الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 32

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 32

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم وعددهم

درس يتناول أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم وعددهم، حيث يذكر أن الإناث أربع متفق عليهن، بينما الذكور مختلف في عددهم بين مذهبين. يُذكر أيضًا تفاصيل حول كل ابن من أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم.

بنات الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجهن ووفاتهن

ذكر ترتيب بنات الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجهن ووفاتهن، حيث كانت زينب أكبرهن وتوفيت كل بنات الرسول في حياته عدا فاطمة. يُذكر أيضًا تفاصيل حول زواج فاطمة من علي بن أبي طالب ووفاتها بعد وفاة الرسول بفترة قصيرة.

حكمة وفاة أولاد النبي الذكور صغارا وتأصيل علمي لها

يتناول المقطع حكمة وفاة أولاد النبي الذكور صغارا، حيث يرى العلماء أن ذلك كان لإبعاد الفتنة عنهم ولإظهار حاجة النبي البشرية وإعطاء النفس حقها. يُذكر أيضًا أن هذا الأمر جزء من حكمة الله في وفاة أولاد النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الإشارة إلى الأبيات التي عقدها المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر أولاده عليه الصلاة والسلام، فكان قوله: وولده منها خلا إبراهيم، فالأول القاسم حاز التكريم، وزينب رقية وفاطمة وأم كلثوم لهن خاتمة، والطاهر الطيب عبد الله، وقيل كل اسم لفرد زاهي، والكل في حياته ذاق الحمام، وبعده فاطمة بنصف عام. ذكرنا الكلمات المتعلقة بهذه الأبيات في إضاح الدلالة لما أراده المؤلف رحمه الله تعالى، ونبهنا على بعض المسائل المتعلقة بهذه الأبيات وكلماتها. ثم كان التنبيه، إخواني في الله، على مسألة عدد أولاده صلوات ربي وسلامه عليه. أما من حيث الإناث، فقد مر أنه لا خلاف من أنهن أربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وهذا بالاتفاق. وإنما وقع الخلاف في عدد الذكور من أولاده عليه الصلاة والسلام. والكل متفق على ثبوت القاسم وإبراهيم على أنهما من أولاده عليه الصلاة والسلام، وإنما تم الخلاف فيما عداهم، وهم عبد مناف، وعبد الله، والطيب، والمطيب، والطاهر، والمطهر. هؤلاء ستة اختلف العلماء فيهم: هل هؤلاء من أولاده عليه الصلاة والسلام أم لا؟ خلاصة المبحث في هذا الباب، إخواني في الله، أن أقوى الأقوال في مسألة عدد أولاد رسول الله عليه الصلاة والسلام الذكور أنه يعود إلى مذهبين اثنين: مذهب من اقتصر على القاسم وإبراهيم فقط، فيكون المجموع ستة: أربع إناث وذكران القاسم وإبراهيم. والقول الآخر، وهو مذهب الجمهور، حيث أثبت لرسول الله من الذكور القاسم وإبراهيم وعبد الله. ولهذا يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وهو قول أكثر أهل النسب، أي الجمهور من العلماء والمؤرخين يرون أن الذكور ثلاثة: القاسم وإبراهيم وعبد الله. فهذه الخلاصة إذن يقال: ستة أو سبعة في إدخال وإدراج عبد الله من أولاده عليه الصلاة والسلام. ومما يناسب ذكره، إخواني في الله، أن نشير إشارات يسيرة حول أولاده عليه الصلاة والسلام. فأولا القاسم، وبه يكنى عليه الصلاة والسلام، كما مر، فيكنى بأبي القاسم عليه الصلاة والسلام، وهو أول أولاده كما أشار الناظم، وهو أول من مات منهم، وهو مات طفلا. واختلف العلماء في صغره وفي سنه الذي مات فيه. منهم من قال: إن حياته استمرت أياما، وهذا ليس بصحيح. وقد خطأ العلماء هذا القول، وأكثر العلماء على أنه قد بلغ السنتين. الثاني وهو عبد الله، وقد أشرنا إلى الخلاف الدائر في أمره، وهو الذي يسمى بالطاهر أو الطيب. وقيل: إنه ولد بعد النبوة، وقيل غير ذلك، فالله أعلم. وأما الثالث فهو إبراهيم، إبراهيم ابن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد مر أنه جاء عن طريق ماريا، وهو أصغر أولاده عليه الصلاة والسلام. ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، واختلف كم استمرت حياته على أقوال. منهم من قال: إنه قريب من السنتين، وقيل: ثمانية عشر شهرا، وقيل: إنه سنتين غير شهرين. ودفن بالبقيع، وكان في يوم موته يوم كسوف الشمس، والذي قام فيه نبينا وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد». وكان ذلك في يوم موت إبراهيم. رابعا كذلك من أولاده زينب، وزينب هي أكبر بناته، وهذا بالاتفاق. إذا جئنا من حيث الإناث، فأكبرهن زينب، وهذا بالاتفاق، بل وقيل: إن زينب هي أكبر الجميع، وهي أول مولودة لهذا تم الخلاف بينها وبين القاسم. لكن أكثر العلماء يقدمون القاسم أنه الأول، ثم زينب. زينب هي من حيث الإناث هي الأكبر من فئة أخواتها، فهي أكبر بناته عليه الصلاة والسلام، وهي أول من تزوجت، وقد تزوجت بابن خالها أبي العاص ابن الربيع. فلما هاجرت تركته على الشرك، ثم إنه أسلم رضي الله تعالى عنه، فردها النبي صلى الله عليه وسلم ردها إليه. وماتت في السنة الثامنة من الهجرة. والخامسة من أولاده عليه الصلاة والسلام رقية، يذكر أنها ولدت ونبينا صلى الله عليه وسلم كان في سن الثلاث والثلاثين من عمره عليه الصلاة والسلام. وهي قد تزوجت من عثمان بن عفان، وقد ولد منها ابنا اسمه عبد الله، وبه كان يكنى. كان عثمان يكنى بأبي عبد الله لابنه الذي أنجبهم من رقية بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذا الطفل وهو عبد الله لم تدم به الحياة، وإنما مات وله أربع سنين. وماتت رقية بعد يوم بدر بثلاثة أيام. وأما السادسة من أولاده أم كلثوم، وأم كلثوم لا يعرف لها اسم، وإنما تعرف بكنيتها أم كلثوم من بناته عليه الصلاة والسلام. وقد تزوجها عثمان رضي الله تعالى عنها بعد رقية، أي بعدما ماتت رقية تزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه، لهذا يسمى ويلقب عثمان بذي النورين. وهي كذلك ماتت عنده رضي الله تعالى عنه في سنة تسع من الهجرة، ولم تلد له. وقد صلى عليها نبينا صلى الله عليه وسلم. وكانت أم كلثوم قبل عثمان قد تزوجت بعتبة بن أبي لهب، إلا أنه ما دخل عليها، لأن أبا لهب لما علم بقول الله عز وجل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ غضب فأمر ابنه أن يفارق بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، ففارقها وما دخل عليها. ثم تزوجها عثمان كما علمنا. وأخيرا السابعة وهي فاطمة رضي الله تعالى عنها بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي كذا اختلف العلماء في محل في وقت ميلادها. قيل: إنها ولدت والنبي صلى الله عليه وسلم في عمر واحد وأربعين سنة، لكن هذا التاريخ وقع فيه التنازع. وقيل: إن أولاد الرسول عليه الصلاة والسلام إنما كانوا قد أنجبوا قبل النبوة لا بعدها. ولهذا يميل جماعة من المؤرخين أن فاطمة رضي الله تعالى عنها ولدت لرسول الله عليه الصلاة والسلام في عام بناء البيت. وتعتبر فاطمة رضي الله تعالى عنها من أفضل بناته، وقد مر ذلك معنا عندما أوردنا الأحاديث الذاكرة والقاضية بفضيلة خديجة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت لها أنها من سيدة نساء العالمين في الدنيا وفي الآخرة». فهي من أفضل بناته عليه الصلاة والسلام. بل قال صلوات ربي وسلام عليه: «فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني». رواه البخاري. وقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وولدت له الحسن والحسين والمحسن، وهكذا زينب وأم كلثوم. إلا أنها توفيت رضي الله تعالى عنها في سن لم يدم طويلا، فقد ذكر العلماء أنها ماتت وهي عن عمر تسعة وعشرين سنة، وقيل في ثلاثين سنة. هذا هو العمر التي توفيت فيه فاطمة رضي الله تعالى عنها. فهذا، إخواني في الله، خلاصة المبحث فيما يتعلق بترجمة مبسطة ميسرة لأولاده عليه الصلاة والسلام. هناك مسألة يذكرها العلماء عند ذكرهم لأولاده عليه الصلاة والسلام، وهو الترتيب بينهم: من هو الأكبر؟ ومن هو الأصغر؟ وهذا خلاف قد طال فيه الكلام، والخلاف فيه طويل. والمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذا في قوله: فالأول القاسم، إذن أول أولاده القاسم. وقال بعد ذلك: وأم كلثوم لهن خاتمة، فيرى الناظم رحمه الله تعالى على أن أول أولاده القاسم، وآخر أولاده أم كلثوم، هذا الذي استظهره المؤلف رحمه الله تعالى، وسار عليه جماعة من أهل العلم. ولها ذكر الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه دلائل النبوة، قال: قال عبد الله أبو عبد الله الحاكم، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، قال: حدثنا مصعب ابن عبد الله، قال: أكبر ولد رسول الله عليه الصلاة والسلام القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. أختم المجلس، إخواني في الله، بمسألة يشار إليها، وهي: تلاحظون في مسألة أولاده عليه الصلاة والسلام أن أولاده الذكور قد ماتوا صغارا، منهم من عبر أيام، ومنهم من قد بلغ السنتين ثم مات، بخلاف الإناث، فقد أطال الله بهم الأعمار، فمنهم من تزوج، ومنهم من أنجب. هنا ما هي الحكمة من هذه المسألة؟ وهي: لماذا الذكور من أولاده عليه الصلاة والسلام لم تكتب لهم الحياة؟ طبعا قال علماء: ولله الحكمة البالغة. لكن استطرد جماعة من أهل العلم من ذكر الحكمة في هذا الباب، فقالوا: مما ذكروا أن الحكمة من قبض أرواح الذكور صغارا من أولاده عليه الصلاة والسلام حتى لا يقع فيهم فتنة بأن الخلق يفتتن بهم. ولو أن أحد أولاده عليه الصلاة والسلام طال به العمر لكان لبعض الناس فتنة، فمنهم من يعتقد فيه النبوة، ومنهم من يعتقد فيه السيادة. فكان من حكمة الله جل وعلا أن لا يبقيهم. هذا وجه، قال علماء: وكان من حكمة الله أيضا أن النبي رزق بالأولاد صغارا، هذه حكمة أنه ولد بالأولاد الذكور صغارا. وجه الحكمة في ذلك ما قال العلماء: أن في ذلك إظهار لإعطاء النبي للحاجة البشرية، مهما كان النفس بشرية تحب الذي تحبه الأنفس. ولا شك أن الرجل يحب أن يكون له أولاد ذكور، وإن كذلك الإناث، فأعطى ربنا لنبيه ما تقربه عينه، أن أعطاه الذكور في حياته، وذلك للغريزة البشرية، وإعطاء للنفس البشرية حقها وحظها. وكذلك قال علماء: في وجود الذكور في حياته عليه الصلاة والسلام إغلاق لفم كل شانئ، كل شانئ، لو أنه رزق إناثا خلص، لقام شانئ من الكفرة والضلال لتطاولوا على رجولته عليه الصلاة والسلام، فسد على أمثال هؤلاء الباب، فرزق عليه الصلاة والسلام من الأولاد من كانوا من الذكور. ومن حكمة الثالثة كذلك أن الله عز وجل قبض أرواح هؤلاء الصغار، قال علماء: لما فيه من العزاء ومن التسلية لمن الذين لم يرزقوا أولادا، ربما يأتي رجل وقد رزق البنات فقط، فالربما يضعف أمام أنظار الناس، أو يضعف أمام ما كان من عدم أن يجد ما تقر به الأعين. لكن يتسل بحالة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ما أعطي أحد من الأولاد ممن كبر، وإنما الذي أعطي له من الإناث هذا الذي بقي معه كبروا وتزوجوا وأنجبوا، أما أولاده الصغار فقد ماتوا جميعا. فهذا الذي لم يرزق إلا بالبنات فقط، فهذا يتسل بحياته عليه الصلاة والسلام، ففيه التعزي وفيه التسلي لهم، أو كذلك الذي رزق بأولاد ثم مات عنه، رزق بولد ثم مات عنه، فيتسل بحياته عليه الصلاة والسلام الذي أعطي الأول ثم مات، ثم الثاني ثم مات. فكان كما كان صلوات ربي وسلامه عليه صابرا محتسبا. فهذه حكم يذكرها العلماء في هذا الموطن من حكمة الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى أعطاه الأولاد الذكور صغارا ثم قبض أرواحهم لحكم عديدة علمها من علمها وجهلها من جهلها. هذا، إخواني في الله، ما يذكر في هذا الباب مما يتعلق بأولاده وذريته صلوات ربي وسلامه عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.