شرح أعلام السنة المنشورة  125

شرح أعلام السنة المنشورة 125

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 125، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مراتب الإيمان بالقدر

يبدأ المؤلف بتوضيح أهمية الإيمان بالقدر ومراتبه الأربع، مشيراً إلى أن المرتبة الأولى هي الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء. يُفصّل المؤلف هذه المراتب ويشرحها بالأدلة من الكتاب والسنة.

تفصيل مراتب الإيمان بالقدر

يتناول المؤلف تفصيل مراتب الإيمان بالقدر، وهي الإيمان بعلم الله السابق، والإيمان بكتابة المقادير، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة. يُوضح التلازم بين المشيئة والقدرة في الأشياء الواقعة والمستقبلية.

تأكيد المراتب الأربع بالإيمان بالقضاء والقدر

يشرح المؤلف أن المراتب الأربع للإيمان بالقضاء والقدر هي العلم والكتابة والمشيئة والخلق، ويبين أن هذه المراتب دلت عليها الكتاب والسنة وترد على أهل البدع والأهواء. يُؤكد على ضرورة الإيمان بهذه المراتب لتحقيق الإيمان بالقدر.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام

يختتم النص بإلقاء الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر هذا الختام التزاما بالسنّة النبوية والتعبير عن التواضع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله، واستئنافًا لدرس أعلام السنة المنشورة، والذي قطعنا فيه شوطًا، ومن ثم كان التوقف في رمضان، ووصلنا إلى قول المؤلف رحمه الله تعالى: «كم مراتب الإيمان بالقدر؟». يستحسن هاهنا أن نستذكر المعلومات التي مضت معنا، وخاصة التي أوصلتنا إلى هذا الحد إلى مسائل الإيمان بالقدر. ذكرنا إخواني في الله أن من عادة العلماء في باب العقائد أنهم يصنفون وفق حديث جبريل عليه السلام، الذي سأل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان. ومن هنا جرى عمل العلماء في تصنيفهم وتآليفهم أنهم يجرون على حديث جبريل. وهكذا الذي شرع فيه الشيخ الحكمي رحمه الله تعالى، أنه بدأ معنا في مسائل الإسلام، بدءًا بالشهادتين، بما يتعلق بمعناها، ما يتعلق بشروطها، ما يتعلق بأركانها، ثم عرج رحمه الله تعالى على باقي أركان الإسلام الأربع: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى مسائل الإيمان، وأول ما بدأ به ما يتعلق بالإيمان لغة وشرعًا، وما يتعلق بضوابطه، ما يتعلق بأركانه، ثم عرج على باقي الأركان: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان باليوم الآخر، إلى أن وصلنا إلى هذا الحد، وهو الإيمان بالقدر. قال رحمه الله تعالى: «كم مراتب الإيمان بالقدر؟» قال رحمه الله تعالى: «الإيمان بالقدر على أربع مراتب». الإيمان بالقدر، والقضاء، إخواني في الله، من المسائل المهمة التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة، إذ أنها من صميم ديننا، فهي من أركان الإيمان، الذي لا يصح إيمان واحد منا إلا إذا آمن بالقضاء والقدر. فما ينبغي لأحد منا، إخواني في الله، أن يلتفت إلى هذا الباب. وزد على ذلك أن هذا الباب له مسلك عملي، وإن كان أمرًا اعتقاديًا، تعتقد وتعتنقه، لكن له أثرًا عمليًا. ولهذا ضل من ضل من كثير من الفرق والأهواء، والنحل، وما ضلوا إلا من هذا الباب، في باب القضاء والقدر. منهم من خاض فيه بغير علم، فزلت أقدامه، ومنهم من تعمق فيه. والمسلم، إخواني في الله، لا يغل في هذا الباب، ولا يجافي. وما تلى من اقتتال بعضنا ببعض، المسلمين، وهكذا المسلمات، بباب الوسوسة، كذلك عندما لم يفهم هذا الباب حق الفهم، وأصبح تعتريهم الوساوس، وتأتيهم الأوهام، والتخرصات، عندما أقحموا بعقولهم أو عواطفهم مسائل الإيمان بالقضاء والقدر. وهذا الباب أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يضع فيه الإصاب، فأمرك أن تتمسك بهذه المراتب الأربع، وهي وإن كانت مسائل اصطلاحية، لكن جرى عليها عمل السلف، وإن من باب الاستقراء. فعليك يا عبد الله بهذه المراتب الأربع، إن حفظتها وفهمتها، وعملت بمقتضاها، حينها ستسلم، وحينها سيكمل إيمانك. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «الإيمان بالقدر على أربع مراتب». المرتبة الأولى: «الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم، وأجالهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم، وأسرارهم وعلانيتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، كل ذلك قد علمه الباري جل في علاه». طبعًا المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفقر إنما يمهد لما سيأتي، هنا إنما سيلوح رحمه الله تعالى إلى المراتب الأربع، حتى تكون منها على بال، ثم بعد ذلك سيأتي المؤلف على كل مرتبة على حدة، ويفصل فيها من الأدلة ما دل عليها الكتاب والسنة. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن تتعرف على المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر، الإيمان بالعلم، وهو الذي يعبر عنه بالعلم الشامل، والعلم الكامل، علم الله الكامل لكل شيء. فما هناك شيء يعزب عن علم الله جل في علاه، فعلم ربنا كل شيء. وهنا المؤلف رحمه الله تلاحظ إنما كرس عباراته رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأفعال العباد خاصة، لأن هنا محق الاختلاف بين الفرق الضالة، ما يتعلق بأفعال العباد. ولهذا وإلا علم الله أوسع من هذا، فعلم الله يتعلق بأفعال العباد، وبما كان من الكائنات في السماوات والأرض، والأفلاك، كل شيء بعلم الله سبحانه وتعالى. لكن المؤلف رحمه الله تعالى هنا جعل العبارات متعلقة بأعمال العباد، فقال: «بعلم أرزاقهم، وأجالهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم». أحال إنما على أعمال العباد، لأن هنا مرتع الفرس، ووجه الخلاف التي ضلت له الأمم الضالة في مسألة أفعال العباد. فربنا جل وعلا قد علم جميع أفعال العباد، ما كان من حركاتهم، ما كان من سكناتهم، وما كان من كل شيء. قال رحمه الله تعالى: «المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة ذلك». أولى المسائل أن نتعرف على علم الله السابق، ثم بعد ذلك نعرف أن هذه الأشياء التي علمها ربنا عز وجل قد كتبها، وقد سطرها جل في علاه، وكان ذلك في اللوح المحفوظ مسطورًا. قال رحمه الله تعالى: «الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن». وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح المحفوظ، والإيمان بالقلم، مما سيذكر تحت مسألة الكتابة. الإيمان باللوح المحفوظ، والإيمان بالقلم الذي كتب به الله جل وعلا مقادير الخلق. قال: «فهذه المرتبة الثانية: الإيمان بالكتابة». قال: «المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة». الإيمان بمشيئة الله، بالمشيئة والقدرة، فربنا سبحانه وتعالى له مشيئة، وربنا سبحانه وتعالى له القدرة، وهو القادر جل في علاه. قال: «الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة»، وهما متلازمتان. نفكك بين المشيئة وبين قدرته سبحانه وتعالى. قال: «له وهو متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون، كل شيء قد كان ووقع، وكل شيء سيكون واقع، فهذا اجتمعت فيه مشيئة الله وقدرته، اجتمعت فيه مشيئة الله وقدرته سبحانه وتعالى، هنا التلازم». قال: «ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن، شيء لم يكن، ما وقع، وليس هو بواقع، وليس هو بكائن، وهنا لا تلازم بين المشيئة والقدرة». وجه ذلك إخواني في الله، وقد دبع على ذلك العلماء، في حق من لربما يتفلسف ببعض الفلسفة، لعلها فلاسفة الحادية، أو من فلاسفة متفلسفة كفلاسفة اليونان. وهي إذا كان الله على كل شيء قدير، فعلى ما صنع كذا، وما أوجد كذا وكذا. أنتم تقولون إن هناك تلازمًا بين القدرة والمشيئة، هناك تلازم بين القدرة والمشيئة، فإذا ربنا، وكما يقول الملحدون: إذا كان ربكم قادرًا على كل شيء، فعلى ما أوجد كذا وكذا؟ فبين المؤلف رحمه الله تعالى: نعم إن القدرة والمشيئة تلازمتا في الأشياء الواقعة، والأشياء التي ستقع، اجتمعت فيها المشيئة والقدرة، أما أشياء ما وقعت ولن تقع، قال رحمه الله تعالى: «ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن». فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى لم يكن لعدم مشيئته لا لعدم قدرته، تعالى عن ذلك عز وجل، وهو القائل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. الإشكال إخواني في الله يزاح في هذا الأمر الذي أثاره المؤلف رحمه الله تعالى، وجاوب عليه: مشيئة الله وقدرة الله تجتمع فيما أشياء قد وقعت، وأشياء ستقع، شاءها الله وستقع بقدرة الله، لكن أشياء ما وقعت ولن تقع، كما قلنا يأتي بعض المبتدعة إذا كان ربك على كل شيء قادر، لماذا ما يوجد مثلًا أشياء يذكرها بعض العلماء خيالية، وهي للخيال أقرب، لماذا ما يوجد كذا؟ ما يوجد كذا؟ ما يوجد كذا؟ فالجواب يقول العلماء: إن هذه الأشياء ما أرادها الله، ما وقعت لا لأن الله ليس بقادر عليها، لا، بل لأن الله ما شاءها. يأتي السؤال: ولماذا الله ما شاء أن يوجد هذه الأشياء وهذه الكائنات على هذا الرسم؟ قالوا: إن الله ما شاءها لأن مشيئة الله متعلقة بحكمته، ولله عز وجل الحكمة البالغة. فربنا لا يخلق شيئًا عبثًا، حاشا وكلا، الله على كل شيء قدير، لكن قدرته متعلقة بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن. فإذا ضرب أحد من خلق الله مثلًا: لماذا ما استطاع الله أو ما أوجد الله كذا وكذا من الأشياء؟ قل: ما أوجدها الله لا لعدم قدرة الله، حاشا، وإنما ما أوجدها الله لأن الله ما شاءها، ما شاء الله أن يوجد. ولو أن الله شاءها لأوجدها. ولماذا الله ما شاءها؟ قل: إن مشيئة الله متعلقة بحكمته، فلله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. ما يوجد شيء في خلقه أو في مخلوقاته، في أرضه أو في سمائه، إلا لحكمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وسئل عن هذا إخواني في الله، هذه المرتبة، في حينها إذا هذه المرتبة الثالثة، بالإيمان بمشيئة الله النافذة، فما أراده الله وشاءه فإنه واقع لا محالة. قال رحمه الله تعالى: «المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا في ما بينهما، إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها، سبحانه لا خالق غيره، ولا رب سواه». هذه المرتبة الرابعة، وهي المرتبة الأخيرة، وهي مرتبة الخلق، بأن تؤمن بأن ما من شيء إلا الله جل في علاه خالقه. وطبعًا المؤلف رحمه الله تعالى في هذه القواعد، أو في هذه المراتب الأربع، سار على ما سار عليه أهل العلم والعلماء، أشاروا إلى هذه المراتب الأربع. أولًا لأنها مما دلت عليها الكتاب والسنة، وسأتي هذا في حينه. والأمر الثاني أن في هذه الفقرة رد على أهل البدع والأهواء ممن خالف أهل السنة والجماعة في الإيمان بالقضاء والقدر، بدءًا بمسألة العلم. قلنا بأن من الإيمان بالقدر بأن تعتقد بأن الله قد علم كل شيء. ولن هناك أحد أنكر علم الله، نعم هناك من أنكر علم الله، وجعل علم الله حدًا، وجعله حيزًا، حتى أن بعضهم قال: بأن الله علم ما يقع، أما الذي سيقع لا يعلمه الله، فتفوه بهذا الإفك أقوام، وهم كفر، وسأتي حكمهم في بابه. وهكذا قل يا عبد الله في باب الكتابة، ويتبع للعلم. فمن أنكر العلم أنكر الكتابة. في باب المشيئة، وهذا من أوسع الأبواب التي ضلت به الأمم والأهواء، في باب المشيئة، بأن الله عز وجل إنما شاء أشياء، وقدر على أشياء، وهناك أشياء لم يقدر عليها ربنا. وستأتي مع العبارة يذكرها بعض الناس، وهي خطأ، ويقولون: «والله على ما يشاء قدير»، على ما يشاء قدير. نعم، عبارة يذكرها الكثير من الناس، وقد خطأ العلماء هذه العبارة، لأن أصلها من أقوال أهل البدع، إذ أنهم علقوا مشيئة الله على قدرته، فالذي يشاءه الله قدر عليه، والذي لا يشاءه الله لا يقدر عليه. مثل قال: «الله ما يشاء الكفر إذن لا يقدر عليه الله، ما يشاء المعاصي إذن لا يقدر عليها»، وهذا قول ضال. إذن هذه المرتبة الثالثة نازع فيها المبتدعة، وضيق من مشيئة الله وقدرته. وهكذا قل في باب الخلق، نقول بأن الله خالق كل شيء، وهناك من أنكر هذا الباب، قالوا: بأن الله لم يخلق أفعال العباد، بل العبد هو الذي خلق أفعاله بنفسه. ولهذا إخواني في الله نبه العلماء على هذه المراتب الأربع، تحفظ، تفهم، ويكون لها يا عبد الله أثر في واقعك الملموس. قال إمام نقيب رحمه الله تعالى في «شفاء العليل»، وهو كتاب ألف في هذا الفن، ومن أعظم وأروع ما ألف في هذا الباب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليم»، نبه على هذه المراتب الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. قال: «فمن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر». من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر. وبهذا انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من السر، يبقى سيادة إن شاء الله معنا في دروس قادمة، المقوف على كل مرتبة على حدة، بذكر أدلتها من الكتاب والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.