شرح أعلام السنة المنشورة  138

شرح أعلام السنة المنشورة 138

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 138، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خصال الإيمان ودلالة القرآن عليها

يشرح هذا الفصل خصال الإيمان كما وردت في القرآن الكريم، ويبين أن البر ليس مقصورا على التوجه في الصلاة بل يشمل الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، إلى جانب بذل المال في وجوه الخير. يُفصّل معاني هذه الخصال وأهميتها في حياة المسلم.

صفات أهل البر والإيمان في القرآن

يتناول هذا الفصل صفات أهل البر والإيمان كما وردت في القرآن، مثل الإنفاق في وجوه الخير وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في مختلف المواقف. يُوضح أن أهل البر ينفقون أموالهم في سبيل الله ويعطون المحتاجين ويوفون بالعهود.

تفسير آية آل عمران وأنواع الصبر

يفسر هذا الفصل آية آل عمران ويشرح التغير اللفظي بين "والموفون" و"والصابرين". يبين أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على القضاء والقدر، مع شرح دلالة استخدام "أولئك" للإشارة إلى علو منزلة الصادقين والمتقين.

محاولات العلماء لجمع خصال الإيمان

يتناول هذا الفصل محاولات بعض العلماء في جمع خصال الخير والإيمان من القرآن والسنة، ويشير إلى بعض هذه المحاولات في تعداد خصال الإيمان، مع الدعاء بأن ينفعنا الله بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: كم شعب الإيمان؟ فأتى المسألة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى بعدما انتهى من ذكر واستفاضة وتتبع لمسائل أركان الإيمان، بدءا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. عندما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من هذه المسائل جميعا ألحق بعد ذلك بلواحق متعلقة بمسائل الإيمان، فمن ذلكم هذا السؤال. قال: كم شعب الإيمان؟ أي ما هي خصال الإيمان خصالها وشعبها؟ قال رحمه الله تعالى: والمؤلف رحمه الله تعالى اكتفى في هذا المقام بذكر آية وحديث، آية وحديث فيها التعداد لخصال الإيمان. قال: قال الله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾. البر في قراءتنا بالنصب «بر»، وفي بعض القراءات بالضم «بر»، وعلى قراءتنا ليس البر، البر يكون خبر ليس، وأين اسمها؟ اسمها «أن تولوا»، «أن تولوا وجوهكم» فيكون التقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم، هكذا تكون التقدير على قراءتنا، فليس البر البر هنا اسم ليس أو خبر ليس، واسمها «أن تولوا». قال: «أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب». والبر في اللغة العربية بمعنى الخير الكثير، هذا معنى البر الخير الكثير، ومنه أطلق على البر اسم البر لسعته والتساع، البر هي المساحة الكبيرة، يقال: هذا بر، وجوه إطلاق البر على هذه المساحة لسعتها، وهكذا الخير الخير الكثير يسمى كذلك بر. قال: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب»، يقول بعض المفسرين أن هذه الآية حول مسألة تحويل القبلة من البيت المقدس إلى الكعبة، إذ أن بعض الناس -وإن كان هذا القول يحكى عن اليهود وعن المنافقين وعن أهل الكتاب- وكذلك حتى قيل: أن وقع لبعض المسلمين، أن بعض أهل الإسلام ظن أن تحويل القبلة هو الغاية الغاية من الدين، وأن الشأن كل الشأن في الملة أن تتحول من جهة إلى جهة. فأراد ربنا عز وجل أن يبين أن تحويل المرء جهة من جهة هذا ليس هو الدين كله، بل هناك ما هو أعظم من ذلك كما سيأتي بيانه، وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى. فقال قوله سبحانه: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب»، أي أن تحويل الجهات وليس هو الدين غايته. وقال علماء: لماذا ذكر ربنا جل وعلا جهتي المشرق والمغرب؟ قيل: ذكرت هاتين الجهتين لأنهما الأبين والأوضح، أوضح الجهات المشرق والمغرب. والقول الآخر قيل: إنما ذكر المشرق لأنه جهة قبلة النصارى، فقبلتهم عند طلوع الشمس جهة طلوع الشمس، والمغرب هي جهة قبلة اليهود، إذ أنهم كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس وكان ذلك في جهة الغروب. فذكر ربنا هاتين الجهتين إشارة إلى جهات لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال سبحانه: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله»، أردتم الخير، أردتم الأجر الكثير، أردتم الخير العميم، فعليكم بهذه الخصال، ما هي؟ «ولكن البر من آمن بالله». ومر معنا في أركان الإيمان ما يتعلق بالإيمان بالله وأركانه وصفته وأموره، فلا نعيد الكلام فيها، «واليوم الآخر» مر كذلك معنا، «والملائكة والكتاب والنبيين» هذا مر معنا كله في دروس سبقت مسائلها. «وآتى المال على حبه»، آتى بمعنى أعطى، أي من خصال أهل الخير أنهم يعطون أموالهم، «وآتى المال على حبه» على حب أي حال حبه له، وهذه خصلة ما تكاد توجد إلا عند المسلمين، وهم أنهم يبذلون أموالهم مع حبهم لها، وما منا من لا يحب ماله، الإنسان مفطور «وتحبون المال حبا جما»، الإنسان مفطور وغريزي في أن يحب ماله الذي يتموله. لكن المسلم مع حبه لهذا المال إلا أنه يبذله لغيره، يعطيه لغيره، والمال اسم عام لكل ما يتمول، قد يكون نقد، قد يكون ثياب، قد يكون طعام، كل ما يتمول يسمى مالا، فمن خصال أهل الخير ومن صفات أهل البر أنهم يبذلون أموالهم مع حبهم له. قال: «وآتى المال على حبه ذوي القربى»، بدأ بهم ربنا جل وعلا للمكانة السامية التي ينبغي أن يجعلها المسلم في حياته، وهو التعظيم للقرابة، من تصلهم صلة رحم، هؤلاء لهم أولوية في النفقة والإعطاء والبذل، وأعظم القربة من كان من والديك. قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك»، هؤلاء القرابة تبدأ بالأعلى، تبدأ بالوالدين، ثم تبدأ بالأخوة من إخوانك وأخواتك، أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك، فهؤلاء قرابة، فإنك تصلهم ولو بالمال. «وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى»، فهكذا تعطي المال، أهل البر يعطون أموال اليتامى، واليتامى جمع يتيم، واليتيم هو الذي فقد أباه قبل البلوغ، هذا ضابط اليتيم، كل من فقد أباه قبل البلوغ فيسمى يتيما، فمن ماتت أمه ما يسمى يتيم، من ماتت أمه ما يسمى يتيم، ومن بلغ ما يسمى يتيما، إنما اليتيم الذي فقد أباه قبل البلوغ هذا يتيم. وسمي اليتيم يتيما من اليتم وهو الانفراد، لأن اليتيم إذا مات أبوه مات الذي يعوله، فيحتاج إلى من يكفله، فهنا ندب الإسلام وحث الإسلام على كفالة الأيتام، بأن نكون نحن كأولياء أمره بعدما فقد أباه، نكون نحن أباه، يعطى له من المال ما يكون به سد عوزه. قال: «واليتامى والمساكين»، والمساكين المسكين وهو الفقير، فالمسكين يعطى له مال لحاجته، وسمي الفقير مسكينا، قالوا: لأن الفقر أسكنه