الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شهادة أن محمدًا رسول الله تتطلب التصديق الجازم بما أخبر به والامتثال لما أمر به. هذا المعنى يستند إلى تفسيرات مبسطة لمعنى الشهادة.
يتطلب الإيمان التصديق بما أخبر به النبي من أمور الغيب والمستقبل، مع ضرب أمثلة لتحقق أخبار النبي. يُحذر من رد أخبار النبي لعدم توافقها مع العقل.
يجب اتباع سنة الرسول في العبادات مثل الصلاة والوضوء والحج، مع التحذير من الابتداع في العبادات واتباع غير سنة النبي. يُوضح كيفية أداء العبادات كما كان النبي يؤديها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معنى شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا السؤال مما له تعلُّق بالمبحث السابق، إذ أن المبحث السابق كان الخوض فيه حول الدليل على الشهادة، وهو ما الذي يدل على أن محمد بن عبد الله هو رسول من عند ربه. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حينها الأدلة من القرآن الدال على أن محمد بن عبد الله هو رسول من عند ربه. يأتي بعد ذلك السؤال الأهم: ما معنى هذه الكلمة؟ من الذي تقتضيه؟ قال رحمه الله تعالى: هو التصديق الجازم من صميم القلب، المواطئ لقول اللسان بأن محمدًا عبده ورسوله إلى كافة الناس، إنسهم وجنهم، شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. قال: فيجب تصديقه في جميع ما أخبر به من أنباء ما قد سبق، وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال، وحرم من حرام، والامتثال والانقياد لما أمر به، والكف والانتهاء عما نهى عنه، واتباع شريعته والتزام سنته في السر والجهر، مع الرضا بما قضاه والتسليم له، وأن طاعته هي طاعة الله، ومعصيته معصية لله؛ لأنه مبلغ عن الله رسالته، ولم يتوفه الله حتى أكمل به الدين، وبلغ البلاغ المبين، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك. وفي هذا الباب مسائل ستأتي إن شاء الله. هذا الكلام بطوله من المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر ما تقتضيه هذه الكلمة، ويمكن أن يلخص هذا كله بما ذكره العلماء في تعريف محمد رسول الله، ومن أنفع التعريف وأفضلها لإيجازها ووضوحها ما ذكره الإمام العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه الأصول الثلاثة أو ثلاثة الأصول، عندما عرف وبيَّن معنى شهادة أن محمدًا رسول الله. قال: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع. هذا التعريف لربما من أوجزها ومن أفضلها وأحسنها، فذكر رحمه الله تعالى أن مُقْتَضَى هذه الكلمة تُحَتِّم عليك الالتزام بهذه المعاني وبهذه المقامات الأربع: طاعته فيما أمر، تصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى له كذلك من الكلام ما فيه مثل هذه المقامات والدلالة عليها، فمن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في كتابه التدمرية، عندما تكلم حول الشهادتين، فلما بلغ عند شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يبينها، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى موضِّحًا هذه الشهادة: «وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر». فتجد أن هذا مما يدور عليه العلماء في أن من مغتضى معنى محمد رسول الله هذه المقامات، أولاها طاعته، طاعته عليه الصلاة والسلام، هذا من أعظم مغتضيات أنك تقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، أنك تطيعه. ومن عظم هذا المقام أن الله سبحانه وتعالى ذكر طاعته مقرونًا بطاعة رسوله، حتى قال إمام أحمد رحمه الله تعالى كما في رواية الفضل بن زياد: نظرت في المصحف فوجدت أن طاعة الرسول قرنت بطاعة الله في تسعين موضعًا. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. كم هي الآيات التي فيها القرن والاقتران بين طاعة الله وطاعة الرسول؟ لأن في الحقيقة طاعة الرسول هي من طاعة الله، كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، هذه القاعدة وهذا النص المحكم: طاعة الرسول هي في الحقيقة طاعة لله سبحانه وتعالى. ومن جند نفسه على هذا المقام، فإن الله جل وعلا يبلغه المقامات العلا، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، مقامات عالية من ينالها من أطاع الله وأطاع الرسول عليه الصلاة والسلام. فدلت هذه الأدلة على أن من أعظم مقامات شهادة أن محمدًا رسول الله أنك تطيعه، وأعظم باب ينبغي أن يطاع فيه نبينا في باب الأوامر، في باب أوامره، هذا ينبغي أن يطاع مباشرة من غير تردد ولا تخلف. وهذا يا إخواني يجرنا إلى مسألة، وهي أن كثيرًا من الناس يرى أن الذي يصدر عن رسول الله إنما هو في عداد السنة الذي يكون صاحبه بالخيار، إن شاء فعل وأجر، وإن شاء ترك ولا عتب عليه. فلهذا يردد بعضنا هذه الكلمة: سنة، ما معنى السنة عندك؟ السنة أني بالخيار، إن فعلتها أُجر وإن لم أفعل لا عتب علي، هذا غلط يا عبد الله، هذا غلط. إذن كيف تقول في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وعيد في حق من؟ في حق من خالف أمر، أمر من؟ أمر الرسول، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، إذن هل يتجرأ أحد بعد هذا ويجعل كل ما صدر من رسول الله من أقوال وأفعال وأحوال وسلوك وهيئة وصفة أن يجعل هذا بمثابة: أصاحبه بالخيار تفعل أو لا تفعل؟ ومن هنا يا إخواني في الله كان من تقسيم العلماء لباب السنة أن قسموها إلى أقسام ثلاث: السنة تقسم إلى أقسام ثلاث، سنة مستحبة، نعم، هذه التي صاحبها هو بالخيار، إن شاء فعل يؤجر وإن شاء ترك ولا عتب عليه. السنة الثانية مؤكدة، وهي أرفع طبقة، وهي التي إن تركتها تلام، تلام وتوبخ، ما ينبغي منك أن تترك هذه السنة المؤكدة، تفرط فيها. والثالثة وهي الأعظم: السنة الواجبة، السنة الواجبة التي يجب يا عبد الله أن تقتفيها، ليست أنت بالخيار. قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم يدخل الجنة إلا، قال: «ومن يأبى يا رسول الله؟» قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». فعند يا عبد الله من سنة ما كان من الواجبات، ما كان من الأوامر، هذه فيها طاعة، هذه فيها طاعة لرسولنا عليه الصلاة والسلام. طاعة فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، المقام الثاني من المقامات التي بها تبرهن يا عبد الله عن شهادتك بأنك تقر وتعترف بنبوة ورسالة نبيك عليه الصلاة والسلام، أنك تصدق له بكل ما يخبر به، بكل ما يخبر به. كما عبر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «فيجب تصديقه في جميع ما أخبر به من أنباء ما قد سبق، وأخبار ما سيأتي». نبينا عليه الصلاة والسلام أخبر عن أخبار فيما مضى، أخبرنا عن أمور وجرت لآدم، وجرت لأقوام من أهل الضلال، قوم فرعون، قوم عاد وهود وثمود، أقوام الأنبياء، وما جرى من قصص نوح وموسى وعيسى، نبينا ما حضر هذه الأزمان، نبينا ما حضر ما شاهدها ولا كان موجودًا فيها، لكن أخبرنا عنها، صار كذا وكذا، وحدث عن أشياء قد سلفت، أشياء قد مضت وانقضت. هذا ما الذي يكون لنا؟ ماذا لنا مع عباد الله؟ التصديق، صدقنا، صدقنا بهذا. وهكذا أخبر نبينا في أشياء من أمور الغيب، عن جنة ونار، أمور تحت الأرض، عن القبر وعذاب القبر. أنت تعرف أن هذا الشيء ما يمكن، يعني كما يقول بعض المبتدعة ممن ينكر عذاب القبر مثلًا بحجة عليلة: قال لهم لو نبشنا القبور الآن ما نرى شيء، ما نرى نارًا تلظى، ما نرى أن القبر يفسح على أصحابه وعلى أصحابه مد البصر، أما نرى؟ وأين هذا؟ نرى عظامًا بالية، صاحبنا كما تركناه منذ عشرين سنة على هيئته، أين الجنة؟ أين النار؟ هذه قوة بها المعتزلة، ولا زال العقلانيون في هذا الأزمان يدندنون بهذه الترهات، جحود. لكن المسلم ما الذي يقول؟ صدقنا، أخبر نبينا بعذاب في القبر، صدقنا بعذاب القبر، عن الجنة والنار، آمنا بها. هذا التصديق يا عبد الله بما أخبر به الرسول وعما سيأتي. وعما سيأتي أخبر نبينا عن أشياء مستقبلية كثيرة جدًا، منها: أمارات الساعة، سواء كانت أمارات الساعة الصغرى أو الكبرى، ما عندك يا عبد الله إلا ماذا؟ إلا التصديق والإيقان، صدقنا. وليكن حالك حال كثير من المتفلسفة من هذه الأزمان، والأسف ممن ينتمي للإسلام، لو ربما يأتي بأخبار الرسول أولًا قبل التصديق، اجعله في عقله، فإن وافقت العقل آمن به، وإلا ردها بكل قباحة وكل وقاحة. كما جاء في الصحيح في غمز النبي أو في أمر النبي وفي حثه المسلمين: «أن من عنده إنا فوقع فيه الذباب فليغمسه، يغمس، فإن في أحد جناحيه سمًا وفي الآخر دواء». هذا الذي صرح به نبينا بغمس جناح الذبابة لأمر طبقي، طبعًا. الآن بعد ما جاءت عجائب العلم كما يسمى، أو ما يسمى بتطور الطب، كشفوا أن هذا آية، آية أخبر بها نبينا من زمنه عليه الصلاة والسلام. لكن بعض الناس لا يقول: إيش هذا الذباب يغمس؟ يا ليته سكت، بل ربما تعدى على مقام النبوة، قذارة وصخافة، أشهد أن الكلام لا يا عبد الله، صدق بكل ما يخبر به نبي. في صحيح مسلم: «أن رجلًا أتى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، إن أخي يشتكي بطنه»، فقال له نبينا: «اذهب واسقه عسلًا»، فذهب فسقاه، إلا أنه زاد، فرجع الرجل، قال: «يا رسول الله، إني سقيته عسلًا فما زاد إلا استطلاقًا»، قال له نبينا: «اذهب واسقه عسلًا»، واسقاه فزاد، أي زاد مثل إسهال أو جاع البطن، فرجع الرجل، قال: «يا رسول الله، إني سقيته عسلًا فما زاد إلا استطلاقًا»، قال له نبي حينها: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا»، فسقاه فبرئ. نبينا عليه الصلاة والسلام ما ينطق به إلا عن وحي، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، ولهذا قال نبي ليديك الصحابي: «اكتب، اكتب»، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه -وأشار إلى فمه- ما يخرج منه إلا حقًا. فحكونك يا عبد الله تتطاول على جناب النبوة بحجة أنه أتى بأخبار لا تدخل العقل، هذا ليس لك، كيف يأجوج ومأجوج، دابة تخرج، وعيسى ينزل؟ هذا إيش هذا؟ أين هذا؟ أمر نبوة. جاء في البخاري عن عدي بن حاتم: أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل يشكي إليه الفقر والفاقة، ثم ذهب، ثم جاء رجل آخر واشتكى عند رسول الله ما يكون من قطاع الطرق، فذهب، فنظر نبينا إلى عدي، قال: «يا عدي، أسمعت بالحيرة؟» قلت: «بلى يا رسول الله»، قال: «لا يا رسول الله، لما رأيتها، ولكني أخبرت عنها»، قال: «لئن طالت بك حياة لتجدن الرجل أو لتجد الضعينة ترتحل من البيت إلى الحيرة، لا تخاف أحدًا إلا الله»، فقلت في نفسي: وأين دجلة طي؟ ثم قال: «يا عدي، لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى»، فقلت: «يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟» قال: «كسرى بن هرمز»، ويا عدي: «لئن طالت بك حياة لتجدن الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة، يريد من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه». قال عدي -وهو الصحابي الذي آمن وصدق برسول الله- يقول: فكنت معلقًا على هذه الأمور الثلاث، وهي من علامات الغيبية، ما كانت تصدق في تلك الساعة، لكن انظر، قال: «فلقد رأيت الحيرة، أو فلقد رأيت الضعينة ترتحل من البيت إلى الحيرة، لا