الخطبة بعنوان نهاية العام وحسن الختام، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 29 ذو الحجة 1445هـ الموافق 5 يوليو 2024م ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد الخطيب أن قيمة الأعمال تُقاس بخواتيمها لا ببداياتها مستشهداً بقول ابن تيمية وحديث الرجل الذي قاتل ثم انتحر، محذراً من الاغترار بالظاهر ومشدداً على الدعاء بالثبات وحسن الخاتمة.
يستعرض المقطع اهتمام السلف بحسن الخاتمة والأحاديث الدالة على أن الله إذا أراد بعبد خيراً يوفقه لعمل صالح قبل موته، داعياً إلى اغتنام العمر بالأعمال الصالحة ليغفر الله ما مضى.
يبين الخطيب أن الله يفتح أبواب التوبة ويرى العبد عيوب نفسه، مستشهداً بأقوال ابن القيم وأدعية النبي والصحابة، حاثاً على الإكثار من الدعاء وتحسين الأعمال قبل حلول الأجل.
يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه عز الإسلام وإذلال الشرك وتدمير أعداء الدين وأمن البلاد، سائلاً الله أن يحيا ويموت على الإسلام ويلحقه بالصالحين مع الصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إننا في شهر حرام، وفي نهاية هذا العام، وما بقي منه إلا يوم وساعات، فلنطُوِ الصحيفة بالأعمال الصالحات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات». ولهذا جاء في البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحد المعارك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هو في النار». قاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام، وما ترك المشركين، كان يكثر القتل فيهم، ومع ذلك قال: «هو في النار». هذا الرجل تبعه أحد من الصحابة ليرى ما يفعل، فأذخنته الجراح فبادر فقتل نفسه، فجاء الصحابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام يخبره بما فعل هذا الرجل الذي قال عنه إنه في النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم، الأعمال بالخواتيم». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي هذا الحديث أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا يغتر أحد بظاهر الحال. ولهذا شرع الدعاء بالثبات على الدين، وبحسن الخاتمة. حسن الخاتمة التي كان يقلق منها السلف الصالح رحمهم الله، ما كان يقلقون على شيء أكثر مما يقلقهم: هل يموتون على حسن خاتمة أم على سوء خاتمة، والعياذ بالله. ولهذا إذا أراد الله عز وجل بعبده خيراً فإنه يستعمله، كما جاء في حديث أنس بن مالك عند الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله عز وجل بعبده خيراً استعمله». قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح، لعمل صالح قبل الموت». يوفقه الله عز وجل لسلوك طريق الأعمال الصالحة يسلكها حتى يتوفاه الله ويقبضه على عمل صالح. وفي حديث عمر بن الحمق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله». قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: «يفتح له عمل صالح بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو قال: من حوله». رواه أحمد والطبراني، وصححه العلامة الألباني. وجاء كذلك هذا الحديث بنحوه من حديث أبي عينبة الخولاني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله». قال: وما عسله يا رسول الله؟ قال: «يفتح له عمل صالح بين يدي موته ثم يقبضه عليه». وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله. فانظر يا رعاك الله، إذا أراد الله عز وجل بهذا العبد خيراً فإنه يوفقه في آخر عمره أو في آخر أعماله إلى العمل الصالح، فأحسنوا يا عباد الله ختام هذا العام، فما بقي منه إلا القليل، نطوي صحائفنا بالأعمال الصالحة، على الله عز وجل أن يغفر لنا ما فرطنا وما قصرنا وما أخطأنا وما أذنبنا في بداية هذا العام. ولهذا جاء من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله...» - النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي - أي ما بقي من عمره - ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي». رواه الطبراني، وهو في صحيح الترغيب وفي الصحيحة أيضاً للعلامة الألباني. نعم عباد الله، إذا أراد الله عز وجل بعبده خيراً فتح له أبواب التوبة والإنكسار والذلة والإفتقار والاستعانة به، ودوام التضرع والدعاء، ودوام التضرع والدعاء، ويفتح الله عز وجل له من الأعمال الصالحة ما يستزيد فيه من الحسنات، ويريه عيوب نفسه ويشاهده، ويريه فضل ربه عليه وإحسانه ورحمته وتوفيقه وجوده وبره، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. فلنحسن الأعمال في نهاية هذا العام، نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يغفر لنا ذنوبنا. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة». كان هذا دعاء عليه الصلاة والسلام. ودعا أيضاً في أصعب المواقف، دعا يوم أحد كما قال رفاعة بن رافع رضي الله عنه في دعاء طويل، وكان منه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين». كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يدعو بحسن الخاتمة، وكان يقول: «اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك». هكذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. وكان عمر أيضاً رضي الله عنه وأرضاه يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك». فلنكثر الدعاء عباد الله، ولنحسن العمل، فإننا لا ندري متى يأتينا الأجل. نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وأن يسددنا وأن يعفو عنا. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وارض اللهم عن صحابته، ارض اللهم عن العشرة المبشرين بالجنة وعنا معهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. وصلى اللهم وبارك على عبدك ورسولك محمد، والحمد لله رب العالمين. شكراً، شكراً.