الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المؤلف الرد على الأشاعرة، مبينًا أن القرآن كلام حقيقي لله سبحانه وتعالى وليس كلامًا نفسيا. يحشد المؤلف الأدلة على ذلك مثل أن القرآن متلو بالألسنة ومحفوظ في الصدور.
يشرح المقطع صفات القرآن مثل كونه كلام الله، متلوًا، مسموعًا، مكتوبًا، محفوظًا. يبين أن هذه الصفات ترجع إلى القرآن وأنه كلام الله بعينه وليس حكاية عنه.
يشرح المقطع دلالة القرآن على أنه كلام الله تعالى مستندًا إلى اللغة العربية وتحديات القرآن للكفار. يبين أن القرآن ليس كلامًا نفسيًا بل هو كلمات وحروف وآيات.
يشير المقطع إلى استكمال درس سابق حول إثبات أن القرآن كلام الله حروفه وألفاظه ومعانيه، ويعد باستمرارية الشرح في درس قادم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه حول القرآن وأنه من كلام الله سبحانه وتعالى. وقد أطنب المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأدلة الدالة على ذلك، وخاصة ما يتعلق بثبوت الحرفية، أي أن القرآن عبارة عن حروف وكلمات وأنه آيات وأجزاء وأبعاض. هذا منه ورحمه الله تعالى في سبيل رده على الأشاعر خاصة، ودون غيره من الفرق، ويدخل مع الأشاعر الماتوريدية والكلابية. وخص المؤلف رحمه الله تعالى الحديث عن هذه الفرق خاصة لأنها مما تبنت القول بأن كلام الله سبحانه وتعالى نفسي، وعلى ضوء معتقدهم يعتبر أن الله سبحانه وتعالى لم يصدر منه شيء. فما خرج منه شيء سبحانه وتعالى، هذا الذي أرادوه، أرادوا أن يبقى الكلام كلامًا نفسيا في الرب سبحانه وتعالى، ما خرج إلى الخارج، فليس هناك ألفاظ، فليس هناك حروف، وليس هناك أصوات. وهذا كله على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. ومن هنا تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر الأدلة الكثيرة الدالة على أن القرآن عبارة عن أحرف، عبارة عن حروف، عبارة عن كلمات، عبارة عن أصوات، حتى يرد على هذه الفرقة. والمؤلف رحمه الله تعالى انبرى لهؤلاء الأشاعر خاصة دون غيرهم، وإلا هناك قول آخر وهو قول من قال بأن القرآن مخلوق كالجهمية والمعتزلة. لكن لو تلاحظ يا عبد الله أن مسألة الأشاعر أخطر أخطر ممن قال بخلق القرآن، وتجد ذلك في ثمرته. تجد مثلًا في هذا الأزمان الذي يقول بخلق القرآن قلة من الفرق، ربما يتمركز عند الأباضية هم في هذا الأزمان، وكذلك عند الرافضة، تجد أن هذه تتبنى هذا المبدأ، مبدأ القول بخلق القرآن. لكن غيرهم من الفرق الكثيرة المتكاثرة أخذوا بقول الأشاعر بأن القرآن كلام نفسي، فمذهبهم خطير. بل كان لو نظرت في تاريخ الأمة قديمًا ممن تبنى الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن، هم الأشاعر أنفسهم، هم الذين قاموا وقامت بينهم معارك جدلية، معارك كلامية، ناقشوا وقامت حلبة الجدال والمناظرات بين الأشاعر وبين المعتزلة. وكان المعتزلة يردون ردًا عنيفًا على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، طبعًا كانت أدلتهم عقلية، لكن كانوا هم على هذه الشاكلة، كانوا يردون على من يقول بخلق القرآن، وأنهم يدافعون على مسألة كلام الله، إلا أنهم كانوا يقولون بأن كلام الله نفسي. الحاصل، أخواني في الله، فتجد أن المؤلف رحمه الله تعالى أطنب وحشد لنا في هذه الصفحات الأدلة الكثيرة، والتي قد نوعها هنا وهنالك في بيان على أن كلام الله سبحانه وتعالى هو كلام حقيقي له صوت، وهو عبارة عن حروف وكلمات. وهذا الذي أراده رحمه الله تعالى أن الأشاعر على معتقدهم لا يقولون بهذا، لا يقولون بأن القرآن عبارة عن ألفاظ، ولا عبارة عن كلمات، ولا عبارة عن حرف، لا يقولون بهذا. يقول الأشاعر بأن كلام الله بالشكل نعم هو كلام نفسي سبحانه وتعالى. ثم يأتي سائر ويقول: إذا كان القرآن هو كلام نفسي، إذا ما هذا الذي بين أيدينا؟ ما هذا الذي بين أيدينا؟ لقالوا لك: تأتي حينها تلكم العبارات من يقول الذي بين أيدينا هو حكاية عن كلام الله، أو من يعبر يقول عبارة عن كلام الله. هذا على خلاف بين الأشاعرة وبين الماتوريدية في التعبير، أو الكلابية بين قول من يقول بأنه حكاية، وبين قول من يقول أنه عبارة. ويرجع إلى ذلك إلى مسألة وهو الكلام النفسي، هل يتميز أو لا يتميز في نفسه؟ الحاصل هم لا يقولون بأن هذا هو قرآن، لا يقول هو عبارة حكاية عن كلام الله. كيف هذا؟ قالوا: أن الله سبحانه وتعالى تكلم بكلام نفسي، فهذا الكلام النفسي ألقاه الله في روع جبريل، فجبريل عبر عن ما في نفس الله، هكذا يقولون، عبر عن ما في نفس الله. إذن فهذا الكلام ليس كلام حقيقي لله، وإنه عبارة عن كلام الله، حكاية عن ما في نفس الله سبحانه وتعالى. هذا قول ضلالة وإفك واختراق، ما أنزل الله به من سلطان. فالأشاعر على أصل مذهبهم، فإن هذا الذي بين أيدينا ليس هو القرآن، بل هو عبارة وحكاية عن كلام الله. ما الذي جرهم إلى ذلك؟ هذه الدسيسة التي اعتنقوها واعتقدوها بأن الله لا يتكلم حقيقة، وإنما كلامه كلام نفسي سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات، من قرأهم فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر. وهذا قد مضى معنا في دروس سبقت. قوله له أول وآخر، أي مقصود به القرآن من حيث الترتيب، فله أول وله آخر، هذا الذي يعنيه. أما كلام الله سبحانه وتعالى ليس له منتهى، كلام الله سبحانه وتعالى ليس له منتهى. قال: لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئن بمثله مددًا. فكلام الله لا منتهى له، لكن هنا كلام مؤلف إنما يتعلق بالقرآن، القرآن له أول وآخر. قال: وأجزاء وأبعاد، الأجزاء جمع جزء، والجزء هو القطعة من الشيء. قال: وأجزاء وأبعاد، معنى أبعاد بمعنى الجزء، بمعنى القطعة، وهذا من باب الترادف، المعنى وهذا كذلك فيه دلالة على أن هذا هو كلام الله سبحانه وتعالى، هذه التجزئة وهذا التقطيع ما يتأتي لكل أحد أن يفعل ذلك بكلام الله لا، إنما هذا من ربنا سبحانه وتعالى. قال: متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف. وهذا كله كلام الله سبحانه وتعالى، كلام الله كيفما تصرف يبقى هو كلام الله سبحانه وتعالى، سواء كان متلو بالألسن، المتلو من التلاوة، التلاوة بمعنى القراءة، تل الكتاب بمعنى قرأ الكتاب. فهذا المتلو إذا قرأ القارئ وقرأ شيء من كتاب الله، هذا المتلو هو كلام الله، وهذا الذي تسمعه من القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي جمعه وهم مجموع، هذا كذلك كلام الله سبحانه وتعالى. وعلى ذلك جاءت الأدلة. ففي قوله قول مؤلف رحمه الله تعالى: قال: وهو المتلو بالألسنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾، إذا قرأت القرآن، فإن الذي تتلوه هو القرآن. وفي قول مؤلف رحمه الله تعالى: محفوظ في الصدور، وكذلك كلام الله، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أَبْتَلَوْا﴾. وقوله سبحانه وتعالى: مسموع بالآذان، وكذلك هو القرآن، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، ما المقصود بكلام الله هنا؟ هو القرآن، إذا هو يسمع، فهو مسموع. وقول رحمه الله تعالى: مكتوب في المصاحف، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. فدل ذلك على أن هذه الأوصاف كلها ترجع إلى القرآن. فالقرآن مهما تصرف، فإن كان متلوًا فهو كلام الله، وإن كان مسموعًا فهو كلام الله، وإن كان محفوظًا فهو كلام الله. وهكذا إذا كنت تنظر إليه، فهذا المنظر كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام الله صفة من صفاته. إذن هذا القرآن مهما تصرف فيبقى هو كلام الله سبحانه وتعالى. لكن فرق يا عبد الله بين ما هو كلام الله، وبين ما هو