الخطبة بعنوان تذكير ذوي القلوب بخطر المعاصي والذنوب، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 شعبان 1437هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض الخطيب آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين سنة الله في عقوبة القرى والأمم التي تكفر بنعمه وتعمل بالمعاصي، مستشهداً بقوم سبأ وغيرهما. ويحذر الأمة الإسلامية من حلول العقوبات بسبب انتشار المنكرات وتقصيرهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يستعرض الخطيب آية قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن تفشي المعاصي كشرب الخمر والغناء وضرب المعازف يستدعي عقوبة الله من خوف وضنك ومسخ. وينبه إلى ما يحدث في المهرجانات من رقص واختلاط وتبرج، داعياً العقلاء وأصحاب السلطة إلى التعاون على منع هذه المنكرات والأمر بالمعروف لتجنب العقوبة الإلهية.
يحذر الخطيب من أن تفشي الفواحش والغش ومنع الزكاة ونقض العهود والحكم بغير ما أنزل الله يجلب العقوبات الإلهية والذل على الأمم. ويؤكد أن النجاة تكون بالتوبة الصادقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله لنيل العزة والأمن.
يدعو المؤلف الله أن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين، ويدمر أعداء الدين. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فالله سبحانه وتعالى اقتضت سنته وكذلك عدله سبحانه أن ينزل العذاب وأنواعاً من العقوبات على أهل القرى إذا كفروا وكذبوا وظلموا فيما بينهم وعملوا بالمعاصي، فإن الله سبحانه وتعالى ينزل عليهم العقوبات الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. انظروا عباد الله، إذا عمل أهل القرى بالمعاصي وكفروا بنعمة الله وجحدوها، فإن الله سبحانه وتعالى ينزل عليهم عقوباته في الدنيا قبل الآخرة. فقد عذب الله عز وجل تلك القرى القديمة الماضية لما كذبوا رسلهم، ولما كفروا بأنعم الله، وعملوا بين ظهرانيهم بالمعاصي، ولم يسمعوا رسل الله، ولم يطيعوا الله عز وجل. فأولئك قوم سبأ، ذكر الله عز وجل عنهم أنهم كانت لهم جنتان عن يمين وشمال، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أَكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. هكذا يعاقب الله عز وجل القرى إذا بغت، والقرى إذا طغت، والقرى إذا ظلمت، والقرى إذا عصت، فإن الله سبحانه وتعالى يبدلهم بعد الأمن بالخوف، وبعد الرخاء بالجوع. وهكذا ترى هذا واقعاً يا عباد الله، ينبغي علينا أن نتعظ، وينبغي علينا أن نعتبر بمن مضى من الأقوام الماضية ومن الأمم السابقة الذين حلت عليهم العقوبات وحلت كذلك عليهم العذاب. ينبغي أن نتعظ وينبغي أن نعتبر يا عباد الله. يكفي ما في هذه الأمة من التفرق، ويكفي ما في هذه الأمة من الخوف، ويكفي ما في هذه الأمة من ضنك المعيشة، عقوبات إلهية تتنزل على الشعوب وتتنزل على الأمم المسلمة بسبب مخالفتهم لأوامر الله عز وجل وأوامر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفشو المعاصي والمنكرات بين ظهرانيهم، ولا يجدون بينهم من يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أو يغير حالهم من هذه المعاصي، والعياذ بالله. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في الترمذي من حديث أبي بكر رضي الله عنه: «ما من قوم يُعمل بين ظهرانيهم بالمعاصي ثم لم يغيروا إلا أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه». إذا فعلت المعاصي في أي بلد كانت، ثم لا يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويغير هذه المعاصي بالقوة من أهل الحل والعقد ممن لهم القوة والسلطة بين الناس، فيوشك الله عز وجل أن يعاقبهم بأنواع من العقوبات. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. انظر يا عباد الله، إذا أراد الله عز وجل وأذن بهلاك هذه القرى وهلاك هذه الشعوب، فإنه يجعل سبحانه من بين ظهرانهم من يعمل بالمعاصي ويعمل بالذنوب، فإذا تفشت المعاصي بينهم وتفشت الذنوب بينهم ولم يغيروها ولم ينكروها، فإن الله سبحانه وتعالى يبدي لهم بعد الأمن بالخوف، ويبدي لهم بعد الرخاء وسعة العيش بضنك المعيشة، فتتغير أحوالهم، تتغير أمورهم. نعم يا عباد الله، وهذا حاصل وهذا واقع في هذه الأمة يا عباد الله. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخبر أنه سيحصل في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، كما جاء في حديث أنس عند ابن أبي الدنيا وصححه الألباني: «سيكون في أمتي قذف وخسف ومسخ». فتعجب الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ذلك، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً للأسباب التي تحل عقوبات الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الأقوام وهذه الأمة: «إذا شربت الخمور، وعزفت القيان، وعزفت المعازف». نعم عباد الله، هذه ذنوب ومعاصي في هذه الأمة إذا حصلت، فإن الله سبحانه وتعالى يأذن بعقابها. إذا تفشت الخمور وشربت علانية، وإذا اتخذ الناس القيان أي المغنيات يغنين، وهكذا من يتشبه من الرجال بالنساء، والعياذ بالله، وهكذا أيضاً إذا ضربت المعازف، صار الناس يتغنون في بيوتهم وفي محلاتهم وفي مجالسهم، والعياذ بالله. أليس الغناء منتشراً في كثير من البلاد إلا من رحم الله؟ واتخذت القيان، وضربت المعازف. انظروا عباد الله إلى ما حل بنا، انظروا إلى ما حل بنا من ضنك المعيشة، نرجو من الله سبحانه وتعالى القطر من السماء، نرجو من الله عز وجل الرخاء، نرجو من الله سبحانه وتعالى حسن المعيشة، والمعاصي تُعمل بين ضهرانينا، وهناك من يسعى لفشوها، عياذاً بالله. ففي هذه البلاد كما تعلمون، في المهرجان الذي يقام، ما يُسمَّى بمهرجان البلدة، كان الناس يخرجون، يخرجون إلى الساحل ويغتسلون، أطفالاً ورجالاً، وربما خرجوا بعوائلهم، ولكن مع الحشمة، مع التستر، كل مشغول بنفسه. ثم بعد ذلك تطورت الأمور، تطورت الأمور يا عباد الله، فأصبح هناك من يُحرِّك الساكن ويريد إفساد أهل البلد. كفانا شرّاً، كفانا شرّاً يا عباد الله، كفانا ما نحن فيه مما يعاقبنا الله عز وجل بذنوبنا. نحن ذوو معاصي وذوو ذنوب إلا من رحم الله عز وجل. فيأتي من يسعى للإفساد، يأتي أقوام ويجعلون هذه الاحتفالات وهذه المهرجانات في أسبوع كامل أو أكثر من ذلك، رقصات شعبية كما يزعمون، وأغاني، وهكذا ضرب بالمعازف. وقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري رضي الله عنهما: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم - يعني إلى جنب جبل - تروح عليهم بسارحة لهم، فيأتيهم الفقير ذا الحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتون، فيبعثهم الله وقد دك، ومسخ العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير». انظروا عباد الله إلى العقوبة الإلهية، إلى هؤلاء الأقوام الذين استحلوا ما حرم الله عز وجل وعملوا بما حرم الله عز وجل، كيف مسخهم الله قردة وخنازير. وهكذا ذهبت منهم النعمة التي كانت بينهم، كانوا في نعمة عظيمة. ونحن يا عباد الله كذلك ننعم بنعم الله عز وجل، وإن برودة ماء البحر لنعمة من الله سبحانه وتعالى في هذا الحر، فكم من الناس ليس عندهم هذه النعمة، يعيشون في حر شديد وفي قيظ شديد، ولكن أنتم أنعم الله عز وجل عليكم بهذه النعمة العظيمة، ليست لغيركم، أفتبدلون ما أنعم الله عز وجل عليكم بالمعاصي؟ ليل نهار رقص وغناء واختلاط وتبرج وسفور، والعياذ بالله. أين العقلاء؟ أين العقلاء من الناس؟ أين ذو الجاه؟ أين ذو السلطة؟ ينبغي أن نتعاون على الخير، فربنا سبحانه وتعالى مدح هذه الأمة، مدحها بأنها خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فينبغي أن نكون كذلك يا عباد الله، يشد بعضنا بعضاً، ويأمر بعضنا بعضاً بالخير، وينهى بعضنا بعضاً عن الشر، أن نكف أبناءنا ونكف نساءنا عن الذهاب إلى ذلك الذي يدعون إليه أولئك الذين يريدون الإفساد. الله عز وجل يريد أن يتوب علينا، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لمرضاته. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، ما ذكر من المهرجان الذي يقام في هذه البلد وفي غيرها من البلدان، وهذا كما هو معلوم أول سنة يقام فيها هذا الاحتفال بهذه النعمة التي أنعم الله عز وجل علينا، فينبغي أن نتكاتف جميعاً، وأن نتعاون على أن ننهى عن المنكرات التي تحصل في هذه البلاد، فرب منكر ورب معصية ورب ذنب يقام من بعض الناس تحل عقوبة الله عز وجل على الجميع، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وكما تقدم في حديث أبي بكر، إذا لم يقم أناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على الخير، فإن الله عز وجل يوشك أن يعمهم بعقاب منه. بل ذكر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الدعاء لا يُرفع، وأن الدعاء لا يُسمع في أقوام حلت بينهم المعاصي وحلت بينهم المنكرات، ثم لا يوجد فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويغير، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم. انظروا عباد الله، ندعو الله عز وجل في صلواتنا وفي خلواتنا بأن الله عز وجل يغير حالنا، وأن الله عز وجل ينعم علينا، ولكننا ما غيرنا وما بدلنا ما نحن فيه إلى ما يريده الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وهكذا حذر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث ابن عمر عند ابن ماجه والحاكم، واستعاذ عليه الصلاة والسلام من أن يحصل ذلك الأمر بين أصحابه، فقال: «يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين والأنصار، خمس أعوذ بالله أن تدركوهن أو أن تعملوا بهن». قال عليه الصلاة والسلام: «ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين ونقص المؤونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، وما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم فيأخذ ما بأيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم». انظروا عباد الله، إذا حصلت هذه المخالفات وحصلت هذه الموبقات، والعياذ بالله، كيف تحل العقوبات الإلهية على هذه الشعوب التي تعمل بهذه الأشياء المذكورة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعوذ بالله من ذلك. وانظروا إلى أمة كانت قاهرة وكانت ظاهرة وكانت قوية ومستعمرة، لكن أذن الله سبحانه وتعالى واختصت حكمته وعدله سبحانه أن يذل الأمم التي تتجبر والأمم التي تتبطر والأمم التي لا تشكر. فقد جاء عن جبير بن نفير رحمه الله أنه قال: لما فتحت قبرص وفرق أهلها - أي خافوا وبكوا - قال: رأيت أبا الدرداء يبكي، فقلت له: ما يبكيك في يوم أعز الله الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، أما ترى ما هم فيه؟ لقد كان هؤلاء أمة قاهرة وظاهرة، ولكنهم عملوا بمعاصي الله وغالوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، صاروا إلى ما ترى. وهكذا كل أمة وكل شعب خالف ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما شكر نعم الله سبحانه وتعالى، إلا يرجع أمرهم إلى الذل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن عمر الآخر: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». فهل من رجوع صحيح إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى ننعم بالعزة وننعم بالكرامة وننعم برغد العيش؟ فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. من كفر وجحد النعمة التي أعطاه الله عز وجل فأولئك هم الفاسقون. فماذا بعد الحق إلا الضلال يا عباد الله؟ فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يهدي ضالنا، وأن يرد فاسقنا ويتوب عليه. نسأله سبحانه وتعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويهتدى فيه أهل معصيته. كما نسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر أعداء الدين. وصلى اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.