الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 86

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 86

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 86، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

غزوة العشيرة وأسبابها

يشرح الناظم غزوة العشيرة التي وقعت بعد غزوة بدر الصغرى، ويبين موقعها وأسبابها. يُذكر أن هذه الغزوة كانت في السنة الثانية من هجرته عليه الصلاة والسلام.

أحداث وفتوحات السنة الثانية للهجرة

يتحدث عن اعتراض قافلة قريش المتجهة إلى الشام وجواز الاعتراض على أموال الكفار الحربية. كما يشير إلى فرض صيام رمضان في السنة الثانية للهجرة وتاريخ غزوة العشير.

فرض صيام رمضان وتاريخ غزوة العشير وتفاصيلها

يتناول تفاصيل قافلة أبو سفيان المتجهة إلى الشام وعلاقتها بغزوة بدر الكبرى. كما يوضح المراحل التي مر بها فرض الصيام ابتداءً من صيام عاشوراء وانتهاءً بالوجوب الحتمي.

ختام الحديث عن غزوة ذي العشير وفرضية الصوم

يلخص ما تمت مناقشته حول غزوة ذي العشير وفرضية شهر الصوم، ويختم بالدعاء والتأكيد على نفع ما قيل. يُنهي بالصلاة على النبي والسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير يا إخواني وفرض شهر الصوم في شعباني في هذا البيت يذكر المؤلف رحمه الله تعالى، ويشير الناظم إلى بعض ما وقع من الأحداث المهمة في سيرة عليه الصلاة والسلام، وخاصة في السنة الثانية من هجرته إلى دار هجرته، المدينة. فقال رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير يا إخواني وفرض شهر الصوم في شعباني أولًا، في قول الناظم رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير يا إخواني، هذا البيت هو أولًا تتمة للبيت السابق الذي قد مضى معنا في درس أمس، في قول الناظم رحمه الله: إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب، ثم قال هنا: من بعد ذي العشير يا إخواني وفرض شهر الصوم في شعباني فهنا من بعد ما مضى، ويحمل كلام الناظم رحمه الله: من بعد ذي العشير يا إخواني، يحمل هذا القول على أحد احتمالين، فقوله رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير، ذي العشير سيأتي أنها غزوة غزاها نبينا عليه الصلاة والسلام. فيحمل قوله: من بعد ذي العشير، أي أن ما مضى من ذكر غزوة بدر الصغرى إلى بواط، ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب، من بعد ذي العشير، أي أن غزوة بدر الأولى الصغرى وقعت بعد غزوة ذي العشير، هذا يذكره جماعة من أهل السير والتاريخ، حيث أنها وقعت بعدها بعشرة أيام. ومن أهل العلم من ذهب إلى مذهب آخر، وهو عدم الربط بين هذه الأبيات، وجعل هذا البيت عبارة عن بيت مستقل، فيكون مفاده: من بعد ذي العشير يا إخواني، أي بعدما انتهت غزوة الأبواط وغزوة بدر الصغرى، وقعت هذه الغزوة، وهي ذي العشير. وهذا الذي عليه أكثر العلماء من حيث الترتيب الزمني، فأكثر العلماء على هذا المحمل، على أن الغزوة الأولى بواط، ثم بدر الصغرى، ثم هذه الغزوة، وهي التي عناها بقوله: ذي العشير. فقوله رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير، هي غزوة ذي العشير، ويقال عنها كذلك غزوة العشيرة، ويقال عنها كذلك غزوة العشيراء، وهذه الغزوة من الغزوات التي سميت باسم المنطقة التي خرج إليها نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي منطقة تبعد عن مكة بمئة وسبعين كيلو متر من جهة غرب المدينة. وهذه المنطقة تقع من حيث المدينة، من حيث الموقع الجغرافي غرب المدينة، بمسافة مئة وسبعين كيلو متر، قرية تسمى العشيرة أو تسمى العشير، ويقال عنها أن أول قرية من قرى ينبع، إلا أن هذه القرية إن درست، ليس لها معلم وليس لها أثر، وإنما هي الآن حاليًا في الموقع الزمني الآن، هي بقرب منطقة تسمى بعين البركة، وهي معروفة. فمنطقة عين البركة بإزائها، بالقرب منها العشيرة، هذه هي المكاذ والمكان الذي سميت به هذه الغزوة التي غزاها نبينا صلى الله عليه وسلم، غزوة العشيرة أو العشيراء. ما سببها؟ سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن قافلة من قريش تتجه نحو الشام، فأراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعترض على هذه القافلة، فخرج هو ومعه مئة وخمسين من أصحابه، وقيل مع مئتين، وهم من جماعة المهاجرين رضي الله تعالى عنهم. خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر هذه القافلة، علَّ وعسى أن يعترضوا عليها الطريق، إلا أن هذه القافلة استطاعت أن تنضي وتمشي، وجاء إليها نبينا متأخرًا في هذه المنطقة. وهنا مسألة، إخواني في الله، ربما قد ترى الغزوة الأولى والثانية والثالثة أنها تقوم على الاعتراض على قوافل قريش وعلى رحلهم وتجاراتهم، قد يقول قائل: هل هذا يجوز شرعًا الاعتراض على أموال الكفار؟ الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذه أموال كافر حربي، كافر حربي، هؤلاء قد أعلنوا الحرب على الله ورسوله، وهم نابذوا وحادوا الله ورسوله، بل وأرادوا وهموا على قتل الرسول، لولا أن الله تداركه بإخراجه، وإلا لقتلوه، ناهيك عن من قتلوا وسفكوا الدم الحرام من أصحابه عليه الصلاة والسلام، وفتنوا من فتنوا عن دينه. فهؤلاء حربيون، والكافر الحربي، إخواني في الله، هذا هدر دمه وماله، زد على ذلك أن الله جل أعلى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، فالكفار عاقبوا الصحابة رضي الله تعالى عنهم باستيلاء أموالهم وبيوتهم ومنازلهم، وما تركوا لهم شيء، حتى أصبح المهاجر في المدينة ينام في المسجد، ما عندهم مأوى ولا مأكل ولا مشرب إلا في بيوت الله، في مسجد رسول الله، ما ترك الكفار للمسلمين شيئًا، فأخذوا عليهم الأموال كلها. ولهذا كان من عقوبة الكافر أن يعاقب بمثل ما عاقب به المسلم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، فكان جزاء أخذ الأموال أن تأخذ أموالهم، وكما قلنا: وهي أموال كافر حربي، بخلاف الكافر إذا كان لم يكن حربيًا، كان يكون مستأمنًا ذميًا معاهدًا، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز ماذا؟ الاستيلاء لا على ماله ولا التعرض حتى على نفسه لا بأذى، ناهيك عن سفك دمه، هذا لا يجوز. فليس كل كافر يعامل بمعاملة واحدة، فالكافر إن كان ذميًا أو معاهدًا أو مستأمنًا، فإنه يحفظ حرمته ولو حرمته، بخلاف الكافر الحربي الذي أعلن الحرب، فالصحابة فأهل الإسلام مع أهل قريش قد أعلنوا هم في حالة حرب، هم في حالة حرب. زد على ذلك ومع هذا أن هذه القوافل يستعان بها على المعادة لله ورسوله، ما تجيش الجيوش من قبل كفار قريش إلا على ثمرة هذه القوافل، فهي استمدادها واستمرارها هو استمرار لعصب القتال وضرب الإسلام والمسلمين. فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على أنه يعترض على هذه القافلة، إلا أنه ما استطاع لذلك سبيلًا، إذ أن القافلة أو القرية مرت، ثم بعد ذلك وصل نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه القرية وهذه الحملة أو هذه الغزوة كان اللواء قد دفع إلى حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، هو حامل اللواء، واستخلف نبينا على أهل المدينة أبا