الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 120، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
وقعت غزوة حنين في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة، بسبب استعداد هوازن لقتال المسلمين. جمعت هوازن قبائل عدة لتحارب المسلمين بعد فتح مكة.
استعدت هوازن لغزو مكة ورسول الله، وتحرك النبي بجيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل. حدثت مفاجأة للجيش الإسلامي في وادي حنين بسبب كمين هوازن، وانسحب الجيش الإسلامي في البداية.
بعد النداء من العباس، رجع المسلمون إلى المعركة وهزموا الكفار بفضل دعم الله تعالى. غنم المسلمون غنائم كثيرة بعد هزيمة الكفار.
لجأ بعض الهاربين من هوازن إلى الطائف، وسيتم تناول كيفية تعامل المسلمين معهم في الدرس القادم. يوم الطائف كان امتدادا ليوم حنين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: وبعده قد أوردوا ما كان في يوم حنين ثم يوم الطائف. وبعده، واو هنا واو عاطفة، أي من الحوادث التي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة، وتحديدا بعدما مضى من فتح مكة، كما مضى معنا. قال: وبعده قد أوردوا، هنا الضمير يعود إلى أهل السير والمغازي وما ساروا عليه في كتب السيرة والتاريخ، أنهم يذكرون بعد غزوة فتح مكة هذا الحدث. قد أوردوا ما كان في يوم حنين، والمقصود بيوم حنين أي غزوة حنين، ثم يوم الطائف، أي ما وقع كذلك في هذا اليوم، والذي سمي بيوم الطائف أو غزوة الطائف، كما سيأتي معنا. إذن المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات سيشير إلى حدث، أو قل حدثين متواليين، الحدث الأول ألا وهو ما كان من أمر غزوة حنين، والتي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة، وكان وقوعها بعد فتح مكة. وهذه الغزوة مع شهرتها بغزوة حنين تسمى أيضا بغزوة أوطاس، بغزوة أوطاس. وحنين وأوطاس هم في الحقيقة مناطق، مناطق كانت تسمى بهذه التسمية. حنين هو وادي، وادي حنين، وهو الآن في هذا الزمن مشهور في أرض المملكة باسم وادي الشرائع. بوادي الشرائع كان هو قديما يسمى بوادي حنين، فوادي حنين موضع، وأوطاس كذلك موضع، كلاهما كان بين مكة والطائف، كلاهما بين مكة والطائف. فسميت هذه الغزوة بغزوة حنين، وبغزوة أوطاس نسبة للمكان والموقع الذي وقعت فيه هذه الغزوة وهذه الملحمة. وأيضا كذلك تسمى هذه الغزوة أحيانا بغزوة هوازن، نسبة إلى المقاتلين الذين نصبوا القتال والعداء لرسول الله في هذه المعركة، وفي هذه الغزوة، مرجعهم أو القيادة كانت بيد هوازن، فكذلك تنسب إليهم هذه الغزوة. لهذا قال الإمام ابن سعد رحمه الله تعالى: قال ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وهي غزوة هوازن في شوال سنة ثمان. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى التأكيد على التسمية، فهي تسمى حنين، وأوطاس، وتسمى كذلكم هوازن. وأشار ابن سعد إلى أنها في السنة الثامنة، وهذا بالإجماع، وفي شوال، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، تحديدا في اليوم السادس من شوال سنة ثمان، وقعت هذه الغزوة. من مسائل هذه الغزوة، وهي من أهم مباحثها، ما سبب هذه الغزوة؟ سبب هذه الغزوة أن هوازن عندما علمت بفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة، علمت أن الدور سيأتي عليها، فها هو نبينا أسقط قريش، فما الذي بقي؟ ما بقي إلا من حولها، وأن الدور سيأتي على الكل. فحينها استعدت هوازن لهذا، لكن من باب الأسبقية أرادوا أن يسبقوا رسول الله بالهجوم عليه، فقامت هوازن بالاستعانة بمن حولها من قبائل، فدخلت في هذا الحلف قبائل ثقيف، ونصر، وجشم، وأحلاف أوزاع من بني هلال، وجمعه شتى، وقبائل كثر، حتى تجمعت مقدام ما يقدر بعشرين ألف مقاتل. استطاعت هوازن أنها تستقطب هذا العدد الكثير من الرجال، ونصبت الراية إلى مالك بن عوف، مالك بن عوف، وكان من سادات هوازن، أعطيت له الراية والقيادة والريادة في تسيير هذا الجيش. من فعلة مالك الذي فعلها، طبعا من باب الفائدة، أن مالك عينما تملك القيادة كان في الثلاثين من عمره، كان شابا، وجد أن هناك فكرة استحسنها، فهو يريد استماتة على القتال، استماتة، فطلب من الناس والقبائل والعشائر بأن يرسلوا إليه بماذا؟ بأموالهم وأهاليهم، ما يتركون شيئا، كل الذي معكم تأتون به إلى أين؟ تأتوا معه إلى المعركة، يمشي معكم، تأتي بأهلك، بنسائك، بأولادك، وبما كان من أموالك، من الأغنام، من الأبقار، من الإبل. وسيأتي معنا العدد الكبير الذي وجده المسلمون في هذه الغزوة، أعداد كثيرة جدا، لأن هذا القياد مالك أطلب من الجميع، طبعا هذه ليست من الحكمة، حتى أن كما ذكر أهل السير أن دوريد بن الصمة، وكان كافرا على دين قومه، وممن خرج مع جيش مالك، لكنه كان شيخا كبيرا، قد بلغ أكثر من مئة سنة، وقد عمي، عمي، وكان الناس يسترشدون برأيه، رجل مجرب في الحياة. فلما خرج مالك، خرج دوريد بن الصمة هذا الكبير الأعمى، خرج مع المقاتلين، سمع الأغنام ورغاء الإبل وبكاء الصبيان، استغرب واستعجب، ما هذا؟ ما الذي أسمعه؟ ما الذي معكم؟ فأخبروه لأن مالك طلب مننا أن نأتي بأولادنا وأهالينا وأموالنا. فغضب دوريد من هذه الفعلة، فاستدعى مالكا، قال: ما هذا؟ ما الذي تأمر الناس به؟ فأخبره مالك بأنه إنما رأى أن الإنسان سيستميت على هذا إذا واجه العدو أمامه، ما سينسحب، ما سينسحب عنده أهله وأولاده، ما سيتركهم، سيقاتل حتى الموت. فحينها عاب دوريد على مالك هذه الصنعة، قال: ويحك، إن المنهزم، ما الذي يرده؟ الإنسان إذا رأى الموت أمامه سيفر، ما سيرده لا أهل ولا أولاد، سيتركهم، سيتركهم، وقال عوض سيخلف لي الله بخير، ما سيرده شيء. فأشار عليه أن لا يفعل هذا، وأن لا يأخذ معه أحد من هؤلاء، وأن الإنسان إنما يكفيه سيفه الذي يحميك، وأن الخروج بالأولاد والأهل والنساء، إن حصلت هزيمة، سيكون عارا عليك. إلا أن مالك لم ينصاع، بل طلب إلا وإلا، بل قيل في بعض الروايات أنه سينسحب من القيادة، بل سيقتل نفسه إن لم تنصاع لي، هو يرى أن هذه الفكرة هي الوحيدة، فحينها نزل الناس على رأيه، فتحركوا. نرجع إلى معسكر المسلمين، جاءت الأخبار إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن هوازن تستعد، فتثبت نبينا، فأرسل عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي إلى داخل معسكر هوازن، أدخل ومكث فيهم يوم أو يومين، يستثبت الخبر، فتأكد على أن الجماعة يعدون العدة لغزو مكة، ولغزو رسول الله عليه الصلاة والسلام. حينها تحرك نبينا بجيشه، فخرج من مكة، لأنه لا زال في مكة، فتح مكة كما يقول، متى كان فتح مكة؟ كما قال النظم في الصيام في رمضان، فتح مكة تحديدا في يوم العاشر، أحداث مكة مع توالي الأحداث وجلوس نبينا في شوال، وقعت هذه الغزوة، فما هي إلا أيام. فخرج نبينا وأخرج هذه المرة بعدد كبير، خرج بجيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، عشرة آلاف هؤلاء الذين خرجوا معه من المدينة، كما مضى معنا في فتح مكة، خرج بعشرة آلاف من المدينة إلى مكة، هؤلاء معه لا زالوا عشرة آلاف، وخرج معه كذلك ألفان، وهم من مسلمة الفتح، من الطلقاء، خرج معه هذا العدد، فالمجموع تقريبا اثنا عشر ألفا، ومنهم من زاد قليلا، ومنهم من أنقص قليلا، لكن على الكل كان هذا عدد كبير. ما تجمع من جيوش الإسلام كهذا المجمع، حتى أن بعضهم لما رأى هذه الجموع من أمامه ومن خلفه وعن جوانبه، قال: لن نغلب اليوم قلة، ما ستأتي لنا غلبة، أي معنى هزيمة، لن تأتينا هزيمة، نحن كثر، طبعا وهذه الكلمة هي التي كانت التي وقعت عند قلوب بعضهم، مما أدخلهم العجب من الكثرة، وقلة التوكل حينها على الله. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ يوم حنين، جاء الإعجاب بالكثرة الحاصل، خرج نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا العدد. من الحوادث التي صالت لرسول الله في أثناء مسيره إلى حنين، أنه أن جماعة من الجيش وجد شجرة كبيرة، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. ذات أنواط عبارة عن شجرة كان أهل الجاهلية من كفار قريش يعتقدون في هذه الشجرة، فكان في أوقات القتال، وإذا أرادوا أن يستعدوا لهذه الملاحم، قديما كان يأتون بالتروس، بالسيوف، بالدروع، بعدة الحرب، فيعلقونها على هذه الشجرة، اعتقادا منهم أن هذه الشجرة تعطي القوة، تبركا بهذه الشجرة، اعتقاد وثني جاهلي، كان هذا اعتقاد أهل الجاهلية. هؤلاء لما أسلموا قريبا من مسلمة الفتح، داثر عهد بكفر، ظنوا أن هذه الطريقة تنفع في الإسلام، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، اجعل لنا شجرة نستط، نستطيع عن ماذا؟ نستمد منها القوة. فحين غضب نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه المقالة، فقال: قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وبين حرمة هذا الكلام، وأن الإنسان لا يتعلق إلا بالله، وفي ذلك إشارة إلى عظيم مقام التوحيد، وإلى التحذير من الشرك في كل زمان ومعه مكان، حتى في أيام الحروب والقتال، بل في هذا الموطن، الناس بحاجة إلى التربية. وبهذا نعلم أن الجيوش الإسلامية قبل أن تستعد بالعدة الحسية من الأسلحة والعتاد، عليها أن تستعد أولا بالعدة الإيمانية، بعظيم التعلق بالله سبحانه وتعالى. فالشاهد أن النبي وبخهم وعلمهم أن هذا لا يجوز، تحرك نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إذا دنى من وادي حنين، هنا الكفار نرجع إليهم، استطاعوا أن يأتوا إلى هذا المكان ليلا، فماذا فعلوا؟ كمنوا في هذا المكان، التكمين بمعنى فخ، بمعنى، وزعوا الناس في الشعاب، في الوديان، على رؤوس الجبال، وزعوهم في الليل، توزعوا هنا وهنا وهنا، وخبأوا في أماكن عدة في الوادي، في أماكن عدة في الوادي. نبينا صلى الله عليه وسلم كما قال أهل السيرة، في السحر، قبيل الفجر، قد جهز الجيش، قد جهز الجيش، بعد الفجر، مع ضحضحة الصبح، بدأ نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الدخول إلى وادي حنين. لكن ما تفاجأ القوم إلا وهذا الجيش من هوازن، ما كان على البال الذي اعتادوا الناس عليه في القتال، أن يكون جيش مقابل جيش، أنت في ضفة وهم في ضفة ثانية، ميمنة، ميسرة، مقدمة، مؤخرة، جيش بجيش، لكن هنا هوازن ما فعلوا هذا، فعلوا ما يسمى كما يقال الآن حرب الشوارع، فخاخ هنا وهنا. فخرجوا من الشعاب، خرجوا من الوديان، خرجوا من فوق الجبال، وأخذوا يستخدمون الرمي، وهوازن ممن عرفت عند العرب أنهم رما، أنهم رما، عندهم قوة الرمي، اعتادوا على هذا، فأخذوا يصيبون هنا مقدمة الجيش الإسلامي، تضعضع لهذه المفاجأة التي لم يحسبوا لها حساب، فرجع الأول على الآخر. هنا بدأ التراجع، بدأ التقحقر، الذي يأتي فوق الأول، يأتي فوق الثاني، الثاني يريد أن يرجع، فأصبح الرجوع، أصبح الجيش يتراجع، يتراجع، وانسحب