أذله، وهكذا المسكين تجده في حياته مع نفسه لا يفعل شيئا، لأن الحالة الاجتماعية من الفقر والضيق كافية في إسكاته وكافية في إسكانه، فهو ساكن في محله ما يفعل شيئا، فهو مسكين لما ابتلي به من فقر فأسكنه. فالمسكين -إخواني في الله- كذلك من أوجه الخير أنك تنفق عليهم بما يكون فيه منفعتهم، قال: «والمساكين وابن السبيل»، السبيل هو الطريق، وابن السبيل هو ابن الطريق، ومن هذا ابن الطريق المسافر، المسافر هو ابن السبيل، فالمسافر له حق على الخلق. والفقهاء يقيدون هنا المسافر هو المسافر المنقطع، منقطع، رجل المسافر فانقطعت به السبل عن مواصلة سفره، يقع هذا أحيانا، تجد أحد يسافر من مكان فيضيع ماله ضياعا، أو يسرق متاعه سريقه، أو يتلف مركوبه يتعطل، ينقطع به الطريق، فيريد إعانة من يوصله إلى بلده، هذا يسمى ابن السبيل، فهذا يعطى، أهل البر ينفقون عليه. من كان من أراد الإحسان والقصد العالي ينفق على أمثال هؤلاء على ابن السبيل، وجاءت الشريعة جعلت ابن السبيل من مصارف الزكاة ممن يعطى له زكاة حتى يمضي ويرجع إلى أهله ووطنه وأبنائه وإلى أهله. قال: «وابن السبيل والسائلين»، السائل هو الذي يسأل، محتاج، يطرق عليك الباب يقول: اعطني يا عبد الله، اعطني، ما عنده شيء، فهذا سائل فيعطى، فمن خصال الخير ومن خصال الإيمان أنك تعطي السائل، والسائل قد يكون يسأل بلسان المقال، يطلب منك طلبا: اعطني، لو سمحت، لو أكرمت، لو تكرمت، لو تفضلت، يطلب. وأحيانا السائل يكون بلسان حاله، ما يطلب، لكن وضعه يدل على أنه محتاج، ما تغديت والله، ما ماشي في الدار عندنا أكل، كيف ما تغديت والله، ما فيه في الدار، تعرف أنت ما يحتاج أن يقول: يا الله اعطني للغداء، اعفنا، رجل أخبرنا ما عنه ما تغدى أصلا لعدم وجود القوت، هذا ما معنى محتاج، هذا محتاج، لكنه تعفف عن المسألة، فهذا سائل. ولهذا من خصال الخير: اعطى ماذا؟ السائلين، قال: «والسائلين وفي الرقاب»، وهكذا من صفات أهل الخير أنهم يبذلون أموالهم في الرقاب، وفي الرقاب قال علماء: لها صور، في الرقاب بمعنى عتق الرقاب، كان تأتي إلى رقيق عبد فتشتريه فتعتقه لوجه الله، هذا من خصال الخير، ويكون في الرقاب كذلك فك الأسارة، فك الأسير، أسارة في بلاد الكفرة ما يفكون إلا بمال، فيأتي صاحب الخير ويقول: سهل هذا مال، فك الأسير، وهذا يدخل في الرقاب. وأدخل العلماء كذلك دفع الفدية للمختطفين، تأتي عصابات فتختطف بعض الناس، فلا يفكونهم إلا بفدية، فإنه يأتي من كان عنده قدرة وخير فيفعل ذلك، فيدفع مال حتى يفك هذه الرقاب التي اختطفت، فإن هذا يدخل في هذا الفضل. قال: «وفي الرقاب وأقام الصلاة»، أي إذن ما مر معنا كل هذا في صنف واحد، وهو رجل يبذل ماله، يبذل ماله، أين بذل ماله؟ بذل ماله إما في قربة، في قرابة، في مسكين، في سائلين، في فك الرقاب، في يتامى، هذا بذل ماله في هذه الأوجه. وأيضا ممن هو من أهل البر والخير من أقام الصلاة، من أقام الصلاة أقام جعلها مستقيمة، أقامها لعوجاجة فيها، ما أخلى بها، ما أخلى بعددها، ما أخلى بأوقاتها، ما أخلى بهيئاتها، وإنما أذا بها مستقيمة، قد مر معنا في دروس خلت ما يتعلق بأركان الإسلام، الكلام على إقامة الصلاة. قال: «وأقام الصلاة وآتى الزكاة»، مر معنا الزكاة، «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا»، والموفون من صفات أهل الخير وأهل الإيمان أنهم يوفون بعهدهم إذا كان بينهم