الدرس في شرح آيات الصيام 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول حكم تكرار صلاة الوتر في الليلة الواحدة، ويُبين عدم جواز التكرار استنادًا إلى حديث 'لا وتران في ليلة'. كما يشرح كيفية التعامل مع الرغبة في الصلاة في آخر الليل بعد الوتر الأول.
يتناول مسائل متعلقة بصلاة الوتر مثل جواز نقض الوتر وإعادة الصلاة، وفضل تأخير الوتر إلى آخر الليل، ودعاء القنوت في الوتر، والصيغة الصحيحة لهذا الدعاء مع آراء الفقهاء المختلفة.
يتناول آراء العلماء حول دعاء القنوت في صلاة الوتر، واختلافهم في حكم القنوت في الوتر في رمضان، وتخصيصه في النصف الثاني من رمضان.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، مُوَاصِلِينَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ عَمَّا كَانَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَخَاصَّةً مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الصِّيَامِ، وَمِنْ ثُمَّ كَانَ الدُّخُولُ فِي بَابِ الْقِيَامِ، وَمِنْ ثُمَّ الْوُصُولُ إلَى صَلَاةِ الْوِتْرِ. وَذَكَرْنَا الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْوِتْرِ مِنْ أَحْكَامٍ وَمِنْ هَيْئَاتٍ وَمِنْ كَيْفِيَّاتٍ. كَذَلِكَ مِمَّا يَلْحَقُ بِبَابِ الْوِتْرِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ، لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ الْجَامِعِ. وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ: لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَجْتَمِعَانِ أَنْ يُقَامَ وِتْرٌ ثُمَّ يُعَادَ بِوِتْرٍ آخَرَ، فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ الْغَلَطَ وَالْخَطَأَ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَرُبَّمَا يُصَلِّي الْتَرَاوِيحَ ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ النَّشَاطُ فَيُصَلِّي الْقِيَامَ فِي الْآخِرِ وَيُوتِرُ، فَهُنَاكَ وِتْرٌ وَهَذَا وِتْرٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ قِصَّةٌ تُبَيِّنُ مَعْنَى وَمَضْمُونَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، فَقَدْ جَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ أَوْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍ قَالَ: زَارَنَا أَبِي، قَالَ: زَارَنَا أَبِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: فَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَقَامَ بِنَا -أَيْ صَلَّى بِهِمْ الْقِيَامَ- قَالَ: أَمْسَى عِنْدَنَا وَأَقَامَ بِنَا وَأَوْتَرَ لَنَا -أَيْ أَبُوهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ صَلَّى بِابْنِهِ وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ- قَالَ: أَمْسَى عِنْدَنَا وَأَقَامَ بِنَا وَأَوْتَرَ لَنَا، قَالَ: ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ -أَيْ صَلَّى الْقِيَامَ مَعَ أَصْحَابِهِ- فَذَاتَ قِيَامٍ فِي أَوَّلِ لَيْلٍ، ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْقِيَامُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. قَالَ: فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْوَتْرَةَ، قَالَ لِرَجُلٍ: تَقَدَّمْ وَصَلِّ بِهِمْ، فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». فَهَذَا يُدَلِّكُ عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. فَلَمَّا قَامَ هَذَا الصَّحَابِيُّ وَصَلَّى بِمَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ وَأَوْتَرَ بِهِمْ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعِيدَ الْوِتْرَ فِي الْآخِرِ. فَالَّذِي يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالَ: فَمَنْ صَلَّى فَمَاذَا؟ فَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ مَا هُوَ الْحَلُّ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَا صَلَّيْتُ التَّرَاوِيحَ وَأَوْتَرْتُ مَعَ الْإِمَامِ، وَالْآنَ عِنْدِي هِمَّةٌ فِي أَنْ أُصَلِّيَ الْقِيَامَ. وَمَرَّةً مَعَنَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ: لَا بَأْسَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، فَإِنْ صَلَّى الْقِيَامَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، هُنَا إذَا بَلَغَ عِنْدَ الْوِتْرِ يَنْسَحِبُ، إذَا بَلَغَ عِنْدَ الْوِتْرِ يَنْسَحِبُ. وَهُنَا تَأْتِي مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَدْ يَقَعُ فِيهَا الْإِشْكَالُ، يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: بِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يَتَنَفَّلُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يُصَلِّي الْقِيَامَ بِلَا وِتْرٍ، إذَنْ جَعَلْنَا الْوِتْرَ فِي الْوَسَطِ. وَهَذَا خِلَافُ مَا أَمَرَ بِهِ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا، اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا». فَنَبِيُّنَا أَمَرَ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا الْعَبْدُ فِي لَيْلَتِهِ. فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ نَجْعَلْ الْوِتْرَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، بَلْ انْظُرْ: التَّرَاوِيحَ ثُمَّ وِتْرٌ، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي وَيُصَلِّي وَيُصَلِّي، صَلَّى أَضْعَافًا بَعْدَ الْوِتْرِ، إذَنْ لَمْ نَجْعَلْهَا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. فَكَيْفَ الْعَمَلُ هُنَا؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا». قَالُوا: هَذَا لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، لَيْسَ هَذَا وَاجِبًا، بَلْ هَذَا مُسْتَحَبٌّ لِلِاسْتِحْبَابِ. بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا لِلتَّخْيِيرِ، أَنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ. وَالدَّلِيلُ الصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ مَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ: أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ. ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ. فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَاصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَمِنْ خُصُوصِيَّتِهِ. لَا، هَذَا لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ، بَلْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي السِّلسِلَةِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْشَدَ أَصْحَابَهُ إلَى التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ. فَهَذَا يُدَلِّكُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا»، أَنَّهُ لَيْسَ الْوُجُوبُ، بَلْ هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَثَلًا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ وَجَدَ هِمَّةً أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَلَهُ ذَلِكَ. فَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ. وَتَأْتِي هُنَا كَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ، وَيَذْكُرُهَا وَيُسَمِّيهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِنَقْضِ الْوِتْرِ. هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ الْوِتْرَ؟ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: رَجُلٌ صَلَّى التَّرَاوِيحَ ثُمَّ صَلَّى الْوِتْرَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْقِيَامَ، وَهُنَا مَا أَحَبَّ مَا أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ وِتْرِهِ، قَالَ: سَأَنْقُضُ الْوِتْرَ. كَيْفَ نَقْضُ الْوِتْرِ؟ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، يُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَيَنْوِي أَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ تَشْفَعُ لِلَّتِي مَضَتْ مِنْ الْوِتْرِ، يَجْعَلُ هَذِهِ الرَّكْعَةَ تَابِعًا لِلْوِتْرِ الَّذِي مَضَى فَيُشَفِّعُ، ثُمَّ يَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ، ثُمَّ يُوتِرُ فِي الْآخِرِ. وَهَلْ هُنَاكَ وِتْرَانِ؟ لَا، لِأَنَّ الْوِتْرَ الَّذِي مَضَى قَدْ أُلْغِيَ. لِمَاذَا أُلْغِيَ؟ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ الَّتِي صَلَّاهَا مُنْفَرِدَةً، حَيْثُ أَنَّهُ نَوَاهَا أَنْ تَكُونَ لِلْوِتْرِ الْمَاضِي. هَذَا يُسَمَّى بِنَقْضِ الْوِتْرِ. هَلْ هَذَا يَجُوزُ؟ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. بَيْنَمَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِعَمَلِ السَّلَفِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. فَهَذَا حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَذُكِرَ فِي بَدْءِ الْحَدِيثِ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْقِيَامَ الْآخِرَ، إنْ عَزَلَ وَمَا صَلَّى بِهِمْ الْوِتْرَ، كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَنْقُضَ الْوِتْرَ لَوْ أَرَادَ، لَكِنْ مَا فَعَلَ ذَلِكَ. فَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ عَدَمُ فِعْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَالْمُسْلِمُتْ صَلَّى الْوِتْرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى وَالْأَجْدَرُ أَنْ الْوِتْرَ يُؤَخَّرُ إلَى آخِرِهِ. لَكِنْ إنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ التَّرَاوِيحِ مَثَلًا، فَصَلَاةُ الْوِتْرِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، فَلْيَقُمْ، يَقُومُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. لَكِنْ إذَا بَلَغَ مَعَ الْإِمَامِ إلَى الْوِتْرِ يَنْسَحِبُ، يَخْرُجُ. طَيِّبٌ، هَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ الْوِتْرَ؟ فَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ. نَعَمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ هَذَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُحَبِّذْ هَذَا، فَالْأَصْلُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّكَ تَكْتَفِي بِوِتْرٍ وَاحِدٍ. وَحُبِّذَ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، حَتَّى تُمَثِّلَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا». كَذَلِكَ مِمَّا يَلْحَقُ مِنْ مَسَائِلِ الْوِتْرِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَنْ تَأْتِيَ بِهَذَا الدُّعَاءِ. وَثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي السُّنَنِ: أَنَّ نَبِيَّنَا مِنْ هَدْيِهِ إذَا انْتَهَى مِنْ وِتْرِهِ كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ». كَانَ يَأْتِي بِهَا ثَلَاثًا، وَفِي الثَّالِثَةِ كَانَ يَمُدُّ بِهَا وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ. فَهَذِهِ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي كَانَ نَبِيُّنَا يَفْعَلُهَا، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. كَذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوِتْرِ: مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقُنُوتِ، بِقُنُوتِ الْوِتْرِ. وَقُنُوتُ الْوِتْرِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتْبَعُهَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ. وَحَسْبُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَفِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، نَذْكُرُ مَسْأَلَةَ الْقُنُوتِ، وَكَذَلِكَ التَّعْرِيجُ عَلَى الْأَخْطَاءِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا سَوَاءٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ الْأُمَّةِ فِي حَالِ دَعَائِهِمْ لِهَذَا الدُّعَاءِ. أَوَّلًا: مَا هُوَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ أَوْ مَا يُسَمَّى بِقُنُوتِ الْوِتْرِ؟ هَذَا الدُّعَاءُ هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تَعْلِيمِهِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ، فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَجَاءَ كَذَلِكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. يَقُولُ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، ذَكَرْتُهَا لَكُمْ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُنَا مُقْبِلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ: «الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ»، ذَكَرَ شَيْخُنَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ. وَجَاءَ ذِكْرٌ لَهَا طُرُقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا مَا يُسَمَّى بِالدُّعَاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْفُقَهَاءِ بِدَعَاءِ الْوِتْرِ أَوْ بِقُنُوتِ الْوِتْرِ. وَهُنَا تَأْتِي مَسَائِلُ، مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. هَلْ هُنَاكَ زِيَادَاتٌ؟ هَلْ هُنَاكَ أَلْفَاظٌ زَائِدَةٌ عَنْ مَا ذُكِرَ؟ نَعَمْ، هُنَاكَ زِيَادَاتٌ. ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى تَحْسِينِهَا، وَهِيَ كَمَا فِي قَوْلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ قَالَ: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَذَلِكَ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَحَسَّنُوهَا، وَمِنْهُمْ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ. فَهَذِهِ أَلْفَاظُ دُعَاءِ الْقُنُوتِ. طَيِّبٌ، كَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ: هَلْ هَذَا الدُّعَاءُ هُوَ صَحِيحٌ فِي الْوِتْرِ خَاصَّةً؟ أَمْ أَنَّهُ دُعَاءٌ لَيْسَ فِي الْوِتْرِ؟ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ عَامٌّ، لَيْسَ خَاصًّا بِالْوِتْرِ، وَلَيْسَ مَحَلُّهُ الْوِتْرَ فَقَطْ، بَلْ وَلَيْسَ مَحَلُّهُ الْوِتْرَ أَصْلًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْوِتْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ الْحَسَنُ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ. دُعَاءٌ عَامٌّ، دُعَاءٌ كَثِيرُ الْأَدْعِيَةِ، يَأْتِي بِهِ الْمُصَلِّي فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ، فِي سُجُودِهِ، فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، عِنْدَ رَفْعِ يَدِ الضَّرَاعَةِ لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا، يَدْعُو اللَّهَ بِهَذَا الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ هَذَا الدُّعَاءُ خَاصًّا بِالْوِتْرِ. بَقِيَ سُؤَالٌ: إذَنْ لِمَاذَا الْفُقَهَاءُ جَعَلُوهُ فِي الْوِتْرِ؟ جَعَلُوهُ فِي الْوِتْرِ لِوُجُودِ رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الطَّبَرَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ الزِّيَادَةُ: قَالَ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْوِتْرِ. يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْوِتْرِ. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ: هَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ أَمْ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ؟ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِتَضْعِيفِهَا، كَالدَّارَقُطْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ضَعَّفَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ؛ وَلِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى عُمَرَ بْنِ مَرْزُوقٍ الْبَاهِلِيِّ، رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عُمَرُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْبَاهِلِيُّ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَعُمَرُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ انْفَرَدَ عَنْ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. الْجَمَاعَةُ مِمَّنْ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَذْكُرُوا لَفْظَةَ: «فِي الْوِتْرِ». وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ دُعَاءً عَامًّا. فَحَمَلُوا الزِّيَادَةَ عَلَى شُذُوذِهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ شَاذَّةٌ مِنْهُ. فَعَلَهَا مِنْ أَعْلَمِ الْعُلَمَاءِ. بَيْنَمَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ: الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّلْخِيصِ، وَكَذَا الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَالِبِ كُتُبِهِ يَأْتِي بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَّمَ الْحَسَنَ هَذَا الدُّعَاءَ فِي الْوِتْرِ. وَعَلَى هَذَا مِنْهَجُ السَّلَفِ. فَالْكَثِيرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ فِي الْوِتْرِ. فَلَا حَرَجَ فِي إتْيَانِهِ فِي الْوِتْرِ. وَعَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فَهْمُ السَّلَفِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ: إذَا عَلِمْنَا وَعَلَى قَوْلِ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ، فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ. فَمَنْ قَالَ بِهِ يُقَبِّلُ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، لَا خِلَافَ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْوِتْرِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ وَبَعْضَ الْأَئِمَّةِ يُنَبِّهُونَ عَلَى أَنَّهُ مَعَ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ، إلَّا أَنَّهُ مَا يَنْبَغِي الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ، لَا يَنْبَغِي الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ. بَلْ يَعُدُّ هَذَا مِنْ الْأَخْطَاءِ مِنْ أَخْطَاءِ الْمُصَلِّينَ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ: الِاسْتِمْرَارُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ. لَمْ يَسْتَمِرَّ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ نَبِيِّنَا أَنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي ذَلِكَ. بَلْ مَسْأَلَةُ: هَلْ ثَبَتَ أَنَّ نَبِيَّنَا دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي صَلَاتِهِ؟ نَعَمْ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بْنِ كَعْبٍ وَحْدَهُ، فِي أَنَّهُ نَقَلَ أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ يَدْعُو فِي دُعَاءِ الْوِتْرِ أَوْ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ. لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ضَعَّفَهَا الْأَئِمَّةُ: كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبِي دَاوُدَ، قَالُوا: لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ نَبِيَّنَا هُوَ الَّذِي دَعَا، إنَّمَا أَمَرَ غَيْرَهُ، أَمَرَ الْحَسَنَ بِأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ. أَمَّا يُنْقَلُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ دَعَا بِهَذَا الْقُنُوتِ؟ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُ. فَعَلَى هَذَا قَالَ عُلَمَاءُ وَمَنْ تَتَبَّعَ إلَى أَحَادِيثِ الْوِتْرِ الْكَثِيرَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَمَعَ كَثْرَةِ مَنْ نَقَلَهَا، لَمْ يَجِدْ مِنْهُمْ النَّقْلَ الْوَاضِحَ لِدُعَاءِ الْوِتْرِ فِي كُلِّ هَيْئَةٍ. مَا نَقَلُوا ذَلِكَ. لَوْ نَقَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ مُسْتَمِرًّا فِي ذَلِكَ. لَكِنَّ عَدَمَ نَقْلِهِمْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ مِنْ هَدْيِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ. فَالْقُنُوتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ فِي الْوِتْرِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحْيَانًا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنْ مَنْ صَلَّى الْوِتْرَ يُحَاوِلُ تَارَةً يَجْعَلُ، وَتَارَةً يَكُفُّ، يَكُفُّ عَنْ الدُّعَاءِ، وَلَا يَجْعَلُهَا سُنَّةً مُسْتَمِرَّةً، يَأْتِي بِهَا كَيْفَ؟ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ نَازَعَ فِي وَقْتِ الْوِتْرِ، مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ فِي طُولِ السَّنَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ قُنُوتَ الْوِتْرِ مَا يَكُونُ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، فِي الشَّطْرِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ، يُدْعَى بِهِ الدُّعَاءُ فَقَطْ، وَمَا سِوَاهُ فَلَا يُدْعَى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَل