومن أعان عليه من الإخوة القائمين على هذا المسجد. وجزى الله خيراً أخانا المقدم أبا خالد على ما حث ورغب فيه الناس إلى حضور مثل هذه المجالس. أسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعاً بما نقول وبما نسمع. فكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾. وأنبه على كلمة أخينا أبي خالد حيث وصف المتكلمين بأنهم مشايخ، وهذا من حسن ظنه، جزاه الله خيراً. وإلا فنحن أعلم بأنفسنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا جميعاً على الحق، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لطلب العلم النافع، وأن يجعلنا طلبة علم حتى يتوفانا وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الإخوة في الله، إنه لمن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل لهداية الناس جميعاً، وكان آخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإرسال الرسل فيه هداية للناس: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾. فالله عز وجل أرسل النبي عليه الصلاة والسلام للناس جميعاً ليبلغهم ما يريده الله سبحانه وتعالى من معرفته، ومعرفة أسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته، إذ لا سبيل لهم أن يعرفوا ذلك عن الله جل وعلا إلا عن طريق الرسل. ولهذا كل من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام فقد اتبع الهوى، واتبع الظن، وكان جاهلاً بالله العظيم. وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «كل من خالف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس عنده علم ولا عدل». تأمل في هذه الكلمة: ليس عنده علم ولا عدل، بل ليس عنده إلا جهل وظلم، وظن واتباع للهوى. ولقد جاءهم من ربهم الهدى. ثم قال: لأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق ظاهراً وباطناً. إذن من خالف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما بنى مخالفته على ماذا؟ على جهل. ما بنى المخالفة على علم، وإلا لو كان عنده علم بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما خالفه. ولهذا جاءت المخالفة بسبب الجهل، أو بسبب كذلك الظن السيء الذي عنده. فما بنى ذلكم الأمر الذي عنده على علم من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والأدلة في الكتاب والسنة كثيرة على ذم الظن الذي ليس مبنياً على مقدمات، وليس مبنياً على علم. ذم الله عز وجل أهل الكتاب، ذم سبحانه وتعالى اليهود، ذم سبحانه وتعالى النصارى، ذم سبحانه وتعالى المشركين الذين تكلموا في الله سبحانه وتعالى عن طريق أهوائهم، وعن طريق ظنونهم، أو اتباعهم لمن سبق من آبائهم وأسلافهم دون الرجوع إلى أقوال الرسل عليهم الصلاة والسلام في الله سبحانه وتعالى. انظروا إلى الذين تكلموا في الله سبحانه وتعالى ونسبوا له الولد، وإلى الذين اتهموا مريم عليها السلام بما برأها الله منه، وإلى الذين تكلموا في عيسى عليه الصلاة والسلام، حتى الذين قالوا: ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾. قال الله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقيناً﴾. وانظر كذلك يا عبد الله إلى رد سبحانه وتعالى على أولئك المشركين الذين اتخذوا آلهة من دون الله عز وجل وعبدوها من دونه، وسموها آلهة. ذكر الله عز وجل أن تسميتهم للآلهة ما جاءت عن علم، وإنما هي عبارة عن حسن ظن بمن سبقهم من الآباء. قال سبحانه في سورة النجم: ﴿أفرأيتم اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾. النبي عليه الصلاة والسلام هو الهدى الذي جاءهم به، وهو القرآن العظيم. جاءهم من ربهم الهدى، لكن ما أخذوا هذا الهدى، وما اتبعوا به الهدى، فظلوا عن سبيل الله. كل من خالف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس عنده إلا جهل وظلم، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: ليس عنده علم، ولا عنده كذلك عدل في هذه القضية. إذ كيف يحكم على شيء وهو ما بنى مسألته أو حكمه على علم يستند إليه؟ حتى في المسائل التي يتخاصم فيها الناس، أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخصومات، في الحدود وغيرها، بإقامة الشهود. الشهود الذين يشهدون على هذا: أن هذا فعل كذا، وهذا فعل كذا، ويحلفون بالله. وقال صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». لماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟ لكي يكون هناك حكم صحيح، إذ لا تبنى الأحكام بالجهل، ولا تبنى الأحكام بالظنون. قال الله عز وجل في أولئك المشركين المحرمين ما أحل الله عز وجل: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، قل آذَكَرين حرم أم الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾. الله عز وجل يطالب منهم العلم أنهم أحلوا هذا وفق علم، يعني ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعليه وسلم. فليست المسألة في الحلال والحرام مسألة تخرصات ومسألة ظنون، فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن أخذ ذلك بالظنون. وإنما يجب على المسلم أنه إذا أراد الحق أن يبحث عنه. فأين يبحث عن هذا الحق؟ لا يبحث عنه إلا فيما أمر الله عز وجل به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسار عليه السلف الصالح، وهو أنه يلزم الكتاب والسنة، فيعرف الحق بدلائله. الله عز وجل أقام الدلائل القاطعة والبراهين الصاطعة على وحدانيته، ضرب الأمثال العقلية في القرآن العظيم، وهي مليئة. ضرب أمثلة كثيرة لهؤلاء الكفار لعلهم يعقلون. ولهذا كثير من الآيات تخاطب: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا تسمعون﴾، ونحو ذلك. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أخباراً مجردة لا يتبعها إلا أهل الإيمان. أهل الإيمان هم الذين يؤمنون بما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعلمون أن هذا هو الحق. ولو كان هذا من خبر مجرد ليس فيه إلا الإيمان، ليس فيه إلا الإيمان، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم عن أسمائه وعن صفاته، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك عن أسماء وصفات من صفات الله عز وجل، فيجب الإيمان بها. فالأدلة على ثلاثة أنواع كما قال أهل العلم: إما أدلة عقلية، وإما أدلة سمعية، وإما أن تكون أدلة مشتركة بينهما، مشتركة بين الأدلة السمعية وبين الأدلة العقلية. فتارة يأتي الله سبحانه وتعالى بآية فيها دليل عقلي، وتارة يكون ذلك الدليل سمعياً يجب الإيمان به، وتارة تختم بعض الآيات أو في الآيات نفسها دليل عقلي مع دليل سمعي. ولهذا يجب على المؤمن أن يبحث الحق بدلائله من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد كان السلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم عندما يبحثون في الأدلة إنما يبحثون في الكتاب والسنة. فإن وجدوا في الكتاب أخذوا به، وإن وجدوا في السنة أخذوا بها. ما وجدوا في الكتاب وفي السنة، اجتمعوا في كثير من المسائل، كانوا يجتمعون رضي الله تعالى عنهم حتى يصلوا إلى الحق، ويتشاورون فيما بينهم. ولهذا ذكر أهل العلم أن هناك مسائل توصل إليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالاتفاق والإجماع، توصلوا إليها بالاتفاق وبالإجماع. جلسوا وتشاوروا وأجمعوا على أن هذا هو الحق الذي ينبغي أن يتبع. فكان من بعدهم أنهم رجعوا إلى هذا القول، ما يخالفونه، لأن عندهم كتاب وسنة، وعندهم كذلك أهل الحل والعقد ممن علم المدلولات، مدلولات الألفاظ من الكتاب والسنة. ولهذا أيضاً كان السلف رحمهم الله يهابون، فيمن جاء بعدهم، يهابون أن يقولوا في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما يهابوا أن يفسروا القرآن. من يقول: أنا أفسر كلام الله عز وجل كذا وكذا، وأن مراده سبحانه وتعالى من الآية كذا وكذا، هذا لا يستطيعه أحد إلا من علم مدلولات الألفاظ، اللغة العربية، أن يكون عالماً باللغة العربية، أن يكون