سلمة، استخلف أبا سلمة. وهنا وقفة أخرى مع القافلة، فهذه القافلة والتي أراد نبينا أن يستولي عليها تعتبر من أضخم القوافل، إذ أن جل أموال المشركين من كفار قريش قد أوضعوها في هذه القافلة، التجار والكبار والصغار وأرباب الأموال ضخوا بأموال في هذه التجارة. وكانت هذه التجارة تحركت من مكة إلى جهة الشام، وكانت هذه القافلة قد يعني قدرت الحمولة التي فيها أنها فيها من المبالغ ما يقدر بخمسين ألف دينار، كنز يعد كنز من الكنوز، خمسين ألف دينار، وأما عدد الإبل ألف بعير، ألف بعير. وهذه القافلة المتوجهة إلى الشام كان قائد الحملة أبو سفيان، أبو سفيان كان قائد هذه الحملة، وكان معه سبعة وعشرين رجلًا، وقيل تسعة وثلاثين رجلًا، كانوا معه أي ممن يحمي هذه القافلة. ونحن نذكر هذه القافلة بما فيها؛ لأننا سنحتاج إليها متى؟ عند عودتها، عند عودة هذه القافلة وقعت ما يعرف بعد ذلك بغزوة بدر الكبرى، ولهذا كان هذا من لطف الله جل وعلا ومن حكمة الله أن فاتت هذه الغزوة وهذه القافلة عن رسول الله حتى يتسنى له أن يتصدى لها في المرجع. وسيأتي معنا بإذن الله الكلام والمقام حول أحداث غزوة بدر الكبرى، لكن كانت هذه القافلة هي السبب التي من أجلها نشبت هذه الحرب بين أهل الإسلام وبين معسكر الكفار. فقوله رحمه الله تعالى: من بعد ذي العشير يا إخواني، القول الصحيح أن هذه الغزوة وقعت بعد غزوة بواط وغزوة بدر الصغرى، جاءت هذه الغزوة وهي ذي العشير، خرج نبينا بثلة من أصحابه، ولم يقع هناك قتال. ثم قال: وفرض شهر الصوم في شعباني، أي من أحداث السنة الثانية للهجرة، وخاصة في شهر شعبان، فرض الله الصيام، أي صيام رمضان، فرض صيام رمضان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة، من شعبان، هنا في هذا الزمن تم فرضية الصيام. وبهذا قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات إجماعًا، صام نبينا صلى الله عليه وسلم في حياته تسع رمضانات إجماعًا، منذ أن فرضت عليه الصيام إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى. مع التنبيه إلى مسألة إخواني في الله، إلى أن صيام رمضان إنما كان على مراحل، إنما كان على مراحل، إذ أن الصيام أول ما فرض كان عبارة عن صيام يوم واحد، وهو عاشوراء فقط، ما كان يعرف فرضية الصيام، ما كان يعرف شهر رمضان، إنما عبارة عن يوم واحد. أوحى الله عز وجل إلى نبيه بفرضية صيام عاشوراء، كما جاء ذلك في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن الله أمر نبيه بصيام عاشوراء، فصامه المسلمون وصامه الناس»، فكانت هذه المرحلة الأولى من فرضية الصيام، إلا أن هذه المرحلة ما استمرت طويلًا، إنما هي عام واحد فقط. ثم جاءت المرحلة الثانية في صيام رمضان، كان على التخيير، نعم فرض رمضان، لكن الناس بالخيار، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأفدى، أخرج فدية، وكان الصوم أفضل، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، حث ربنا على الصوم، فصوم أفضل من الإطعام، هذه المرحلة الثانية. ثم المرحلة الثالثة من فرضية الصيام، أن الله جل وعلا فرض على جميع المكلفين من البالغين العاقلين، فرض عليهم الصيام وجوبًا حتمًا، وسقط الخيار، سقطت الخيرة، ما هناك خيار، لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فأمر ربنا عز وجل بفرضية شهر الصوم، وهذا كان كما قلنا في السنة الثانية من شعبان. هذا إخواني في الله ملخص ما يذكر في هذا البيت من هذه الحوادث، من غزوة ذي العشير، ومن فرضية شهر الصوم، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.