وبين أحد من خلق الله عهد، وفى به، والعهود كثيرة، عهود كثيرة. مثل عقد البيع، إجارة، استئجار، رهن، عقد النكاح، هذا كل العقود ينبغي أنك توفي بها، لأنك تنكث كحال بعض الناس يبرم عقدا ثم ينقضه خيانة، هذا ما يجوز، بل حتى على كما جاء بنص القرآن: إذا كان بيننا وبينك كفار عهد، وجد أنوفي بعهد، ولو كان مع كفرة، ما نعطيهم عطاء، أمانا، فإذا أمنته قمت بعد ذلك خنته وقتلته، هذا لا يجوز، لهذا توعد نبينا بالنار من فعل ذلك، من قتل معاهدا خلال زمن عهدته، كان من أهل النار، كما خفر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. فمن صفات أهل الإيمان أنهم يوفون بعهد، أقمت عهدا، أقمت عقدا، أغف به يا عبد الله، قال: «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين»، الصبر والصابر هنا وردها القرآن اختلف من جهتين: من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى. من جهة اللفظ يقول المعربون: كان السياق يكون «والصابرون»، الآية القبلة «والموفون» مرفوعة، «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا» تماما، «والصابرون»، قال: «والصابرين»، لماذا هذا التغير اللفظي؟ قال العلماء: إنما كلمة «الصابرين» نصبت لفعل محذوف، تقديره: وأخص الصابرين، وأخص حذفت. طيب، ولماذا هذا التغير؟ قال العلماء: هذا نوع بلاغة، وجه البلاغة القرآنية في هذه الآية أن السياق إذا كان واحد يغير فيه من باب شد الانتباه مثل هذا، «والموفون بعهدهم والصابرين»، تجد أن هناك شيء خلل، كما ترى أنت في ظاهرك تركز، يعطيك انتباه، وإلا هنا حكمة. قال العلماء: هنا تقدير لفعل محذوف، تقدير: وأخص الصابرين، هذا اختلاف لفظي، وأيضا في كلمة «الصابر» اختلاف معنوي، اختلف الصبر هنا عن باقي ما ذكر من الآية، ما هو وجه الاختلاف؟ لو تلاحظ ما مضى، ما مضى من أول خصال إيمان إلى هذا الموضوع، كل عبارة عن عطاء، كل عبارة عن بذل، كل عبارة عن فعل، إيتاء الزكاة، إقام الصلاة، توفي بعهد، الناس تعطي المال للفقراء. عندما تأتي للصبر، الصبر ليس فيه عطاء، لا الصبر فيه تحمل، الصبر فيه تحمل، فالصبر اختلف عما قبله لفظا ومعنى، لفظا من حيث الإعراب، ومعنى من حيث التضمن، فالصبر اختلف عما مضى ليس فيه بذل، وإنما فيه تحمل. قال ربنا: «والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس»، ذكر ربنا جل وعلا أماكن الصبر في مواطن، الثلاث المواطن الأول: «الصابرين في البأساء»، البأساء هو شدة الفقر، ومنه سمي البؤس، سمي الشدة الفقر بؤساء، إذن هؤلاء يصبرون عند فقرهم. «والصابرين في البأساء والضراء»، الضراء هنا بمعنى المرض، يعتريهم ما يعتري الإنسان من الآفات والعاهات والأسقام والأمراض، وهم يصبرون عليها، الثالث: «وحين البأس»، وهي شدة القتال، في شدة القتال يصبرون، هذه الأماكن الثلاثة استلهم منها العلماء أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على القضاء والقدر. أنواع الصبر الثلاثة موجودة في هذه الخصال الثلاثة، انظر إليها في قوله تعالى: «والصابرين في البأساء»، أي الصابرين في وقت فقرهم وشدتهم، هؤلاء مع فقرهم ما لجأوا إلى فعل معاصي تزال به حالة الفقر عنهم، فما سرقوا، وما كسروا، وما نهبوا، وما اختلسوا، وما ارتشوا، ولا باعوا محرمات من مخدرات ومن ممنوعات، ما فعلوا شيئا من المحرمات، ما فعلوا شيئا من المحذورات، مع فقرهم صبروا، فهذا صبر عن المعصية. وفي