الدرس في خطر النفاق، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 ربيع أول 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور مفهوم النفاق لغةً وشرعاً، مبيناً الفرق بين النفاق الأكبر الاعتقادي الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار، والنفاق الأصغر العملي المتعلق بالأعمال والأخلاق. ويسرد الأدلة من سور البقرة والنساء والتوبة والأحاديث النبوية التي تصف صفات المنافقين في كلا النوعين.
يستعرض المحور العلامات الخمس للنفاق العملي الواردة في الحديث النبوي: الكذب، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهد. ويؤصل هذه الصفات بآيات قرآنية وأقوال السلف مبيناً أن أصل النفاق هو اختلاف السر والعلانية، مع التمثيل بأهل الضرار والكتمان.
يتناول المحور خطورة النفاق بوصفه إظهار خلاف ما يبطن، ويستعرض استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم منه، وخوف الصحابة الكرام الشديد من الوقوع فيه كما في قصص حنظلة وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم. ويؤكد أن خوف النفاق من علامات الإيمان الصادق وأمنه من علامات النفاق نفسه.
يبرز المحور كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، يخشون النفاق على أنفسهم رغم علمهم وإيمانهم، داعياً المسلمين اليوم إلى الاقتداء بهم في الخوف من النفاق. ويختم بدعوة للسؤال الله تعالى أن يطهر القلوب والأعمال من دنس النفاق وآثاره.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الواجب على كل مسلم أن يحذر مما حذر منه ربنا عز وجل في كتابه الكريم، ومما وصف به أهله، والعاقبة لهم في الدنيا والآخرة. حذر الله عز وجل في كتابه الكريم من النفاق والمنافقين، فيجب على المسلم أن يحذر كل الحذر مما حذر منه ربنا عز وجل. والنفاق، عباد الله، تعريبه في اللغة: هو جنس من الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه. وأما في الشرع فالنفاق على قسمين: نفاق أكبر، وهو نفاق الاعتقاد، وهو إظهار الإسلام والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإبطان خلاف ذلك كله أو بعضه. وهذا القسم، عباد الله، توعد الله عز وجل أصحابه بالدرْك الأسفل من النار، وقد كان هذا موجودًا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]، وقال سبحانه: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 138-139]. وقد ذكر الله عز وجل في سورة البقرة والنساء والتوبة والمنافقين صفات هؤلاء المنافقين الذين يصلون الدرْك الأسفل من النار. قال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 8-15]. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 204-206]. وقال عز وجل في سورة التوبة: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 64-66]. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142]. ومن صفات هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل: الطعن في الأنبياء والمرسلين، والطعن في الصالحين بغير بينة ولا برهان. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يُؤْذِي النَّبِيَّ وَيَقُولُ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 61]. وقال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 79]. وقد سخِر المنافقون لما مات سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، سخروا وطعنوا في سعد بن معاذ، وقالوا: «ما أخف جنازته، ما أخف جنازته». فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «إن الملائكة كانت تحمله». رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك، وصححه شيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، وهو في الجامع الصحيح. وبابُهُ: طعن المنافقين في الصالحين. انظروا، عباد الله، صفاتهم لا تخفى على كل عاقل وعلى كل ذي لب، ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم، كما ذكر منها جملة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما القسم الثاني، عباد الله، من النفاق فهو النفاق العملي، وهو النفاق الأصغر. وقد بينه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر صفات أهله. من ذلك ما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر». وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». فمن مجموع الحديثين، عباد الله، تتبين هذه الصفات الخمس: أن المنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر. هذه أصول النفاق العملي. وإلا فإن النفاق العملي، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: هو أن يظهر الإنسان ما لا يخفيه، أي اختلاف السر والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج. هذا هو النفاق العملي، عياذًا بالله. في الحديثين، عباد الله، بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العلامة التي يعرف بها ذلك المنافق: أنه إذا حدث كذب. إذا حدث كذب، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهكذا قال الإمام الشعبي رحمه الله تعالى: «آية المنافق الكذب»، أو كما قال رحمه الله: «آية المنافق -أي النفاق العملي- أنه يكذب في حديثه ولا يصدق مع الناس». وهكذا أيضًا بيّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من آيات النفاق العملي: أنه إذا وعد أخلف. أنه إذا وعد أخلف. وقد ذكر الله عز وجل هذه الصفة عن المنافقين في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 77]. انظروا، عباد الله، صفة هؤلاء المنافقين: أنهم يعدون المواعيد ثم يخلفونها. قال العلماء رحمهم الله تعالى: يشتمل ذلك على أنه إذا وعد وفي نيته من أول أمره أنه يخلف ذلك الوعد، في نيته من أول أمره أنه يخلف ذلك الوعد. ويدخل فيه كذلك إذا وعد وليس في نيته أن يخلف، لكنه بعد ذلك ظهر له وتبين له، أو ظهر له أن يخلف وعده بغير عذر من الأعذار، فيدخل في هذه الصفة، عياذًا بالله. وهكذا أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا اؤتمن خان. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]. وهكذا بيّن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من آية المنافق: أنه إذا خاصم فجر. والخصومة معناه: أن يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا. هذا من صفات هذا المنافق: أنه شديد الجدال، شديد الخصومة بالباطل. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الكذب يهدي إلى الفجور». وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع»، أي حتى يرجع ويتوب إلى الله عز وجل من جداله بالباطل. وقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم، الألد الخصم»، أي: الشديد الخصومة بالباطل. وهكذا بيّن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث أن آية المنافق: أنه يعطي العهود والمواثيق. وقد أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم عن هذا الصنف من الناس الذين يعطون العهود والمواثيق ثم يخلفونها ويغدرون فيها. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [التوبة: 75]. يعطون المواثيق ويعطون العهود بالله عز وجل أنه إذا أعطاهم من فضله من المال ليكونن من أول الناس تصدقًا. ﴿ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 76-77]. بخلوا بما آتاهم الله عز وجل من فضله. وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم عند شرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن من أعظم صفات المنافق العملي أنه يظهر للناس حسن السريرة وهو يبطن خلاف ذلك، يظهر لهم العمل الصالح وهو على خلاف ذلك، وإنما يريد أن يتوصل بهذا العمل إلى غرض سيء. قال: وقد ذكر الله عز وجل هذا عن طائفتين من الناس: المنافقين واليهود. أخبر الله عز وجل عنهم أنهم ربما أظهروا ذلك وفرحوا بخداعهم ومكرهم للناس، يعملون تلك الأعمال يريدون بها الثناء، وربما فرحوا بذلك. عباد الله، قال الله عز وجل حكاية عن المنافقين: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 107]. انظروا، عباد الله، إلى حال هؤلاء المنافقين: بنوا مسجدًا وما أرادوا به وجه الله. وفي ظاهر ذلك أن بناء المساجد، عباد الله، من الخير ومن العمل الصالح، لكن فضحهم الله عز وجل بسبب ما يبطنونه، بسبب ما يبطنونه من وراء هذا البناء: ما أرادوا به وجه الله، وما أرادوا إعلاء كلمة الله عز وجل ونصر هذا الدين، لكن أرادوا من وراء هذا العمل تفريق الصف، تفريق كلمة المسلمين. ولهذا يقولون ويحلفون: «إن أردنا إلا الحسنى»، والله يشهد إنهم لكاذبون. وهكذا الصنف الثاني، عباد الله، وهم اليهود الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، كما أخبر الله عز وجل عنهم في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 188]. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وجاء كذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيسألونه عن أشياء، ثم يظهرون له... يسألهم النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء فيظهرون له خلاف ما كان في التوراة، يكتمون الحق، عباد الله، وهم يرون النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك هو الحق، فيخرجون من عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد ظنوا في أنفسهم أن النبي عليه الصلاة والسلام صدقهم على كتمان الحق، فيفرحون بما أتوا، أي: من كتمان الحق. يفرح اليهود من كتمان الحق، يفرحون بما أتوا، عباد الله، ويحبون أن يحمدوا بين الناس بما لم يفعلوا. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نزلت في المنافقين كذلك: لما يخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى غزوة من الغزوات فيعتذرون إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعتذرون إليه في الخروج، فإذا رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو ذهبوا يحلفون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويفرحون بهذا الحلف، يفرحون بهذا الحلف. انظروا، عباد الله، إلى حال الطائفتين، عياذًا بالله. فهذه خصلة دميمة، هذه خصلة دميمة: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطنه. عباد الله، ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من صنف من الناس يقول بلسانه ما لا يفعله، بل أفعاله تخالف ما يقوله. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم لسان». رواه الإمام أحمد من حديث عمر. وهكذا قال عمران بن الحصين رضي الله عنهما: «حذرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كل منافق عليم اللسان». المنافق يقول ما يعرف، ويعمل ما ينكر، كما قال بلال بن سعد رحمه الله تعالى. فالواجب على المسلمين، الواجب على كل مسلم ومسلمة، أن يحذر من هذه الصفات والخصال الذميمة التي بقرها الله عز وجل عن حال المنافقين الاعتقاديين أو عن حال المنافقين العمليين، فكلها تؤدي إلى العذاب المهين، عياذًا بالله رب العالمين. والحمد لله رب العالمين. *** الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتعوذ من النفاق وهو المعصوم عليه الصلاة والسلام. فقد ثبت في حديث أنس عند الطبراني والحاكم وابن حبان، وصححه شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «وأعوذ بك من الفقر والكفر والشرك والنفاق والنفاق». كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من النفاق لأنه خطير على الإنسان. وقد أدرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا الخطر العظيم الذي ربما يدب في بعض النفوس، فخافوا على أنفسهم من النفاق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولا يأمنه إلا منافق، كما ذكر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، أخرجه البخاري عنه معلقًا. وهكذا أيضًا قال ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كلهم يخشى النفاق على نفسه، ما أحد منهم يقول إنه على إيمان جبريل أو ميكائيل». الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، سواء كان العمل أم غيره، إنه خوف شديد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واسمع، يا عبد الله، إلى هذا الحديث العظيم: فقد روى أبو يعلى من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «غدا الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا ورب الكعبة». فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسول؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ليس ذاك النفاق». ثم سكتوا، فبدا لهم بعد ذلك أن يتكلموا، فقالوا: «هلكنا ورب الكعبة يا رسول الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما ذاك؟» قالوا: «النفاق، النفاق». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسول؟» قالوا: بلى. قال: «ليس ذاك النفاق». ثم قالوا في الثالثة ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم بينوا السبب، فقالوا: «يا رسول الله، إنا إذا كنا عندك نكون على حال، وإذا خرجنا من عندك يا رسول الله لهونا كثيرًا مع الأهل والأولاد». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أنكم تخرجون من عندي وتدومون على ذلك الحال كما خرجتم من عندي لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والحديث صححه شيخنا مقبل رحمه الله في الصحيح المسند. انظروا، عباد الله، إلى خوف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: خافوا على أنفسهم من النفاق. وجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى حنظلة وهو يبكي، كما في صحيح مسلم، وهو يبكي، عباد الله، بكاءً شديدًا. فقال: «ما لك يا حنظلة؟» قال: «نافق حنظلة». قال: «وماذاك؟» قال: «إنا إذا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر لنا الجنة والنار كأنها رأي عين، يرون الجنة كأنها رأي عين، إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم يخافون وتخشع قلوبهم لموعظة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: فإذا خرجنا من عند النبي صلى الله عليه وسلم عافسنا الأهل والضيعات والصبية». قال أبو بكر: «والله إني لأجد ذلك، والله إني لأجد ذلك». فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكروا له ما يجدونه في صدورهم من ذلك الحرج العظيم: النفاق، النفاق، عباد الله. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تدومون على ذلك الحال الذي تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ماذا يقول لحذيفة؟ لما منعوا من الصلاة على رجل مات في عهده، أمسكه حذيفة وقال له: «لا تخرج، أمير المؤمنين إنه منهم»، أي: من أولئك المنافقين الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ [التوبة: 84]. فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: «أنشدك بالله، أنشدك بالله يا حذيفة، هل أنا منهم؟» قال: «لا، ولا أبرأ أحدًا بعدك». رواه البزار من حديث حذيفة، وصححه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند. انظروا إلى خوف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من خصال النفاق: «هل أنا منهم يا حذيفة؟» وهذا عمر رضي الله تعالى عنه الذي قد ملأ علمًا وملأ إيمانًا، فكيف بنا نحن، عباد الله، لا نخاف على أنفسنا من هذا الذنب الكبير العظيم وهو النفاق؟ نسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا وأعمالنا من النفاق، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.