عاشر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، علم هذه الآية نزلت في مكان كذا وفي يوم كذا، وهكذا أيضاً عاشر كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ منهم العلم. ولهذا ما تجد في المفسرين إلا قليل، كابن عباس وابن مسعود وزيد ونحوهم من المفسرين ممن اشتغلوا واعتنوا بهذا العلم النافع وهو كتاب الله جل وعلا. وهكذا أيضاً السنة، كانوا رضوان الله تعالى عليهم ينظرون في السنة ويأخذون بالسنة ولا يحيدون عنها، لأنهم ما يريدون إلا أن يصلوا إلى الحق. فالحق يعرف ببراهينه وبدلائله، لا يعرف بالأشخاص. فلان كذا، وربما هذا فلان بعد فترة من الفترات يزل ويزيغ. وإنما المسلم يأخذ دينه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظروا إلى قضية عمر رضي الله تعالى عنه كيف قضى في المسائل. أكثر المسائل التي يقضي فيها عمر رضي الله تعالى عنه كان بعلم. حتى الذي خفي عليه من العلم كان يشير إليه الصحابة، وربما قام على المنبر كما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: أن عمر رضي الله عنه استشار الناس في دية الجنين، فقام على المنبر وقال: «أنشدكم الله، هل من يذكر شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دية الجنين؟» وهو صحابي كبير، ولكن ربما خفي عليه حديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. جاءته مسألة، فصعد المنبر واستشار الصحابة: هل أحد سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ذلك شيئاً؟ قال: فقام حمل بن النابغة الذبياني فقال: يا أمير المؤمنين، كانت لي جاريتان ضرتان، يعني جاريتان يعني ضرتان، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغرة عبد أو أمة. قال: فكبر عمر وهو على المنبر، فكبر عمر، قال: «الله أكبر، إن كنا لنقضي في هذا لو لم نسمع برأينا». ربما سيقضي برأيه إذا ما في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، سيجتهد عمر رضي الله تعالى عنه، وحق له أن يجتهد، وهو الذي شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بالأخذ بسنة الخلفاء، وهو من الخلفاء الراشدين. وهكذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما جاءته مسألة من المسائل، وهي أن امرأة توفي عنها زوجها ولم يفرض لها مهراً ولا صداقاً، فماذا لها؟ فجاءوا إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فتفكر ساعة ثم قال: «لم أجد فيها شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وعليه وعلى آله وسلم على حسب علمه»، ثم قال لهم: «سأجتهد برأيي، أقول في المسألة برأي». وانظروا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانت عندهم كثير من المسائل، ويعلمون من كتاب الله جل وعلا، من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ما لا يعلمه كثير من الناس، لأنهم عاصروا الوحي. ولهذا قال: «سأقول فيها برأي». قال: «لها مهر المثل، وعليها العدة، لها مهر مثيلاتها من النساء، وعليها العدة». فجاء رجل فقال لعبد الله بن مسعود: «لقد قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بروع بنت واشق، قضى فيها بما قضيت، أنها لها مهر مثيلاتها، وأنها تعتد من زوجها الذي توفي عنها». قال: فكبر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهكذا عمر رضي الله عنه في مسألة أخرى أخذ فيها بقول علي رضي الله تعالى عنه، وهو أن جماعة من أهل صنعاء قتلوا غلاماً واشتركوا في قتله، والحديث في البخاري معلقاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. اشتركوا في قتله، فتردد عمر، ثم قال له علي رضي الله تعالى عنه: «يا أمير المؤمنين، أرأيت لو اشتركوا في سرقة جزور، أي بعير، فأخذ منهم كتفاً، والآخر رجلاً، كل واحد أخذ منهم شيئاً من هذا الجزور، أكنت تقطعهم به؟» قال: نعم. قال: «فكذلك». فأخذ بقول علي رضي الله تعالى عنه، فأمر واليه أو عامله على بلاد صنعاء، وقال: «لو اشترك أهل صنعاء في قتله لقتلتهم