قوله تعالى: «والصابرين في البأساء والضراء»، عند المرض هذا صبر على قضاء الله وقدره، ابتلاهم الله بالأمراض، فما تصخروا، وما أساءوا الظن بربهم جل وعلا، وما شكوا في طبيعة حالهم دائما، وهو يشتكي ويئن، صبر عن هذا كله، فهذا صبر على أقضى الله المؤلمة. الثالث: «وحين البأس»، أي حين شدة القتال، عند الجهاد في سبيل الله، مع شدة القتال ما تخاذل، ما تكاسل، من سحب، ما فر من الزحف، وإنما صبر، صبر على الطاعة، صبر على العبادة، إذن هذه الآية احتوت على أنواع الصبر الثلاثة. «والصابرين في البأس والضراء وحين البأس»، قال علماء: في الآية كذلك بدأ ربنا بالأسهل فالأشد، بدأ بالأسهل فالأشد، فأشد أنواع الصبر الصبر على الطاعة، وهذا ختمت به هذه الآية. قال سبحانه: «أولئك الذين صدقوا»، من أتى بهذه الخصال هذا وصل إلى مرحلة من أعظم المراحل، ومن أعظم المقامات، مقام الصدقية، وهؤلاء صدقوا مع من؟ هؤلاء صدقوا مع الله في التزامهم بهذه الطاعة، وهكذا صدقوا مع خلق الله، كالآية واضحة كيف التعامل مع الناس بذل وعطاء وتحمل وصبر واحتساب، كل ذلك الصدق في تعامله مع خلق الله. فلهذا شهد لهم ربنا، وكفى بشهادة الله شهادة على علو مرتبة هؤلاء، وتأمل كيف وصفهم الله: «أولئك الذين صدقوا»، أولئك اسم إشارة يطلق على البعيد، لماذا وصفهم الله باسم الإشارة البعيد؟ هل هم بعداء؟ النكتة في هذه الآية، قال العلماء: نعم، بعداء، وبعدهم هنا أي لعلو درجتهم، درجتهم عالية جدا، حتى وصفوا باسم الإشارة البعيد. «أولئك» أي ماذا؟ لعلو منزلتهم ورفعتهم عن الآخرين، لعظيم ما أمتثلوا به من الخصال الخير، وصلوا إلى هذه المنزلة، قال: «أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون»، فشاهد أن هذه الآية احتوت على بعض خصال الإيمان، وخصال البر والخير الذي يتمتع بها من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة»، وفي رواية: «بضع وسبعون شعبة»، وهذه الرواية في الصحيحين، واختلف العلماء في الترجيح بينهما، أيهم الأرجح الستون أم السبعون؟ والصحيح في هذا الباب والله أعلم -كما قال جماعة من الحفاظ- أن كلا الروايتين صحيحة، هذا ثبت عن نبينا، وهذا كذلك ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقوله: «الإيمان بضع وستون»، وما معنى البضع؟ البضع بمعنى هو القطعة من الشيء، الأصل في اللغة: البضعة تطلق على قطعة من الشيء، هذا بضعة منك، أي قطعة منك، وأما في باب العدد فيطلق على ما كان بين الثلاث إلى التسع، ما بين الثلاث إلى التسع في باب العدد يسمى بضعا. فالإيمان بضع وسبعون شعبة، أي قطعة وخصلة، قال عليه الصلاة والسلام: «أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إيماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، وسيأتي معنا في السؤال الذي بعد هذا إضاح، وكذلك تبيان من المؤلف رحمه الله تعالى في محاولة معرفة ما هي هذه الخصال. نعم، اجتهد جماعة من أهل العلم في محاولة أن يجمعوا من القرآن والسنة، من الكتاب والسنة، يجمعون ما هي خصال الخير المعنية بهذا الحديث: «الإيمان بضع وستون، بضع وسبعون شعبة»، فما هي؟ سيأتي من كان المؤلف رحمه الله تعالى محاولة قام بها بعض العلماء في لملمة هذه الأمور حتى ظهرت في بعض مؤلفات المؤلفين في تعداد هذه خصال الإيمان الذي من فقده فقد للإيمان. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.