تخاف إلا الله»، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى، سبحان الله الذي كان يستشكل حتى يقول: كنوز كسرى ابن هرمز تفتح، ونحن ضعاف عرب. فكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ثم قال لأصحابه: «ولئن طالت بكم حياة لتجدون الرجل يخرج بملء كفه بذهب أو فضة، يريد من يقبله منه، فلا يجد أحدًا». هكذا المؤمن يصدق يا عبد الله، ولا كان شيء في الخيال، لكن الذي أخبرك به هو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. فهذا المقام الثاني: تصديقه فيما أخبر. الثالث: واجتناب ما نهى عنه وزجر، كذلك، كما أن نبينا أتى بأوامر، أنت ملجم بأدائها وبفعلها، بالمقابل أتاك نبينا بنواهي، بمحرمات، بسيئات، بحرمات ومحرمات، ينبغي أن تكف عنها، ينبغي، ليس من باب الكراهة لا، بل وجوب. وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فعل وأمر، وانتهاء مباشر، والنهي والنهي يقتضي عند العلماء ماذا؟ الكف والفورية، وفساد المنهي عنه. وهكذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، فاجتنبوه. تطيع يا عبد الله رسولك، وإلا فإنك تجد مغبة ذلك، ذاك الرجل الذي أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، وهذا منهي عنه، الأكل بالشمال منهي عنه، فقال له نبينا: «كل بيمينك، كل بيمينك»، إلا أن الرجل امتنع، قال: «ما أستطيع، ما أستطيع»، ما عنده هذا ليس عذر، لماذا؟ سيأتي في آخر الحديث: «ما منعه إلا الكبر»، هذا الذي منعه، ما كان عنده عذر، يعني عنده صعوبة في رفع اليد أو ألم، ما عنده عذر، كل بيمينك، اليد صحيحة سليمة، كل بيمينك، قال: «ما أستطيع»، فقال الراوي: «فما رفع يده إلى فمه»، فما استطاع يرفعها، شلت يده، شلت يده. فاحذر يا عبد الله أنك تترفع عن النواهي التي نهينا عنها، وخاصة مما نهى عنه نبينا عليه الصلاة والسلام. ثم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مقام الرابع: قال: «وأن لا يعبد الله إلا بما شرع»، كذلك، هذا مما تلتزم وتقتضيه كلمة محمد رسول الله، أنك تجعله الباب، الباب الذي به تدخل على العبادات والطاعات، ما لك باب إلا هذا الباب، باب العبادة، هذا الباب الكبير، الطاعات والعبادات والفرائض والقربات والنوافل والسنن والمستحب، هذا الباب الضخم، هذا الكيان الضخم، بابه هو عن طريق سنته عليه الصلاة والسلام. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، هو قدوتنا وهو أسوتنا، فإن شئت يا عبد الله أن تفعل أي عبادة من العبادات عن طريقه، عن هديه، عن سمته، من سنته. وانظر لنبينا كيف كان يربي أصحابه على أن العبادات إنما تأخذ منه لا من غيره، وهذا ليس خاصًا بالصحابة، بل لمن سيأتي بعدهم. هذه الصلاة التي أمرنا بتأديتها، قال نبينا: «صلوا، صلوا، لكن على هديي»، قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». جاء في الصحيح كذلك: أن نبينا أراد أن يصلي بالصحابة، فلما أقيمت الصلاة صعد على المنبر، تخيل المنبر هذا الذي عندنا، فقد كان منبر النبي من ثلاث درجات، ما كان موصلا بالجدار ولا شيء، وإنما كان درجًا من ثلاث درجات، كان منبره في مسجده. فصعد عليه صلى الله عليه وسلم، فإذا به يكبر، طبعًا استقبال القبلة، الله أكبر، فما كان من الناس إلا وتقدموا برسول الله، اعتموا به، فصلوا بصلاته، كبر ثم ركع، ركعوا معه، اعتدل اعتدلوا معه. لما أراد أن يسجد، تخيل المنبر، السجود صعب، سيكون منبر صغير، فما ذهب النبي فرجع القهقرى، أي وجهه للأمام، ورجع للخلف، ما الذي فعله؟ سجد في الأرض، المساحة متسع، سجد في الأرض، فلما انتهى من سجوده ارتقى وهو في الصلاة، ارتقى على منبره وأكمل الصلاة على هذه الحالة. فلما انتهى عليه الصلاة والسلام، قام للناس موضحًا ما قصة هذا الفعل الذي فعله لأول مرة، قال: «يا أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي»، هذه العلة، لتعلموا صلاتي، حتى تصل كما أصلي أنا. فأنت يا عبد الله إذا أردت أن تصلي، صل كما صلى نبيك، فما في داعي تأتي بالزوائد، تأتي بالحواشي، تأتي بأوراد، بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان. تجد مثل بعض الناس يقول: سمع الله لمن حمده، يجعلها بقى مقام دعاء: ربنا لك الحمد، لا، ما كان يفعل يديه هكذا، وإنما العكس، إنما يفعل هكذا: ربنا لك الحمد، يجعلك أنه يكبر، من واضع التكبير رفع اليدين عند التكبير وعند الركوع وعند القيام من الركوع، فتقول: سمع الله لمن حمده هكذا، ليست هكذا، تأتي بعض الكذب، من أين جئت بهذا؟ ما ورد هذا عن نبيك قط، أنه جعل هذا على هذه الهيئة. وقل يا عبد الله باقي هيئات الصلاة، وهكذا قل في باب الحج، أو قل في موضوع الطهارة. جاء في الصحيحين: حيث عثمان بن عفان، اللي جاء من طريق حمران مولى عثمان، أنا عثمان، دعا بوضوء يوضع، آخر حديث، قال عثمان: قال رسول الله: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه». انظر يا عبد الله لفضيلة الأجر، عمل يسير جدًا، تصلي ركعتين، مقابل هاتين ركعتين أن الله سيغفر لك ما مضى من ذنوبك. لكن انظر للشرط: «من توضأ نحو وضوء هذا»، أن يكون على هديه، وأن يكون على سنته. فبعض الناس يا إخواني أخلى بهذا الباب، تجي إذا توضأ يتوضأ بوضوء على خلاف السنة، كما درج عليه بعض المتوضئين، إذا توضأ لو ربما يأتي بالمسح على الرقبة، ويستمر على مسحه، ويجعلها ركنًا من أركان الوضوء، مع أن هذا ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا في باب الحج، جاء في صحيح مسلم لما جابر، لما حج نبينا بأصحابه، قال بعد حجته: «خذوا عني مناسككم، خذوا عني مناسككم»، مناسك الحج، لا تأخذها من زيد ولا من عبيد، كحال كثير من الحجاج لبيت الله، ربما ينفق مئات الألوف كما ترون في هذا الأزمان، الحج مكلف، وكلهم بأعلى أجرة، والأجر عند الله واسع، لمن أنفق، وأنفق في سبيل الله. لكن السؤال هو: الإشكال، أنك تنفق مئات الآلاف، بمقابل أنك تبخل على نفسك بشراء كتيب أو الشريط أو تسمع درسًا فيه بيان لصفة حج الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يذهب صاحبنا الذي ما استفاد علمًا، وما اشترى كتابًا، وما علم حجة النبي كيف كانت، ثم هناك في الحج يخبط خطًا عشواء. وبعد ذلك يأتي ويسأل: أنا فعلت كذا، وأنا والله في الرمي فعلت كذا، وأنا والله في الطواف فعلت، والذي أوقعك يا عبد الله بهذا؟ فبالله لو كان فتوى العلماء أن حجك باطل، يبقى في ذمتك، ذهبت هذه الفلوس عليك. ولهذا يقولون: «بي خذوا عني مناسككم، لا تأخذها من بعض الحجاج». إذا أراد أن يحج يستعد، يعد العدة، ثم إذا أراد أن يحج يذهب إلى جاره، يطرق الباب على جاره: تعال يا أبو فلان، أنت حججت العام الماضي، ما شاء الله، كيف الحج؟ طبعًا من جارك يا عبد الله، عالم لا، شيخ لا، طالب علم لا، طبعًا. قال: حج عامي، عامي، تسأل عامي، ولهذا فشى فينا الجهل، إذا كان العوام يسألون فيما بينهم، ما الذي سيطرأ عليه؟ أن الجهل بدين الله يسأل زميل، يسأل صاحب، يسأل جار، وهذا كله من الخطأ المبين يا عبد الله. إذا أردت أن تفعل عبادة فاسأل عن سنته: صلاة، طهارة، زكاة، حجًا، صومًا، إلى آخره. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وفي هذا الباب مسائل ستأتي إن شاء الله». وهذا كما سيأتي في توسع في مقامات غير هذه المقامات، لكن يهمنا في هذا الباب أن نلخص هذا السؤال، وهو: ما معنى محمد رسول الله؟ هو كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.