فعل العبد. فالمتلو هو كلام الله، لكن التلاوة هذا من فعل العبد، المحفوظ هو كلام الله، لكن الحفظ هذا من فعل العبد، المسموع هو كلام الله، لكن السمع هو فعل العبد. ففرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء، والحفظ والمحفوظ، وهكذا. قس الأمور الخمسة التي دل العلماء على أنها هي التي تفعل مع كتاب الله سبحانه وتعالى. فإذا هذه الأشياء سواء كانت تلاوة المتلو، أو المحفوظ، أو المقروء، أو المجموع، هو كله يبقى كلام الله سبحانه وتعالى. فليس هو عبارة، وليس هو حكاية عن كلام الله، بنص القرآن كما ذكرنا الأدلة الدالة على هذه المفردات التي سردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى. قال: فيه محكم ومتشابه، محكم ما اتضحت دلالته، ومتشابه ما لم تتضح دلالته. وأفرد ذلك معنا، وسيأتينا كذلك في رسالة علوم القرآن، في رسالة وصول في التفسير حول المحكم والمتشابه والمعاني التي تقتضيها، والحكمة من وجود المحكم والمتشابه. لكن هذا من كلام الله سبحانه وتعالى في كتابه، أن الله سبحانه وتعالى جعل من الآيات ما هي آيات محكمات، ومنها متشابهات. قال: وناسخ ومنسوخ، قال: وخاص وعام، كذلك هذه ما يوجد في كلام الله سبحانه وتعالى، الناسخ والمنسوخ، ورفع حكم شرعي متأخر بحكم شرعي آخر. والأخص وعام، كذلك من دلالات الألفاظ، أدى الخاص، وما كان له دلالة على أمر محصور، الخاص ما كان له دلالته على أمر محصور. وأما العام ما كان لفظه شامل، أي يعم بلا حصر، يعم بلا حصر. قال: وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. هذا في حق من؟ هذا في حق كلام من؟ رب سبحانه وتعالى، ليس هو حكاية، ليس هو حكاية لكلامه سبحانه وتعالى، بل هو هذا هو كلام الله بعينه سبحانه وتعالى. وصفه ربنا جل وعلا بهذا الوصف، أنه لا يأتيه الباطل، لما؟ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿إِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، ظهيرا بمعنى معينًا. قال: وهو هذا الكتاب العربي، إذن هذا الوصف ربنا سبحانه وتعالى، إذن تحدى المخلوقات من الكائنات من إنس وجن، إما على حدة أو حتى اجتمع بعضهم على بعض فيما لا تحداهم الرب سبحانه وتعالى على أن يأتوا بمثل كلامه. طيب نبقى الآن في هذا التحدي الذي أوقعه الرب مع هذه الكائنات، هل ربنا سيتحداهم في شيء هم لا يعرفونه؟ لأنه لو كان كلام الله نفسي، إذن كيف سيتحدون الله أو يتحداهم الله في شيء هم لا يعرفونه أصلا؟ واضح للدلالة هذا. أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن الله أقام التحدي مع سائر الكائنات أن يتحدون أن يتحداهم في أن يأتوا بمثل كلامه سبحانه وتعالى. بقي أين الكلام ليتحدونه؟ على قول الأشاعر: إن كان كلام الله نفسي، فأين هم من نفس الله حتى يأتوا بمثل كلام الله؟ إذن دل على أن المشار إليه القرآن الذي بين أيديهم، هذا هو كلامه سبحانه وتعالى الذي ما لتحدى الرب أن يأتوا بمثله جل في علاه. وما استطاعوا على ذلك، فهذه من الدلالات الواضحة الجلية على أن القرآن هو الذي بين أيدينا، لا كما يدعيه المبتدع. قال: وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، إشارة إلى هذا القرآن الذي بين أيدينا. فإذا الكفار فطنوا وعلموا أن هذا القرآن الذي بين أيدي أهل الإيمان، وهو نفسه كلام الله سبحانه وتعالى الذي كفروا به. قال: وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، إن هذا، إن هنا نافية بمعنى ما هذا إلا قول البشر. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَأَصْلِيهِ سَقَرَ﴾، سأصليه سقر، سأصليه بمعنى سأغمره في جهنم بأن تكون جهنم تحفه من كل الجهات وينغرق فيها. وهذا في حق من قال بأن هذا القرآن هو قول البشر. وهذا الأسف قد يتدرج، إنه بعض المبتدعة، لأن بعض الأهل ممن تأثر بعلم الكلام إذا أراد أن يأتي بالفلسفة حول كلام الله جل وعلا. إذا أثبت أن كلام الله نفسي، فقيل: وما هذا الذي بين أيدينا؟ لربما قال لك بعضهم: أن القرآن أوحاه ربنا إلى جبريل، وبعضهم يقول: بأننا ألقاه في روع محمد، ثم ماذا؟ ثم تكلم به نبينا، إذن هذا قول بشر، إذن هذا القول هو بالصراحة ونفس قول الكفار المشركين المعاندين الذي كان مآلهم أنهم قالوا بأن القرآن هو من تأليف محمد. وهذا القول على قول من يقول: المبتدعة بأن الله أوحى وقذف بالقرآن على روع محمد عليه الصلاة والسلام، ثم عبر عنه، إذن يبقى في نهاية الأمر يتشابه مع قول الكفار أن الكل مصدره بشري. وهذا هو عين الضلالة، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من سرد لهذه الآية في بيان أن كلام المبتدعة يشابه ما عليه كلام الكفر. وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، وهذا دفاع في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. وما علمناه الشعر وما ينبغي له، فما كان يحسنه ولا كانوا يحبونه عليه الصلاة والسلام. وقال: إنه إلا ذكر وقرآن المبين، فهو ذكر وقرآن أنزله ربنا سبحانه وتعالى على عبده. قال: فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا لم يبق شبه لذي لب، بمعنى لصاحب عقل، لذي لب أي لصاحب عقل. فأن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات. وكما قلنا: المؤلف رحمه الله تعالى إنما عد هذا الفصل في رده على الأشعرة ممن يصرح بأن القرآن ليس حروفًا ولا كلمات، لأنهم يرون أنه كلام الله هو نفسي، وربنا ما تلفظ به. وقد مر ذلك معنا في أوائل الدروس المتعلقة بإثبات صفة الكلام لله عز وجل. أن التحقيق من أهل العربية وحقق المحققين من العلماء على أن الكلام لابد له من لفظ ومعنى، لابد الكلام ما يسمى كلامًا الذي اجتمع على أمرين اثنين، على ركنين أساسيين، على لفظ فيكون ملفوظًا، وعلى معنى يدل ماذا على فحواه؟ هذا وهذا. أما أن تظن أن الكلام يكون عبارة عن نطق بلا معنى، فهذا لا يعد كلامًا، أو أنه يكون معنى بلا لفظ، فهذا لا يعد كلامًا. وهذا هو التحقيق في هذه المسألة. والأشاعر ظنوا أن الكلام يمكن أن يسمى كلامًا بالمعنى دون اللفظ، وهذا باطل في الشرع، وكذلك بلسان أهل اللغة. قال رحمه الله تعالى: لأن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات. لأن ما ليس كذلك لا يقول عنه أحد إنه شعر. يعني كذلك يقول مؤلف: أنظر لفهم الكفار، الكفار ماذا أطلقوا على الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم وهو القرآن؟ أطلقوا ما جاءوا به من تكم الضلالات والترهات. أنهم قالوا عن كتاب الله عز وجل بأنه شعر، والعربي عربي، فالعربي لا يطلق على شيء بأنه شعر إلا إذا كان عبارة عن كلمات وعبارة عن حروف، هذا معروف. فإنه لا يأتي إلى كلام غير معروف يسميه شعر. لهذا ليس في لغة العرب أصلًا. ولهذا رأى العربي ولو كان على كفره أن هذا الذي جاء به محمد عبارة عن كلمات عبارة عن حروف، ناسب هذا أن يسمى شعرًا، فأطلقوا عليه شعرًا لدلالة منهم على أن هذا عبارة عن كلمات وحروف. وهذا أراد به وصف كلام الله سبحانه وتعالى. فلو أن كلام الله نفسي لما قال الكفار في الذي أتى به نبينا شعرًا. وهذا كذلك واضح الدلالة. فقال: لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر. وقال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، في ريب بمعنى في شك. على عبدنا، فأتوا بصورة من مثله، وادعوا شهداءكم بمعنى أعوانكم من دون الله. قال: ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو، ولا يعقل. كما قلنا: تحداهم ربنا، وانظروا لهذه السورة وهي من سورة البقرة، سورة مدنية، سورة مدنية. فربنا كاية تحداهم في عهد المكي، وتجد أن الآيات الكثيرة قد جاءت أن الله تحدى العرب هم أهل فصاحة بأن يأتوا بمثل هذا القرآن في الزمن المكي. ولما جاء العهد المدني لا زال التحدي قائمًا، أعجزهم ربنا سبحانه وتعالى بهذا التحدي. إذن ربنا تحداهم على ماذا؟ على ما في نفسه؟ لا، إنما تحداهم بهذا القرآن الذي ذكره ربنا سبحانه وتعالى أنه كلامه جل في علاه. وربنا سبحانه وتعالى تحدى العرب بأنواع التحدي، فتارة طلب منهم أن يأتوا بصورة من مثله، وطلب كذلك منهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، وطلب منهم أن يأتوا كذلك بصورة من مثله. وثم طلب منهم أن يأتوا بآية، فما استطاعوا لذلك سبيلًا، كل ذلك دلالة على أن هذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله. فشتان شتان يا عبد الله بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق، فكلام الله صفة من صفات الله عز وجل التي لا أحد من البشر يدانيها ولا يقدر عليها. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو، ولا يعقل. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾. كذلك هذه الآية واضحة تدل على أن الكفار عندما طلبوا من نبينا عليه الصلاة والسلام أن يستبدل هذا القرآن بكتاب آخر أو أن يغير فيه، أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن هذا ليس له، هذا ليس له عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن الذي أتى به وحي من عند ربه سبحانه وتعالى. ما يكون أن أغيره أن أبدله من تلقاء نفسي، فإذا هذا ليس من صنيع نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا تعبير منه، لو كان أمر ما أعبر عن تعبير أو حكاية لغير لفظ عن لفظ. لكن ما استطاع لذلك ولن يستطيع ولن يفعل صلوات ربي وسلام عليه، لأن ذلك من وحي الله الذي أمر نبينا بل وأمرنا على أن يبلغه. يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، فهذا قد جاء إنزاله من الله سبحانه وتعالى، فهذا حقيقي كلام الله سبحانه وتعالى. قال: فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: بعد أن أقسم على ذلك كما في قول تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. فهذا إخواني في الله أوصف وصف به ربنا سبحانه وتعالى كتابه، وإدلال على أن الله عز وجل قد تلفظ بهذا القرآن حقيقة، وأنه عبارة عن حروف وعبارة عن كلمات، ليس عبارة عن حكاية، وليس عبارة عن عبارة كما يدعي. قال: بعد أن أقسم على ذلك. وقال تعالى: ﴿كهيعص ذِكْرُ الرَّحْمَنِ﴾، وحاميم، وعينسين قاف، وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة. وهذا كذلك يدلك، لأن هذه الأحرف يعني ما الذي مراد منها؟ ما المراد منها؟ إذن المراد منها أمر أراده الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا قريبًا في كتاب التفسير أن هذه الأحرف المقطعة تم اختلاف العلماء فيها، والصحيح الذي عليه جماعة من المحققين أن هذه الأحرف المقطعة يقال في حقها ليس لها معنى، لكن لها مغزى، ليس لها معنى لأنها أحرف مقطعة. فليس لها معنى مطلقًا، نقول: نعم هي كأحرف ليس لها معنى، لكن لها مغزى. والمغزى قد مر ذلك معنى أن المغزى من هذه الأحرف أن الله سبحانه وتعالى تحدى العرب وهم أهل فصاحة، تحداهم أن يؤلفوا أو يأتوا مثل هذا القرآن، ما عنده قد ألف من هذه الأحرف. إذن يقول العلماء: إذن المغزى من هذه الأحرف هو التحدي، إذن من الذي تحداه هو الله سبحانه وتعالى، إذن دل على أن هذه الأحرف هي مرادة أرادها الله سبحانه وتعالى في هذا المحل وفي هذا الموقع. وما هناك أحد تصرف بكلام الله، لا جبريل ولا محمد عليه الصلاة والسلام. وسأتي إن شاء الله تتمة لهذا الدرس حول ما يتعلق بإثبات المؤلف رحمه الله تعالى بأن القرآن وكلام الله حروفه وألفاظه ومعانيه. إلى هنا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.