كلهم». هكذا رضي الله تعالى عنه. هكذا الصحابة جميعاً رضوان الله تعالى عليهم، يأتون أولاً إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا وجدوا الحق فيهما اتبعوه، وإذا لم يجدوا شيئاً في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا وتناظروا وتشاوروا، وأخذ بعضهم بقول بعض، اتفقوا على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، مع أن هناك دلائل وإشارات أن أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر رضي الله عنه. لكن اختصم المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقام خطيب الأنصار وقال: «منا أمير ومنكم أمير». قال عمر: فذهبت لأتكلم، وظننت أني محضر، يعني محضر كلمة، أن أبا بكر لا يبلغ هذه الكلمة. قال: فقال أبو بكر: «على رسلك يا عمر»، فسكت عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: «بل نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وأن الخلافة لا تكون إلا في قريش». فرجع كلهم بعد ذلك إلى قول أبي بكر، مع أن أبا بكر جعل الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثنين من الصحابة المهاجرين، قال: «ابسط يدك يا عمر لأبايعك، أو يا أبا عبيدة». فقال عمر: «بل والله نبايعك أنت، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت أعلمنا بالنبي عليه الصلاة والسلام». فتتابع المهاجرون والأنصار على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لما رأوا الحق على لسان أبي بكر. اجتمعوا على قتال المرتدين، بعد أن حصل خلاف يسير في بداية الأمر، لكن أبا بكر قام في الناس خطيباً وقال: «والله لو قاتلتم من فرق بين الصلاة والزكاة، لو قاتلتموهم على عناق كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». انظر يا عبد الله كيف جعل الله عز وجل الحق على لسان أبي بكر. يقول عمر: «فوالله ما رأيت إلا أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق». واستدل لهم أبو بكر من قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هكذا اتفقوا كذلك رضي الله عنهم وأرضاهم على كتابة المصحف، بعد أن مات كثير من القراء في معركة اليمامة. اجتمعوا، وكان هذا رأي خير من عمر رضي الله تعالى عنه لأبي بكر، مع أن أبا بكر قال: «كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال عمر: «فما زلت أكرر عليه حتى شرح الله صدر أبي بكر لقول عمر». فقال: «يا زيد بن ثابت، قم فاجمع هذا القرآن». فجمعه زيد رضي الله تعالى عنه مما عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وكتبوه في تلكم الصحف. انظروا إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إنهم مجتمعون على الحق، ما عندهم تنازع، ما عندهم اختلاف أبداً، وإنما هدفهم الوصول إلى الحق. فما من مسألة من المسائل، حتى التي اختلفوا فيها، رجعوا إليها بعدما تبين لهم أن الصواب كذا وكذا في هذه المسألة. فكم من مسائل ذكرها أهل العلم رحمهم الله عن أبي بكر، وعن عمر، وعن علي، وعن عثمان، وعن زيد بن ثابت، وعن أبي بن كعب، وعن عائشة، وعن أبي هريرة، وعن ابن عباس، وعن أبي سعيد، وعن سعد بن أبي وقاص. كم من مسائل كانوا قد أفتوا بها، لم يبلغهم الدليل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك لما بلغهم ممن حضر النبي عليه الصلاة والسلام قال: كذا وكذا في ذلك الأمر، رجع إلى قوله، وما كابر وما عاند، لأنهم أهل سبيل، أهل حق. أهل الحق يتبعون الحق. هؤلاء أهل السنة وأهل الجماعة. أهل سنة لأنهم اتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. أهل جماعة لأنهم مجتمعون على الحق، ما كانوا يتفرقون. في هذه الأزمان بعض الناس تأتي له بالدليل من الكتاب والسنة على المسألة الفلانية فيكابر ويعاند، وربما عارضك بأقوال بعض العلماء. والعلماء مجتهدون في هذه المسائل، يصيبون ويخطئون. ولا شك أن الحق واحد، الحق ما يتغير، الحق ما يتبدل، الحق قديم. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه في كتابه لأبي موسى: «لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، أبت فيه إلى رشدك، وراجعت فيه نفسك، أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق قديم، لا يبدله شيء. الحق هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى عليه وسلم من كلام الله، ومن كلامه عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وأبت فيه إلى رشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، والحق لا يبدله شيء، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل». يقوله عمر لأبي موسى: ارجع إلى الحق متى استبان لك، فإنه خير لك من أن تتمادى في الباطل. النبي عليه الصلاة والسلام قضاء أغضية وحكم أحكاما على بعض الناس، والأصل كما قال أهل العلم في رجوع الحاكم، في رجوع الحاكم، الأصل فيه ما رواه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث أبيض بن حمال رضي الله تعالى عنه، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاستقطعه الملح، وهي أرض بمأرب، وهذه أرض طيبة، فاستقطعه الملح، فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذهب الرجل، فلما ذهب قال له بعض الصحابة الذين حضروا: «أتدري يا رسول الله ما أقطعته؟» قال: لا. قال: «لقد أقطعته الماء العد»، والماء العد يعني الماء الكثير والواسع، يعني أنها أرض ذات ماء، أرض طيبة فيها خيرات كثيرة. قال: فأرجعه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كما قال أبو عبيد رحمه الله تعالى في كتاب الأموال: هذا حجة للحاكم أنه إذا قضى قضاء وتبين له الحق فيه أن يرجع عنه. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقطع القطائع، ومع ذلك لما قال له ذلك الرجل ذلك الكلام رجع عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحاكم إذا تبين له الحق في مسألة من المسائل بدليلها وبراهينها يرجع، والمسلم كذلك إذا تبين له الحق بدليله وبراهينه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهدي السلف الصالح، وأقوال الأئمة المعتبرين، عليه أن يرجع إلى ذلك الحق، لا يكابر ولا يعاند. هكذا أهل السنة والجماعة ينظرون في الكتاب وفي السنة، ويفهمون الكتاب والسنة. وهناك أمثلة كثيرة للسلف الصالح، منهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، لما جاءه ذلك القدري الذي يحتج بآيات من القرآن على نفي المشيئة، وأن مشيئة العبد هي النافذة دون مشيئة الله جل وعلا. رده عمر بن عبد العزيز إلى الكتاب والسنة. دخل غيلان القدري على عمر بن عبد العزيز، والقصة ذكرها القرطبي رحمه الله في تفسيره في تفسير سورة يس، وغير واحد من أهل العلم، وسندها صحيح. وهو أنه دخل هذا القدري غيلان الذي حمل بدعة القول بالقدر، والقول بالقدر ظهرت في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وردوها بالعلم. منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه، لما جاء ذلك الرجلان من العراء، رد بدعة القدرية، وأنه منهم بريء، وأن الله لا يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، ولا يقبل منهم شيء حتى يؤمنوا بالقدر، لأنه ركن من أركان الإيمان، أن يؤمن العبد بالقدر بمراتبه الأربع، وهي: الكتابة، والعلم، والمشيئة، والخلق. أربع مراتب للقدر، فينبغي الإيمان بها. وهذا الرجل كان من النفاة، كان من القدرية الذين ينفون المشيئة عن الله سبحانه وتعالى. فجاء إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، الخليفة الراشد، ودخل عليه، فقال له عمر: «ما هذا الذي سمعت عنك؟» قال: «يكذبون عليه». يعني أن هؤلاء المبتدعة إذا حوجوا وخوصموا، وأنه قد اشتهرت مقالاتهم، وخاصة عند الأئمة الذين يفهمون، قال: «كذبوا عليه». فتركه عمر، ثم جاء بآية، فقال: «ما ترى يا أمير المؤمنين في قول الله عز وجل: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾؟» هذه بدعة أو شبهة من هذا القدري: ﴿إما شاكراً وإما كفوراً﴾، يعني هو يختار، إما أن يكون شاكراً، وإما أن يكون كفوراً. قال له عمر: «اقرأ، استمر في القراءة». يريد أن يحاجه بكتاب الله عز وجل. قال: فاستمر في القراءة حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله، إن الله كان عليماً حكيماً﴾. حج وخصم هذا المبتدع، وقال: «إن سمعت، أي ما سمعت بهذه إلا الآن»، يعني ما كنت قرأتها في القرآن. يا عبد الله، القرآن من الفاتحة إلى الناس، ما تقرأه كله، تأخذ آية فقط على ما تريد، تأخذ آية على هواك. كذلك الرجل الذي جاء إلى المأمون ويحتج بآية، وهو رجل كانت عنده شبهة الخوارج. الخوارج يحتجون بآيات من القرآن على بدعتهم. فدخل هذا الرجل الخارجي على المأمون، وقال له المأمون: «ما الذي جعلك تخرج علينا؟» قال: قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. قال له: «أهذه آية من كتاب الله؟» قال: نعم. قال: «وما دليلك؟» تأمل يا عبد الله، لو قيل لك: هذه آية من القرآن، ستقول: نعم، لأنها مكتوبة في المصحف. قال: «إجماع الأمة»، يعني السلف، إجماعهم قام على أن هذه آية من القرآن العظيم. قال: «فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل، فارض بإجماعهم في التأويل». ارضَ ماذا قالوا في هذه الآية؟ ألم يقل ابن عباس: كفر دون كفر؟ إذن لماذا تأخذ شيئاً أنت تريد أن تستدل به على هواك؟ لماذا ما تأخذ القرآن والسنة كما أخذه السلف الصالح، حيث بثوه في الناس وعلموه الناس؟ وابن عباس رضي الله تعالى عنه لما خاصم الخوارج واحتج عليهم، احتج عليهم بماذا؟ أولاً: ليس فيهم فقيه، ليس فيهم عالم، ليس فيهم صحابي. عرف أن هؤلاء مجرد عندهم شغب، غوغاء اجتمعوا، قالوا: الأمير كذا، والأمير كذا، من لم يحكم كذا فهو كذا. ظنيات، ما هي مسلمات، ما هو علم، أقاموا عليه وبراهين. ولهذا خاصمهم وحجهم من الكتاب الذي هو استدلوا به، وأخذوا جزءاً منه، وحاجهم وخصمهم بالقرآن وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يفقهونها. فهذا القدري قرأ آية واحدة: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾. قال له: «أكمل القراءة، ماذا سيكون في آخرها؟» ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾. حتى هذا ليس بيدك، المشيئة لله سبحانه وتعالى. ما تقول أنت: «أنا مهتدي، سأظل على الهداية، أنا أريد هذا»؟ نقول: لعل الله سبحانه وتعالى ما يريدك أن تكون من المهتدين. فكم من أناس طلبوا الهداية فما استطاعوها، لأن الأمر بيده سبحانه وتعالى. من علم أنه يستحق ذلك الأمر، الله سبحانه وتعالى يوفقه ويهديه. قال الله عز وجل: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾. والله في سابق علمه قضى أن هؤلاء من أهل السعادة، وهؤلاء من أهل الشقاوة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». لا تقول: «اعمل يا عبد الله لأنك ما تدري ما يختم لك»، لكن اعمل بالكتاب والسنة، واتبع الحق، والله عز وجل برحمته ومنه يوصلك إلى الطريق الذي أنت سرت عليه، طريق أهل الحق. الشاهد من هذا أن هذا الرجل استدل بجزء آية، فرده عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه يعمل بالمحكم، ما يعمل بالمتشابه، لأن الذين يتبعون الشبهات هم أهل الأهواء، أما الراسخون في العلم وأما أهل الإيمان فيقولون: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾. ثم قال له عمر، يريد أن يخصمه ويحجه في ذلك المجلس: «اقرأ سورة يس». قرأ سورة يس حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾. من الذي يقول: «لا يؤمنون»؟ إنه الله سبحانه وتعالى. لو جئت لهم بمئات الآيات والدلائل والبراهين الصاطعات، وأراد الله أن لا يؤمنوا، لن يؤمنوا. ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾. قال: «والله لكأنها ليست في القرآن»، أو بمعنى قوله، يعني لما خصم وحج، قال: «ما أدري، هذه الآية والآية كانت موجودة أم غير موجودة؟» سبحان الله، كيف تستدل بشيء أنت لست عالماً به، وأنت لست من أولئك الذين قد نقبوا وفتشوا وعلموا واتبعوا الكتاب والسنة؟ فبعد ذلك قال: «تبت إلى الله يا أمير المؤمنين». فقال له عمر رضي الله عنه: «وانظروا إلى العلماء، ما قال لها: أنت كذاب، قال: «لئن كنت صادقاً فاللهم ثبته ووفقه، ولئن كنت كاذباً فاللهم اجعله آية وعبرة للمؤمنين». فسكت وخرج، واستمر ساكتاً في عهد عمر، لا يتكلم في شيء من القدر. ثم بعد ذلك أظهر هذه المسألة وأثارها في عهد هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام، وصلبه، لأنه ما كان صادقاً في التوبة. والذي ما كان يكون صادقاً في توبته، في اتباع الحق بعدما تبين له البراهين والأدلة من أهل العلم، فإن الله سبحانه وتعالى سيعمي بصره، وسيضله على هذه الحالة، وربما يكون آية وعبرة لغيره. وهذا القدري كان آية وعبرة، فصلب على باب دمشق. قال عبد الله بن عبد الملك: «فأنا رأيته مصلوباً على باب دمشق، فقلت له: ما هذا؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز». فللهذا ينبغي على المسلم أنه ينظر في الأدلة، في الكتاب، في السنة، ماذا قال أهل العلم، حتى ولو كان في الرجال، حتى ولو كان في الرجال أيضاً له هذا، لهذا الباب وهو باب الرجال، له أناس قد برعوا فيه. وما العلماء المتقدمين ممن تكلموا في علم الرجال إلا من هذا الباب، من باب الدفاع عن الكتاب والسنة، وعن دين الله عز وجل. تكلم أحمد بن حنبل، تكلم علي بن المديني، تكلم كذلك يحيى بن معين، تكلم الإمام البخاري، تكلم أبو حاتم، تكلم وتكلم غيرهم، كثير من العلماء، وألفوا بذلك المؤلفات، صيانة لدين الله. أفلا نأخذ بقولهم؟ بل نأخذ بقول هؤلاء الأئمة الثقات الأثبات الذين عرفوا وشهدوا لهم بأنهم أهل سنة، ما يتكلمون بهوى ولا أغراض شخصية، ما يريدون إلا هداية الناس إلى الطريق المستقيم، ويقيمون على أقوالهم الدلائل والبراهين. جاء رجل إلى الشافعي رحمه الله تعالى، وانظروا هذا الإمام العظيم، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، جاءه رجل يسأله عن مسألة غريبة، وهو يظن أن هذا الإمام ربما ما يعرف، لأن بعضهم يسيء الظن في العلماء، يقول: «هؤلاء ما يعرفون، أو هؤلاء ما سيأتون، يأتون بدليل من الكتاب والسنة». فقال له: «يا إمام، ماذا تقول في لحم فرخ الزنبور؟» لحم فرخ الزنبور، يعني يؤكل ولا ما يؤكل؟ ماذا أجابه الإمام الشافعي رحمه الله؟ قال: «حرام». قال: «تقول حرام؟» متعجباً. قال له: «نعم، من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعقول، أجيبك بهذه الثلاثة». قال: «أما الكتاب، فقول الله عز وجل: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. وأما السنة، فساق بإسناده رحمه الله إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر». مع أن الحديث هذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ثم ساق بسند آخر إلى سويد بن غفلة، إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أنه أمر بقتل الزنبور، وهي حشرة معروفة، تقتل النحل، حشرة إذا لسعت لسعتها مثل العقرب، وقد قامت فيها قصة بين سيبويه والكسائي، ذكرها ابن مفلح في الآداب الشرعية. لسعت الزنبور، من هو ما أشد، العقرب أم لسعة الزنبور؟ هذه مسألة نحوية، حتى اغتم لها سيبويه، وكان الحق والصواب مع سيبويه، حيث قال سيبويه: «فإذا هو هي»، قال الكسائي: «فإذا هو إياها»، من باب ما يقال المناظرة، ومن باب ربما الكيد لهذا الصاحب. وبعد ذلك قامت المناظرة عند ولي أمر المسلمين، وقاموا لها الشهود، وكان ولي الأمر مع الكسائي في هذا الجانب، يريدون إخراج سيبويه من هذه البلدة، وخرج من هذه البلدة، لأنه علم أن هذه مكيدة، أن هذه مكيدة. اللغة العربية محلها الرفع، فإذا هو هي، يعني فإذا هو العقرب، هي الزنبور، لأن مكانها الرفع، وليس مكانها النصب، فإذا هو إياها. على كل، أن هذا الرجل الذي جاء للإمام الشافعي رحمه الله تعالى يسأل عن هذه المسألة، ثم قال: «وما أمر بقتله فهو حرام، ما أمر بقتله فهو حرام». استدل له بقاعدة شرعية عند العلماء: ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله، كالحدأة والعقرب والغراب والكلب العقور والفأرة، هذه ما حد يقول: «أنا سأكلها». هذه قاعدة شرعية عند أهل العلم. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان يأتي بالدليل من الكتاب والسنة، وربما كذلك من أقوال السلف الصالح. وهكذا أيضاً جاءوا إلى إسحاق بن إبراهيم رحمه الله تعالى، فسأله سائل، وكان عنده أحمد بن حنبل، ذكرها الإمام الذهبي في السير. فقال هذا السائل: «ما تقول في رجل طلق امرأته ناسياً؟» قال: فتفكر إسحاق ساعة واحتار، فلم يجب. فقال له الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن الله قال، أو إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وإنه لا بد في هذا من عمل القلب، وإنه لا يكون أمر إلا بالثلاثة: عمل وقلب، أو قول وقلب، يعني ثلاثة أمور تدور عليها الأعمال: القول والعمل، وكذلك النية». لهذا قال: «إنه لا يستقيم هذا الأمر»، أي لا يكون طلاق إلا بعد أن يقول مع ماذا؟ مع النية. فماذا أجابه الإمام إسحاق رحمه الله؟ قال: وهو فرح: «قويتني، قويتني»، وأفتى بهذا الأمر. فانظروا إلى العلماء رحمهم الله، عندما يكونون مع بعضهم يتشاورون ويتذاكرون العلم. طلاب العلم عليهم أنهم يأخذوا بمأخذ أهل العلم رحمهم الله. ونكتفي إن شاء الله بهذا القدر. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فأولاً نحمد الله تبارك وتعالى حمداً طيباً مباركاً على ما هيأ لنا سبحانه وتعالى من مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، التي نتذاكر فيها ما يفتح الله تبارك وتعالى به على المتكلم من كلام الله تبارك وتعالى، ومن كلام نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن كلام الصالحين رضي الله عنهم ورحمهم الله في كل زمن. وما كان فهذه نعمة عظيمة ينبغي لنا أن نتذكرها، وأن نشكر الله تبارك وتعالى عليها، ولا سيما ونحن في زمن قد ملئ بالفتن، وملئ بأنواع من البلايا، نسأل الله جل وعلا أن يعيدنا وإياكم، وأن يعيد بلدنا وبلاد المسلمين منها. ثم كذلك نشكر إخواننا المتكلمين، سواء المتكلم الأول وهو أخونا الفاضل الداعي إلى الله خالد أبو خالد وليد بن مقرم، أو أخونا أبو عبد الرحمن عبد الحافظ العامري، حفظ الله الجميع، على ما ذكرا وما بينا وما نصحا وأرشدا. وكذلك نشكر إخواننا في هذا المسجد على تهيئة مثل هذه المجالس، التي هي من مجالس العلم النافع، الذي بإذن الله جل وعلا يثمر العمل الصالح، الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم له. ثم قد سمعتم، بارك الله فيكم، ما سمعنا في كلمات إخواننا، ولا سيما ما في كلمة أبي عبد الرحمن من ذكر أحوال الناس في الأخذ بالحق، وكذلك في العزوف عنه والبعد عن الحق. والحق كما هو معلوم أمره عظيم، الحق: الاستمساك بالحق، والسير على الحق، والسير في طريق الحق، أمره عظيم. والله تبارك وتعالى من أسمائه الحق، والله جل وعلا أنزل كتابه بالحق، وأرسل رسوله بالحق، وأنزل شريعته بالحق. فالحق عظيم، والحق كريم، وهو توفيق من الله تبارك وتعالى لمن شاء. أيها الإخوة، الحق لا يتوصل إليه إلا بطرق بينها ربنا تبارك وتعالى، وشرعها لنا ربنا تبارك وتعالى. فالحق هو من أنواع الهدايات التي يهدي بها ربنا تبارك وتعالى من شاء من خلقه. والهدايات كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، الهدايات التي جعلها الله جل وعلا للعبد، هدايات، ذكر من ذكر أنها أربع، أربع هدايات جعلها الله جل وعلا للعبد حتى يوفق إلى الحق. أولها: الهداية العامة التي هي بمعنى التهيؤ لقبول الحق، وذلك يكون بالإدراك، وبخلق الله تبارك وتعالى العقل والفطرة الملائمة لقبول الحق الذي شرعه الله جل وعلا وأنزله. والهداية هنا هي هداية عامة لجميع الخلق، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾. وهذه هداية عامة، التي حقيقتها ومناطها يدور على استجلاب