الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 14، الدرس الرابع عشر:من( باب ما جاء في النشرة ... باب ما جاء في التنجيم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
النُّشْرَةُ هي علاج للسحر، واختلف العلماء في حكمها بين كونها من عمل الشيطان أو جائزة للإصلاح. يُعد هذا الاختلاف نتيجة لتعدد آراء العلماء حول طبيعة النُّشْرَةِ ومدى توافقها مع الشريعة.
التطير هو التشاؤم بكل ما يُرى أو يُسمع أو يُعلم، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الفأل هو الكلمة الطيبة التي تسُر الإنسان. يُظهر هذا الفرق بين التشاؤم المذموم والتفاؤل المحمود.
التطير هو شرك بالله ويمكن إزالته بالتوكل عليه، والتنجيم ينقسم إلى قسمين: علم التأثير وهو كفر، وعلم التسير وهو جائز للاستدلال على الجهات والفصول. يُبيّن هذا الكلام حكم هذين الأمرين.
ينقسم التنجيم إلى قسمين: الأول يتعلق بادعاء علم الغيب وهو محرم، والثاني علم التسير وهو جائز لغرض شرعي. يُشترط في جواز علم التسير خلوه من ادعاء علم الغيب أو التأثير.
وَلِيًّا مُشِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ. وَهَذَا الْبَابُ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَبْوَابِ الَّتِي خَصَّصَهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى السِّحْرِ، وَعَلَى أَنْوَاعِهِ، وَعَلَى صُوَرِهِ. وَكَانَ قِرَاءَةً سَرِيعَةً مَعَ شَرْحٍ مُوجَزٍ حَوْلَ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَابِ السِّحْرِ، فَأَتْبَعَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هَذَا الْبَابَ بَعْدَ تِلْكَ الْأَبْوَابِ. فَبَقِيَ مَا مَعْنَى النُّشْرَةِ؟ قَالَ عُلَمَاءُ: النُّشْرَةُ هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْعِلَاجِ، وَالرُّقْيَةُ ضَرْبٌ مِنْ الْعِلَاجِ. وَالرُّقْيَةُ يُعَالَجُ بِهَا مَنْ يُظَنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنْ الْجِنِّ. وَعَرَّفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ النُّشْرَةَ بِأَنَّهَا: حَلُّ السِّحْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ، وَعَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ. هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ فِي كِتَابِهِ «أَحَادِيثِ مُعَلَّلَةٍ». وَفِيهِ أَنَّ النُّشْرَةَ الْمَعْهُودَةَ عِنْدَ الْجَاهِلِيِّينَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُفَكُّ بِهَا السِّحْرُ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الذَّهَابِ إِلَى السَّحَرَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيْبِ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ». وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُحَلُّ السِّحْرُ إِلَّا سَاحِرٌ». وَلَكِنْ يَنْبَغِي النَّظَرُ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: النُّشْرَةُ هِيَ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُنْشَرَ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالدُّعَوَاتِ الْمُبَاحَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ. قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ. وَالتَّطَيُّرُ بِمَعْنَاهُ الْعَامُ هُوَ: التَّشَاؤُمُ بِكُلِّ مَرْءٍ أَوْ مَسْمُوعٍ أَوْ مَعْلُومٍ. وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَرَكَةِ الطَّيْرِ، وَكَانَ هَذَا عَادَةً يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ طائِرَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، حِينَ تَطَيَّرُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ». وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَلَا نَوْءَ وَلَا غُولَ». وَالطِّيَرَةُ هِيَ: التَّشَاؤُمُ بِكُلِّ مَرْءٍ أَوْ مَسْمُوعٍ أَوْ مَعْلُومٍ. وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دِينِ اللهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ». قَالَ: «وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ». وَالْفَأْلُ هُوَ: كُلُّ مَا يُسَرُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ خَيْرٍ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا». وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ». وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ». قَالُوا: «فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ. وَالتَّنْجِيمُ هُوَ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَةِ. وَيَنْقَسِمُ التَّنْجِيمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عِلْمِ التَّأْثِيرِ، وَعِلْمِ التَّسْيِيرِ. فَعِلْمُ التَّأْثِيرِ هُوَ: الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ النُّجُومَ مُؤَثِّرَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَأَنَّهَا تَخْلُقُ الْحَوَادِثَ. وَهَذَا كُفْرٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَعِلْمُ التَّسْيِيرِ هُوَ: الِاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَعَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ. وَهَذَا جَائِزٌ. قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ اللهُ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةٍ لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا. فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَضَاعَ نَصِيبُهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ لِاعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنْجِيمَ مِنَ السِّحْرِ. وَالْعُلَمَاءُ الْمُعَاصِرُونَ يُحَرِّمُونَ النَّظَرَ فِي الْأَبْرَاجِ، وَيُحَذِّرُونَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالسِّحْرِ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ أَنَّ التَّنْجِيمَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا كَانَ مِنْ دَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَا كَانَ فِيهِ الِاعْتِقَادُ بِالتَّأْثِيرِ، فَهُوَ حَرَامٌ. وَمَا كَانَ مِنْ عِلْمِ التَّسْيِيرِ، فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.