الدرس في من فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 صفر 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الخطيب العهد الذي أخذه الله على الأنبياء بالإيمان بنبي الإسلام ونصرته، ويبين أن أهل الكتاب كانوا يعلمون ببعثته وصفاته، ثم يستعرض فضائل النبي كغفران ذنوبه، ورفع ذكره، وشفاعته العظمى، وكونه سيد ولد آدم وحامل لواء الحمد يوم القيامة.
يستعرض المقطع فضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم كونه أول من يدخل الجنة وأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، ويبين شرف أمته بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأكثر أهل الجنة عدداً، وأول الأمم حساباً ودخولاً للجنة، مع مضاعفة الأجر لهم مقابل عمل يسير.
يبيّن المقطع حقوق النبي محمد ﷺ الواجبة على المؤمنين من تعزير وتوقير ونصرة ومحبة، مستدلاً بآيات قرآنية تأمر بخفض الصوت عنده وعدم مناداته باسمه، وتحذر من أذاه الذي يستوجب اللعنة والعذاب الأليم، مؤكداً أن سب النبي ﷺ كفرٌ يبيح الدم.
يتضمن المقطع دعاءً جامعاً يسأل الله أن يجعل السامعين من المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم والمحبين له والناصرين لسنته، مع طلبات بإعزاز الإسلام وإذلال الشرك، وحفظ الدين والدنيا والآخرة، وجعل الحياة زيادة في الخير والموت راحة من الشر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. هذه الآية الكريمة، عباد الله، جاء في تفسيرها عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، فيما أخرجه ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره، أنهما قالا: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ على ذلك على أمته الميثاق، لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. وهذه الآية تدل، عباد الله، أن عند اليهود علم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكان خروجه ومهاجره إلى المدينة، فقد كانوا يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. فاليهود والنصارى، أهل الكتاب، يعلمون مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، ويعلمون صفاته، وأنه أفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في البخاري، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال رضي الله تعالى عنه: «هذه الآية التي تقرؤونها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، هذه الآية في التوراة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ إِنَّمَا يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا﴾». هذه صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التوراة، في كتب أهل الكتاب، أن هذه صفات الرسول الذي يبعثه الله عز وجل في آخر الزمان. فما بالهم يستهزئون، وما بالهم يصخرون بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا بغضاً وحقداً وحسداً على ما أعطى الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام وأمته من الفضائل، وأعطاهم جل وعلى من الخيرات، وأعطاهم من العطايا والهبات ما لم يعطي هؤلاء، إلا بأن يؤمنوا بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نقول: الله جل وعلى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. إن هذه الأمة فضلت، عباد الله، بسبب تفضيل نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين، بل وعلى الخلق أجمعين. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيد العالمين، وسيد الثقلين الجن والإنس صلى الله عليه وسلم. يقول عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مشفع». رواه مسلم من حديث أبي هريرة. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رفع الله عز وجل ذكره في السماوات وفي الأرض. قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاه الله عز وجل يوم القيامة الشفاعة العظمى، عندما يأتون إلى الأنبياء، من أبينا آدم عليه الصلاة والسلام إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، إلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: أنا لها، أنا لها. ويقول له الله عز وجل: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطَ، واشفع تشفع». شفاعة عظمى يعطيها الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم، والناس في ذلك الموقف العظيم في عرصات القيامة. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مما أعطاه الله أن جعل بيده لواء الحمد، والنبيون عليهم الصلاة والسلام تحت لواءه. جاء في حديث أبي سعيد عند الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي آدم ومن سواه إلا وهو تحت لوائه». فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم، يتقدمهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، مما يدل، عباد الله، على عظيم منزلته وعلو شرفه عند الله تبارك وتعالى، إذ يكون مقدمهم عليه الصلاة والسلام. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أول من يفتح باب الجنة، أول من يقرع باب الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة». رواه مسلم من حديث أنس. وروي أيضاً مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك، بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك». فهو أول من يدخل الجنة عليه الصلاة والسلام. النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر الناس تابعاً يوم القيامة. يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا آتاه الله عز وجل من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة». رواه مسلم من حديث أبي هريرة. انظروا، عباد الله، إلى هذه الفضائل، إلى هذا الشرف العظيم الذي أعطاه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أمة محمد، إنكم فضلتم على سائر الأمم باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبنصرته، وبمحبته. فهذه الأمة يوم القيامة تكون أعظم الأمم دخولاً الجنة. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب». وجاء في المسند من حديث أبي هريرة: «وأعطاني ربي مع كل ألف سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعين ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». والحديث صححه شيخنا الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند. انظروا إلى هذا الفضل العظيم. أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر من نصف أهل الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة». قال أبو هريرة: فكبرنا. قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة». قال: فكبرنا. قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصفاً، أو قال: شطر أهل الجنة». رواه مسلم. انظروا إلى هذا الحديث العظيم، نصف أهل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل جاء في ابن ماجه من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم». ثمانون من ثمانين أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثلثا أهل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أمة محمد، فضل الله عز وجل على سائر الأمم بأنها خير أمة أخرجت للناس. قال الله تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. لو آمن اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكان ذلك خيراً لهم، ولدخلوا في هذه الفضائل العظيمة التي أعطاها ربنا سبحانه وتعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية بن حيدة عند الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل». وفي رواية: «أنتم أفخرها وأكرمها على الله عز وجل». حسنه العلامة الألباني وشيخنا مقبل في الصحيح المسند. هذه فضيلة عظيمة لا ينالها إلا من آمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتبعه. أمة محمد، جعلها الله عز وجل أمة وسطاً. قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. والوسط: بمعنى العدل والخيار. فيا أمة خير، ويا أمة عدل، ليس فيها ظلم ولا جور. يشهدون على سائر الأمم، يشهدون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بلغوا أقوامهم وأدوا الرسالة كما أمرهم الله تبارك وتعالى. ليس فيهم غلو في الأشخاص، ولا عندهم جفاء في الأشخاص، وإنما هم وسط بين ذلك، لا إفراط ولا تفريط. أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أمة مرحومة، رحمها الله تبارك وتعالى بفضل نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أمة محمد، الآخرون من أهل الدنيا، السابقون يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا». متفق عليه من حديث أبي هريرة. أمة محمد، الآخرون من أهل الدنيا، ولكنها أول الأمم يقضى لها، يقضى لها في المحشر، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأولون يوم القيامة، أول من يقضى لهم من بين الخلائق». رواه مسلم من حديث أبي هريرة. أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أول أمة تعبر الصراط وتجتاز الصراط، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة الطويل في الشفاعة: «فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجتاز الصراط». رواه مسلم من حديث أبي هريرة. أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أول أمة تدخل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نحن الآخرون، نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، ونحن أول من يدخل الجنة». فهذه فضائل عظيمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. أمة محمد، عملوا قليلاً وأجروا كثيراً، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البخاري من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال لليهود: اعملوا من أول النهار إلى نصفه، فأعطاهم قيراطاً. وقال للنصارى: اعملوا من نصفه إلى صلاة العصر، فعملوا فأعطاهم قيراطاً. وقال للمسلمين: اعملوا من صلاة العصر إلى غروب الشمس، فأعطاهم قيراطين. فقالت اليهود والنصارى: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً؟ قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ وفي رواية: هل نقصتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من يشاء». ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، حتى أتاه اليقين من ربه. عباد الله، إنه ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن ينصر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يعظم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن سعادة البشرية جمعا بتعظيم الرسول، ومحبة الرسول، ونصرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أمر الله عز وجل عباده بأن يعزروه، وبأن ينصروه، وبأن يحبوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إظهاراً لمنزلته ولعظيم شرفه عنده سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. لتعزروه وتوقروه، أي تعزير الرسول، والتعزير: التعظيم والنصرة لهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. إن أراد الناس الفلاح في الدنيا والآخرة فعليهم بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليهم بتعظيم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحقه عظيم عليه الصلاة والسلام. ولهذا أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأوامر عظيمة في كتابه العظيم، تعظيماً لشرف هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، لا تدعوه باسمه، وإنما ادعوه بـ «يا أيها النبي» و«يا أيها الرسول». فقد جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، رحم الله الجميع، أنهم قالوا: كانوا يدعونه باسمه، محمد، وكانوا يقولون: يا أبا القاسم، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل وأمرهم بأن يلينوا له الكلام، وأن يخاطبوه باسم الرسالة وباسم النبوة، تعظيماً لحقه عليه الصلاة والسلام. فقد خاطبه الله جل وعلا في كتابه الكريم باسم الرسالة والنبوة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. فلم يخاطب أحداً من الأنبياء باسم الرسالة والنبوة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسائر الأنبياء والمرسلين خاطبهم الله عز وجل وذكرهم بأسمائهم. هذا يدل، عباد الله، على تعظيم قدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله. وآمر الله عز وجل عباده بأن لا يتقدموا بأي قول، ولا يعارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهوائهم، ولا بأفكارهم، ولا بآرائهم. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. انظروا إلى هذه الآداب العظيمة في هذه الآيات الكريمة، حيث أدب الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يتأدبوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يقدموا أقوالهم على قوله صلى الله عليه وسلم، ولا يرفعوا أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، ولا ينادونه من وراء الحجرات، لا ينادونه من وراء الحجرات، بل يتأنون ويصبرون حتى يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونهى الله عز وجل عباده عن أذية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن من آذى الرسول فعليه لعنة الله سبحانه وتعالى والملائكة والناس أجمعين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، لهم عذاب أليم، إن لم يكن في الدنيا فسيكون في الآخرة، بأن يصلى نار جهنم، بأن يصلى جار جهنم، وساءت مصيراً. فأذية الرسول عليه الصلاة والسلام أذية لله، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند هذه الآية العظيمة أن من سب الرسول فهو كافر حلال الدم. من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو استهزأ به، أو سخر منه، فهو كافر حلال الدم. لأن سب الرسول وإيذاء الرسول لا يتعلق بشخصه صلى الله عليه وسلم، وإنما بثلاثة حقوق: حق لله جل وعلا، لأن الله عز وجل أرسله وأمر الناس جميعاً بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله سبحانه وتعالى، وسب الرسول والطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم طعن في المرسل وهو الله جل وعلا. والحق الثاني: حق للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أحداً منا، عباد الله، لا يرضى لنفسه أن يستهزأ به، وأن يسخر منه، وأن ينال منه، فكيف برسول الله عليه الصلاة والسلام. وحق ثالث: للمؤمنين، حق ثالث للمؤمنين، لأن سعادتهم مرتبطة بالنبي صلى الله عليه وعليه وسلم، حيث آمنوا به واتبعوه، فلهذا يتأذون ممن آذى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، أو ممن سخر منه، أو ممن آذى. يتأذى عباد الله المؤمنين، ويرون أن ذلك أعظم من إيذاء أنفسهم، ومن سب أنفسهم، ومن التعرض لأنفسهم، لأنهم يحبون النبي عليه الصلاة والسلام محبة عظيمة، كما أمرهم الله جل وعلا في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فمن كانت الدنيا عنده أحب من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه متوعد بهذه الآية. ومن قدم شهوات نفسه، شهوات نفسه وهواه، على محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو متوعد بهذه الآية. إن محبة النبي عليه الصلاة والسلام، عباد الله، ليست مجرد هتافات، وليست مجرد شعارات تكتب على الأوراق وتلصق في الجدران. إنما محبة النبي عليه الصلاة والسلام: استقامة على دينه وشرعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تعظيم ما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتوقيره، ونصرته، والقيام به. هذا الذي يحب النبي عليه الصلاة والسلام، يتبعه، يتبعه في الأقوال، يتبعه في الأفعال. هذا المحب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمحب لله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأمرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نحبه، أن نحبه. فإذا أحببناه واتبعناه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإننا بذلك نحب الله عز وجل. فليست من المحبة تقديم الهوى وتقديم الشهوة، وليست من المحبة اتباع أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وتقديمهم على أقواله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليست من المحبة المخالفة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل الذي يحب النبي عليه الصلاة والسلام يعمل بسنته، ويقتفي أثره، ويمشي عليها إلى أن يتوفاه الله جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وعظيم إحسانه أن يجعلنا وإياكم من المتبعين، من المتبعين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن المحبين له، ومن الناصرين لسنته، والذابين عنها ليلاً ونهاراً. إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أعداءك أعداء الدين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم احفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واحفظ لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واحفظ لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، برحمتك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.