الجيش بأسره، نبينا صلى الله عليه وسلم أمام هذا الانسحاب، انتهج نهج اليمين، ذهب يمينا، وأخذ ينادي بالناس: يا أيها الناس، هلموا إلي، يا أيها الناس، هلموا إلي. لكن ما استطاع أن يسمع هذه الضجة التي صارت من انسحاب كثير من الناس في هذه الغزوة، حينها استعان نبينا بعمه العباس، كان العباس بجوار رسوله، ما فارق نبينا العباس، ما فارق رسول الله، بل كان ممن يأخذ ببغلته، وكان العباس ممن عرف عنه من طبيعته، كان جهوري الصوت، له صوت قوي، والناس كذلك في هذا العالم، في هذا العالم معروف بعضهم يشتهر بصوته الضخم الجهوري. وكان العباس رضي الله عنه من هؤلاء، فاستعان به نبينا، قال نبينا: يا عباس، نادي بالناس، نادي، فبدأ ينادي، طبعا النداء ليس بعموم، لكن بخصوص من يعلم منهم نبينا الثبات، قال: نادي بأصحاب الشجرة، فأخذ ينادي العباس: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب البيعة، ينوع العبارات، ثم أخذ ينادي: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، وهكذا ينادي بطنا بعد بطن، وصفة بعد صفة. الذين رجعوا ممن يأتيهم النداء سمعوا، علموا أن هذا العباس، وأن العباس بجوار رسول الله، وأن نداء العباس هو نداء الرسول، حين ماذا كانوا يلتفتون؟ يلتفتون كما قال الراوي: كالتفات البقر على صغارها، مباشرة يرجعون، حتى أن بعضهم إذا وجد أن الدابة ما ترجع معه لكثرة ازدحام المنسحبين، ينزل من على الدابة، ويتوجه برجليه إلى النداء. حتى توجه جماعة من الناس إلى رسول الله، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل إلى جهة صفوف الكفار، وهكذا بدأ الناس بالتراجع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان حينها نبينا من أجمع الناس، حتى كان يقول الصحابة: ما نعلم الشجاع إلا من هذا، رسول الله الذي بجواره هذا الشجاع، لماذا؟ لأن النبي كان في الصف الأول، صلوات ربي وسلامه عليه، وكان يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وكان يدخل، عليه الصلاة والسلام، الآن حمي الوطيس، ويدخل. حتى أن العباس كان يخشى على رسول الله، كان يأخذ ببغلته البيضاء، عل وعسى أنها تنكف من السرعة، ونبيه يمشي، وصحابة من بعده، حتى استطاعوا أن يلحقوا برسول الله. استعان نبينا صلى الله عليه وسلم بآية من آيات الله، أن أخذ حصيات من الأرض، رم بها، قال: إن هزموا ورب الكعبة، رم الحصيات بهذا الجيش، ومن آية الله أن هذه الحصيات والغبار الذي بيده وزعه نبينا، ونشره بين كافة الكفار، حتى أصاب عينهم، ما أصابهم. قال الراوي: فوالله بعد أن رمى رسول الله هذه الحصيات، وجدت أن حدهم قد كل، وأن أمرهم قد ادبر، يعني بعد هذه الرمية، وهذه آية من آيات الله لرسوله، بدأ ماذا؟ الهزيمة تظهر على الكفار. حينها تغيرت الكفة، كما يقال، بدل من أن يكون الغلبة لأهل هوازن، ثبت الله سبحانه وتعالى أهل الإسلام، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، فثبتهم، وأنزل السكينة إلى قلوبهم، وأنزل معهم الملائكة قاتل معهم. ﴿وَأَنزَلَ رَبُّكُمُ الرُّجْزَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنزل ربنا جل وعلا الهزيمة على الكفار، الكفار منهم من قتل، منهم من أسر، ومنهم من فر، الذي فر ستكون لنا معهم وقفة. قبل هذا نبينا صلى الله عليه وسلم استطاع، لأن في المعركة ما بقي أحد، إما قتل، وإما أسر، وإما فار، قد فر، بقية الغنائم، الغنائم كما قلنا، تخيل أن ذاك الزعيم الذي أمر من معه بأن يأتي بأهله وصبيانه وعياله وأمواله، كم وكم؟ وتخيل عشرين ألف مقاتل. عدد السبي، عدد السبي، أي الأنفس الذي وجدوها غنيمة، ستة آلاف، وعدد الإبل الذي غنمها المسلمون، أربع وعشرين ألف إبل من البعير، وعدد الأغنام، أربعين ألفا من الغنم، تخيل لو أن الواحد فقط يتخيل عشر من الإبل، يتخيل مئة من الإبل، ألف، وأنا أتحدث عن أربع وعشرين ألفا من الإبل. وعندما أتكلم عن السبي، تخيل أتكلم عن مئة من السبي، ألف من السبي، لكن أتحدث عن ستة آلاف من السبي، شيء كبير، من الغنائم تركه المسلمون، وكما قال دوريد بن الصمة لذلك القائد: إن المنهزم إذا انهزم لا تردوا هذه الأشياء، وصدق، معنى وكافر، لكن صدق. ذهب الكفار يمنة ويسرة، وترك الأغنام، وترك الإبل، وترك الصبيان، وترك النساء، وأخذها المسلمون، وسيأتي معنى أن النبي أخذ هذه الغنائم، وتركها في جعرانة، ولم يقسمها إلا بعد ليال، سيأتي معنى الحكم من التأخير. الجيش الذي كان من هوازن، والذي قتل قتل، والذي أسر أسر، والذي فر، هم على قسمين، قسم أول من هوازن أراد أن يرجع إلى أوطاس، إلى بلده، نبينا ما أراد الرجوع، فأرسل كتيبة في ملاحقة هؤلاء، حتى يقضى على هذه الجيوب، هي من آخر الجيوب. فأرسل نبينا أبا عامر الأشعري، أرسل أبا عامر الأشعري لكي يدرك هؤلاء الفارين من أوطاس، ويقاتلهم، فذهب أبو عامر رضي الله تعالى عنه الأشعري إلى ملاحقة من فر من هوازن إلى أوطاس، واقتتل منوشات وقتال. ومما صار في هذه الملاحقة، أن كافر من الكفار رمى بسهم على هذا الأمير، أمير السرية، وهو أبو عامر، فأصابه بركبته، فأصابه بركبته، فجاء إليه أبو موسى الأشعري، وأبو موسى الأشعري ابن أخ أبي عامر، فقال: يا عماه، من أصابك؟ أي من الذي رماك بالسهم؟ فأشار أبو عامر: فلان، فأشار إلى رجل بعيد، قال: هذا الذي رماني بالسهم. فأخذ أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وأخذ سيفه ورمحه، وأصبح يدرك هذا الرجل الذي فر، والذي هرب، فلا زال أبو موسى يلحقه ويقوله: ألا تستحي؟ ألا تستحي؟ ألست بعربي؟ تفر؟ ألا تقاتل؟ فحين أخذته النخوة، الكافر، فقاتل أبو موسى، فقتله أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ثم رجع إلى عمه، قال: يا عماه، قد قتل الله صاحبك، قد قتل. فلكن أبو عامر ما جلس إلا يسيرا حتى مات، متأثرا بجراحه، فقام أبو موسى وأخذ الراية، وقضى على هذه الجيوب في أوطاس، إلا أن أبو عامر قبل أن يموت، قال: يا ابن أخي، إذا انطلقت إلى رسول الله، فأقرئه مني السلام، وسله أن يستغفر لي. فلما رجع أبو موسى إلى رسول الله، فأخبره بالخبر، وما كان من استشهاد أبي عامر، وأنه يطلب منك أن تستغفر له، فرفع نبينا يديه إلى السماء، قال: اللهم اغفر لأبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك. حينها طمع أبو موسى في هذا الدعاء، قال: يا رسول الله، ولي، وادع الله لي، فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس، وادخله مدخلا كريما، وهذا الحديث في صحيح مسلم. هذه إذن طائفة التي فرت إلى أوطاس، انتهينا منها، بأن أبو موسى الأشعري ألقى عليهم الهزيمة، الطائفة الثانية، وهي التي فيها الزعيم مالك بن عوف، ذهبوا إلى الطائف، وهذه ستأتي معنا في درس غد، لأنها غزوة بحال، لأنهم تعسكرت في قلعة كبيرة جدا. وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: قال وبعده قد أوردوا ما كان في يوم حنين، ثم يوم الطائف، يوم الطائف تبع ليوم حنين، لأن ممن هرب من هوازن، من ذهب إلى أوطاس انتهينا منهم، ومنهم من ذهب إلى الطائف، وسأتي هذا معنا في درس غد، في كيفية تعامل أهل الإسلام مع من تعسكر في الطائف. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.