الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ويجب التفريق بين إضافة الشر إلى الله من حيث الخلق والصفة. الإنسان لديه حرية الاختيار ولا يجوز التذرع بالقضاء والقدر لفعل الذنوب والمعاصي.
الاحتجاج بالقدر في المصائب جائز، بينما في المعاصي غير جائز إلا إذا تاب الإنسان منها. يجب الامتثال لأوامر الله واجتناب النواهي.
يناقش مفهوم التكليف في العبادات الشرعية ومعنى الكسب واختلاف الفرق حوله. بعض العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية انتقدوا استخدام مصطلح التكليف.
يجب التسليم بقضاء الله واتباع الشريعة في مسائل إيمانية معقدة مثل القدرية والجبرية والإرادة الإلهية. هذه المسائل شائكة ولا يمكن فهمها بالكامل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الإيمان» رحمه الله تعالى: وروى ابن عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره»، فقال جبريل: صدقت. رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي: يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت». هذه أحاديث أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الفقرة أو لهذه المسألة، وما يتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر. ونبهنا على أن الحديث الذي فيه «آمنت بالقدر خيره وشره» ضعيف لم يثبت، لكن الأحاديث التي أوردها المؤلف تغني عنها. وفي ذلك بيان على أن من الإيمان بالله الإيمان بالقدر، وكذلك أن القدر منه ما هو خير ومنه ما هو شر، على التفصيل الذي ذكرناه، وهو أن القدر إن كان من باب التقدير الذي قدره الله فكلّه خير، ولكن من باب المقضي والمقدور ففيه خير وفيه شر. مع التنبيه أن معنى الخير هو ما يتلاءم مع طبيعة الإنسان، ومعنى الشر هو الذي لا يتلاءم مع طبيعة الإنسان. ومثلنا على ذلك بأمثلة، فرب شيء أنت بنظر العبد تَراه شرًا، كالأمراض والآفات والعاهات والأسقام والمصائب والنوازل، هذه يراها الإنسان شرًا بحيث أنه لا يمكن أن يتلاءم معها، لكنها بتقدير الله خير، بتقدير الله عز وجل خير. عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، فكل شيء في تقدير الله فيه حكمة ومصلحة للعبد. والشر، إخواني في الله، هل يضاف إلى الله؟ الشر يضاف إلى الله من باب الخلق، من باب الخلق نعم، قل: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق. ولكن لا يضاف الشر إلى الله من باب الصفة، كما قال نبينا: «والشر ليس إليك». فبهذا الاعتبار نفرق، فالشر يضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة خلق، وهو سبحانه خالق الخير وخالق الشر، قل: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، أي شر الذي خلق. وكذلك أما إضافة الشر كصفة، لا لقوله عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». قال رحمه الله تعالى: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه. وهذه مسألة مهمة نبّه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من الشبه التي يدلي بها بعض الناس، وهو أنه يتكأ على القدر بفعل الذنوب والمعاصي. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه. يجد أن بعض الناس لربما يتكأ بعلم الله السابق فيقول: بأن الله قدر علي أن أفعل كذا وكذا من الفواحش ومن الرذائل ومن المنكرات أو من ترك الاستقامة. تسمع بعض الناس تقول: يا أخي، الله الله في الصلاة، الله الله في الالتزام، والله ما كتب عليه الهداية الآن، فيتكأ بترك الدين وترك الالتزام بأن الله ما قدر له ذلك، فيتكأ على القدر. وهذا باطل، هذا باطل، لا يجوز يا عبد الله أن تتكأ أو تتكل أو تعتمد أو تتذرع بالقضاء والقدر في باب الذنوب وفي باب المعاصي. أولًا لأن هذا أمر لا أحد يدري به، هل أنت متأكد أن الله قدر لك هذا الذنب أو هذه المعصية؟ تجد أن بعض الناس لربما يشرب الخمر، فتقول: لم شربت الخمر؟ يقول: الله قدر علي ذلك. الله قدر علي ذلك. فتقول: سبحان الله، وهل علمت هذا؟ هل عندك بينة وبرهان أنك طلعت على ما في اللوح المحفوظ، وأن الله قد كتب ذلك عليك حقًا وصدقًا؟ أم أنه محض افتراء؟ محض افتراء. هذا تقول على الله، تقول على الله، عندما تقول: بأن الله قدر علي أن أفعل كذا، فهذا من البهتان. وهذا محض افتراء، محض افتراء، ولا يجوز. وكذلك الأمر الثاني: أن الله عز وجل أعطى للإنسان حرية الاختيار، فللعبد مشيئة، فللعبد مشيئة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. فربنا أثبت للعبد مشيئة، فربنا في هذه الدنيا لم يجعل العبد في عماية، بل دلّه على طريق الخير، وبين له طريق الشر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:18]، النجد هو المكان المرتفع، وهذه كناية عن باب الخير وباب الشر، فهذه طرق واضحة كالنجود التي مرتفعة يراها كل أحد، فباب الخير واضح الدلالة، وباب الشر واضح الدلالة، فهذا له طريق، وهذا له طريق، وأنت باختيارك، أنت باختيارك تريد أن تذهب إلى المساجد، تريد أن تذهب إلى الاستقامة، تريد أن تذهب إلى ذكر الله عز وجل وأداء الفرائض والواجبات، أو أنت كذلك بمحض اختيارك تذهب إلى الهاوية، إلى فعل النار وأهل النار من الذنوب والمعاصي والموبقات والفواحش، كل ذلك بإرادتك، لا أحد يجبر على فعل أمر ما. والإنسان يستشعر ذلك، الإنسان يستشعر، ها هي الصلاة قد أقيمت، فكل واحد منا باختياره من أحب أن يأتي إلى بيت الله يأتي، ومن أراد أن يعرض يعرض، إذن هل هناك جبر؟ هل هناك ضغط عليك؟ لا، يعبد الله وإنما هذا باختيارك، وبهذا، إخواني، نعلم أن القضاء والقدر لا يجوز أن يحتج به في باب الذنوب، ولا يجوز أن يحتج به في باب المعاصي. وهنا تأتي مسألة، ونشر إليها إشارة، وهي من الأدلة التي يستدل بها بعض المبتدعة على جواز أن تستدل بالقضاء والقدر على فعل الذنوب، ما ثبت في الصحيح في محاجة آدم مع موسى عليهما السلام. أصلها في الصحيح، وجاءت روايات عديدة فيها: أن آدم عليه السلام التقى بموسى، فقام موسى عليه السلام ولام آدم على ما كان من أمره، فقال: أنت أبو البشر، أو أنت أبونا، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، ففيما أخرجتنا من الجنة؟ وفي رواية: خيبتنا وخيبت ذريتنا، أخرجتنا من الجنة. فأجاب آدم عليه السلام بقوله: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه وبتوراته، كيف تلومني على أمر قد قضاه الله علي قبل أن يخلقني؟ أتلومني على أمر قد قدره أو قضاه الله علي قبل أن يخلقني؟ وفي رواية: قبل أن يخلقني بأربعين سنة. ثم ماذا قال نبينا؟ علق نبينا على هذا الحوار، قال: «فحج آدم موسى» ثلاث مرات، وفي رواية: مرتين. وهذه العبارة الصحيحة. إن تأملت فيها: «فحج آدم موسى»، من الفاعل؟ آدم، أي من الذي قام بالمحاجة؟ من الذي غلب؟ آدم غلب موسى، أي آدم هو الذي سكت موسى عليه السلام، أي هو الذي انتصر في هذا الحوار، ليس على الرواية التي يأتي بها بعض المبتدعة ويحرفون، ويقولون: «فحج آدم موسى»، يجعلون الفاعل موسى، أي أن موسى هو الذي انتصر، هو الذي انتصر على آدم، لا، هذه رواية محرفة مصحفة، والمقام لا يستسيغ ذلك، ويدل على صحة الرواية الصحيحة ما جاء في رواية: «فحجّه آدم»، وهذه واضحة الدلالة على أن آدم هو الذي غلب في هذا الحوار. إذا ما الذي وقع في هذا الحوار؟ أن موسى عليه السلام لام آدم عليه السلام على المصيبة، لام آدم عليه السلام على المصيبة، هنا احتج آدم عليه بالقدر، فهل عندنا فرق بين هذا وبين هذا؟ نعم، فيه فرق، وهي قاعدة عند العلماء: أن القدر يمكن أن تحتج به في المصائب، ولا تحتج به في المعايب. فرق بين الأمرين، القدر يمكن أن تحتج به في باب المصائب، ولا يجوز أن تحتج به في باب المعايب. في باب المصائب لك أن تحتج بقضاء الله وقدره، أُصبت بألم، بمصيبة في رأسك، بمصيبة في نفسك، في مالك، ما الذي وقع؟ تقول: قدر الله، ما شاء فعل، مصيبة، أكلها إلى الله، قل: قدر الله، ما شاء فعل. لكن تأتي عند معصية، لما شربت الخمر؟ تقول: قدر الله علي ذلك؟ لا، ما يجوز أنك تحتج بالمعايب، بمعنى المصائب، بمعنى الذنوب والمعاصي، لا يجوز أن تأتي إلى المعايب فتحتج بقدر الله، هذا لا يجوز، لكن لك أن تحتج بقدر الله عند المصائب، مصيبة حلت عليك، لك أن تحتج بها بقضاء الله وقدره. وهذه القصة التي كانت بين موسى وآدم، إنما موسى لام آدم، هل على المعصية أم على المصيبة؟ لامه على المصيبة، ولهذا قال: «خيبتنا وأخرجتنا من الجنة»، الإخراج من الجنة مصيبة، مصيبة، وهذا صحيح، مصيبة حلت على الناس، فما كان ردّ آدم؟ أراد أن يدافع عن نفسه، فاحتج بالقدر في باب المصائب، قال: «أتلومني على أمر قدره علي الله قبل أن يخلقني؟» وفي رواية: «قبل أن يخلقني بأربعين سنة»، فاستفاد العلماء: إذا حوار آدم مع موسى إنما يكون في باب المصائب، واحتج آدم بمصيبته على قدر الله وقدره. ونبينا قال: «وحج آدم موسى»، وفيها لك يا عبد الله، لك إذا ابتليت بمصيبة، فسئلت عنها، لك أن تحتج بالقدر، ما الذي وقع؟ إيش هذا المرض فيك وفي أهلك؟ قل: قدر الله، الحمد لله. ما هذا الذي حريق؟ ما هذا السيارة انكسرت وضربت بضرب مبرح؟ أو أجأتك مدلهمة في مالك وفي نفسك؟ ما الذي وقع؟ ما الذي سبب؟ ما الذي أدى لذلك؟ قل: قدر الله، وما شاء فعل. لك في باب المصائب أن تحتج بالقضاء والقدر، لكن في باب الذنوب والمعاصي، فلا يجوز أن تحتج على ذلك. وهذا الذي يرجحه كثير من علماء، وهناك مسألة أخرى، وهو مخرج آخر، يقول لك: لك أحيانًا أن تحتج بالقضاء والقدر في المعاصي التي تبت منها، هذا قيد مهم، هذا قيد مهم. إذا كان هناك معصية تبت منها، لك أن تحتج بالقضاء والقدر، مثل كنت رجلًا على طريقة منحرفة، من تركك للصلاة مثلًا، تارك للصلاة، آكل للحرام، ثم تبت ولله الحمد، فسئلت: يقول: يا أخي، إيش اللي صار في حياتك؟ يا أخي، أخي في شبابك كنت منحرفًا ضائعًا، ليش أخي هذا؟ خاص أمر قدره الله، عري هذا، لا بأس. وهذا التخريج بعض علماء، ابن القيم، يرى جواز ذلك، أن يمكن الإنسان إذا تاب من المعصية، لماذا؟ لأن بهذه الحالة التوبة من المعصية تكون المعصية بالنسبة لك مصيبة قد حلت بك، فحين لا بأس أنك تدخل بالقضاء والقدر، هذا قول. والأول أظهر: أن المصائب يمكن أن يستدل بها بالقضاء والقدر، بخلاف المعايب. قال مؤلف رحمه الله تعالى: بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]، إذن فربنا جل وعلا ما ترك لأحد حجة بعد الرسل، فلو كان باحتجاجنا بالقدر حجة، إذن ما هي فائدة من بعثة الرسل والأنبياء؟ تخيّل جاء نبي: «يا أيها الناس، اعبدوا الله»، لا، رفع الكفار تلكم الراية، «يا نبي الله، إنا ما وقعنا بالشرك إلا بقدر الله». و«يا أيها الناس، اتقوا الله»، «يا أيها النبي، ما وقعنا في هذا الفساد إلا بقدر الله»، إذن كل سيلوح بماذا؟ براية القدر، إذن إيش الفائدة من بعثة الرسل؟ إن كان الاستدلال بالقدر ذريعة لكم، ولهذا ليست لهم ذريعة، فلا أحد يحتج بالقدر بعد بعثة الرسل، وإنما أنت يا عبد الله عليك أن تأتي بالأوامر، وأن تشتنب بالنواهي، أن تقوم بما أمر الله جل وعلا به. ونبينا صلواته ربي والسلام عليه عندما قال أصحابه: «ما منكم من أحد إلا وله مقعده في الجنة، وعلم مقعده من النار»، «ما من أحد إلا وأمره قد علم»، كما جاء في حديث مسعود: «يأتي الملك إلى الجنين الأجنة في بطون أمهاتها، ويكتب: أشقي أم سعيد، الشقاوة والسعادة والمساكن في الأخرى قد كتبت وقررت». فأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن ما من أحد إلا وقد علم مقعده من النار ومقعده من الجنة»، فقال الصحابة: «يا رسول الله، ففيما العمل إذا؟ لماذا نعمل إذا؟ كل قد علم محله في الجنة والنار؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فأمر نبي بالعمل، نعمل بالشريعة التي بين أيدينا، وذلك بأن نذهب إلى أماكن العبادة والتعبد، والتعبد الله بما أمر نبيه، ربنا سبحانه وتعالى، وبالمقابل نشتنب النواهي، وما حرمه ربنا جل وعلا علينا من المحرمات والمحرمات. قال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، كذلك ربنا سبحانه وتعالى ما كلفنا فوق طاقتنا، وإنما أمرنا بما نستطيع عليه، فقال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على المعصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]، إذن هذه الآيات تدل على أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف العباد بما يستطيعون. لو كان على قول من يقول: بأن الله هو الذي أمرنا بفعل هذه الأشياء، إذن لكان ذلك الأمر أمر العبد بفعل شيء لا يستطيع عليه، لو ربه قد نفى ذلك، وأخبر سبحانه وتعالى: بأنه لا يكلف العباد إلا بما يستطيعون، وبما يقدرون عليه، فترك الأمر يرجع إليهم. وهنا مسألة، إخواني في الله، هي مسألة من هذا المقام، في قول مؤلف: «ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك»، نعلم أن العبادات والشرائع إنما أنزلها ربنا جل وعلا على ما يقدر عليه العباد. وهنا تأتي مسألة: وهي لفظة يستخدمها بعض الفقهاء، وهكذا الأكثر عند الأصوليين، مسألة التكليف، مسألة التكليف، إذ أنه يعبرون عن العبادات الشرعية بأنها تكليف، من درسها في الأصول مثلًا، وأخذ في أوائل الأبواب، الفصول، ما يتعلق بالأحكام، تعريف الأحكام، وأقسام الأحكام، يجد أن الأحكام تنقسم إلى قسمين: إلى أحكام تكليفية، وإلى أحكام وضعية، ويدخل في الأحكام التكليفية: الواجب والمستحب والمأمور به والمنهي عنه. فهنا تأتي مسألة هذا التعبير، الصحيح أن يعبر عن العبادات بأنها تكليف، من أين جاء لفظ التكليف؟ لفظ التكليف جاء: بأن فيه كلفة، بأن فيه كلفة، وفيه مشقة. وهذا المصطلح يتوافق مع جماعة من أهل البدع، وهم الأشاعرة، الأشاعرة ممن ينفون الحكمة في أفعال الله عز وجل، فعندهم: أن الله يفعل ما شاء، وكيف شاء، بحكمة ولغير حكمة، عندهم يمكن ويجوز في حق الله: أن الله يدخل الأبرار النار بغير سبب، يمكن، ويمكن في حق الله: أن يدخل الكفار إلى الجنة، يمكن، هذا، ربنا ليس عما يفعل مسؤلًا، يقولون هكذا، لأنهم ينفون الحكمة، ويقولون: بأن الله له ماذا؟ أن ينزل العبادات على العباد، لما ينزلها؟ كلفة، يكلفهم بها، ليس عندهم حكمة، ليس عندهم حكمة. ومن هنا ذهب جماعة من العلماء إلى انتقاد لفظ التكليف، إلى انتقاد لفظ التكليف إذا أطلق على العبادات الشرعية، وممن يذكر عنه ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذ قال: لم يجيء في الكتاب والسنة، وفي كلام السلف، إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف، أي لم يجيء هذا، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام السلف، على أن الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة. وإنما جاء ذكر التكليف في مواضع نفي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، هكذا قال رحمه الله تعالى. فيرى شيخ الإسلام: أن هذه الطاعات والعبادات، من الأوامر، من الواجبات والمندوبات، ومن المستحبات والمحرمات، أمور شرعية، ما ينبغي أن نسميها التكليف، لأن معنى التكليف: أن فيها كلفة، وهل ربنا سبحانه وتعالى كلف الناس؟ لا، بربنا نفى الكلفة عنهم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]. وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى، على هذا الغرار، يرى ابن القيم رحمه الله تعالى: عدم استخدام هذا التكليف، ولهذا ابن القيم عندما قسم الأحكام إلى أحكام تكليفية وضعية، ما سماها أحكام تكليفية، وإنما سماها أحكام تعبدية، سماها أحكام تعبدية، كأنه أراد أن يفر من لفظ التكليف، فهذه مسألة. لكن أحيانًا، إخواني، في المباحث، يجد أن بعض الفقهاء يقولون: وهذا واجب على المكلف، لكن هنا المكلف، تحمل على اصطلاح آخر، وهو أن المراد بالمكلف: كل مسلم بالغ عاقل، كل مسلم بالغ عاقل، فهنا لا بأس إذا كانت هذه الكلمة يراد من هذا المعنى، وهذا الذي عليه الآن العلماء، يقول: وهذا واجب على المكلفين، من المكلف هنا؟ هل المكلف من الكلف أن كلف ما لا يستطيع؟ لا، ما أراده هذا، وإنما أراده هنا بالمكلف: هو مصطلح بمعنى مسلم بالغ عاقل، هذا مكلف، معنى هذا: مسلم بالغ عاقل، فأصبح هذا اصطلاح يدور على هذا المعنى، فهذا لا بأس به، وهذا الذي عليه العلماء. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:17]، فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:17]، ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:17]. قال: فدل أن للعبد فعلًا وكسبًا، الكسب، إخواني في الله، كذلك المسائل التي تنازع فيها العلماء، فالكسب أصبح من مصطلحات التي تنازعت الفرق في بيانه، ما معنى الكسب؟ فتجد أن القدرية، القدرية ممن ينفون القدر، عندهم أن الكسب بمعنى: أن العبد هو الذي يخلق أفعاله بنفسه، هذا عند القدرية، فيقول: العبد هو الذي خلق أفعاله بنفسه، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:267]، أي هذا من كسبكم، أنتم الذي قمتم، وأنتم تجازون به. فالقدرية يقولون: بأن الكسب هنا هو فعل العبد المحض، وهذا قول باطل، وبالمقابل الأشاعرة، الأشاعرة لهم في الكسب معنى آخر يتوافق مع الجبر، فعندهم أن العبد محل فعل الله، هذا معنى الكسب عند الأشاعرة، أن الكسب معنى: أن العبد هو محل فعل الله سبحانه وتعالى، أي أن العبد ليس هو الفاعل الحقيقي للأفعال، وهذا كذلك باطل. لكن الصحيح في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:17]، هنا الكسب بمعنى العمل، الكسب بمعنى العمل، ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:17]، أي بما عملت، بما عملت. فقال: فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب. وإخواني في الله، المسائل في هذا الباب، مسائل كذلك طويلة وعريضة، وخاصة أن قد خاض في هذا الباب الكثير من أهل الأهواء، فشغبوا على باب القضاء والقدر، بأن دسوا فيه الكثير من الشبه. والسلام يا عبد الله في هذا الباب: أنك لا تخوض برأيك، لا تخوض برأيك، ولا تسترسل بفكرك، فإن هذا الباب كما مر: سر الله سبحانه وتعالى، والعبد إنما يقوم بما أمره به ربه سبحانه وتعالى باتباع الشريعة، وأن يكف، وأن يكف عن الدخول في هذا الباب. لهذا أثر وصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، و«إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»، يحسنه جماعة العلماء، فإذا ذكر عندك القدر فأمسك، لما وكيف وهل؟ تقول هذا مما اختص الله بعلمه، ونحن مأمورون باتباع شريعته، فلا تسترسل يا عبد الله في الأفكار. وهنا جاءت موضوع القدرية والجبرية، ودخول في مشيئة الله، ومسألة الحكمة، ومسألة الإرادة، ومسألة كذلك الضلالة والهداية، مسائل شائكة، دخل فيها الناس، وما خرج أحد منهم بسلامة، لأنهم اتكلوا على أمورهم وعقولهم، والمؤمن الحصيف يعلم أن هذا علم استأثر الله به، فلا يمكن لأحد منا أن يصل إلى حقيقة هذا الباب، إذن يا عبد الله عليك بالإسلام والتسليم، وكذلك عليك باتباع الشريعة التي أمر الله باتباعها. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.