شرح العقيدة الواسطية 4

شرح العقيدة الواسطية 4

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الصلاة على النبي وشرح كلمة 'أما بعد'

يبدأ الدرس بالكلام عن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله، ثم ينتقل إلى شرح معنى 'أما بعد' واستخدامها في الانتقال من المقدمة إلى الموضوع الرئيسي.

اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة وأهل السنة والجماعة

يشرح الدرس اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة التي تمسك بدين الله وسنة نبيه، ويوضح أن هذه الفرقة هي نفسها الطائفة المنصورة وأهل السنة والجماعة.

توضيح معنى الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وبيان نصرتهم بالحجة

يتناول الدرس توضيح معنى الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ويبين أن نصرتهم تكون بالحجة والبرهان والبيان دائما، كما يشير إلى أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. مر معنا قول مؤلفنا -رحمه الله تعالى- وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً مزيداً. مرت معنا المسائل الأولى حول معنى الشهادة ومعنى محمد، وكيف الجمع بين الوصفين بين العبودية والرسالة، وأن العبودية مقام حميد ومقام عظيم، ولهذا بدئ به كما جاء في ذلك الأثر: «وإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً. صلى الله، أنك تخبر بأن الله صلى على نبينا عليه الصلاة والسلام، قد مرت هذه المسألة معنا، لكن من باب تجديد الفائدة قلنا أن صلاة الله على نبينا مما اختلف به العلماء، والمشهور عند عامة الناس، بل المشهور عند جمهور أهل العلم على أن صلاة الله على نبيه بمعنى الرحمة، وصلاة الملائكة على نبينا بمعنى الاستغفار، وصلاتنا نحن -أي البشر المسلمون- صلاة على نبينا بمعنى الدعاء. ذكرنا أن هذا مما انتقد، وأشرنا إلى رسالة مفيدة في هذا الباب، وهي «جلاء الأفهام» للعلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-، «جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام»، رسالة خاصة متعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من حيث معانيها وتعاريفها، ومن حيث أحكامها، ومن حيث فضائلها، ومن حيث أوقاتها، بحث مفصل في قضية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ومما يُذكر -إخواني في الله- كذلك في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أي تدعو لرسول الله عليه الصلاة والسلام بأن الله يُسلِّمه، بأن الله يُسلِّمه من الآفات، يُسلِّمه من الأضرار، يُسلِّمه من كل شيء، فتدعو له بالسلامة، سواء كان في حياته أو بعد ما مات. فإذا في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أنك يا عبد الله تحرص على أنك تجمع بين الصلاة والسلام: «صلى الله عليه وسلم»، «صلى الله عليه وسلم»، «صلى وسلم»، تجمع بين الصلاة والسلام، هذا هو الأفضل لنص القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾، «صلوا عليه وسلموا»، تجمع. لكن تأتي مسألة تنبثق عن هذه المسألة، ما لو أن أحداً اقتصر، ما لو أن أحداً اقتصر في السلام أو اقتصر على نبينا بالصلاة دون السلام، فقال: «اللهم صلِّ على محمد»، «اللهم صلِّ على محمد»، «اللهم صلِّ على محمد»، يمكن يجعلها ورد أو جعلها ذكر، لكنه اقتصر على الصلاة، ما حكم فعله؟ من أهل العلم من ذهب إلى الكراهة، وهذا المشهور عند الشافعية، الحكم عليه بالكراهة، وصرَّح بذلك الإمام النووي -رحمه الله-، واستدل هؤلاء بدليل الاقتران: «صلوا عليه وسلموا»، لكن الصحيح أن الاستدلال بالاقتران دلالة ضعيفة. ذهب جماعة من أهل العلم في مسألة الاقتصار على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون مكروهة بشرط إذا تكرر وأصبحت هذه عادة، أصبحت هذه عادة، فمن وجد أن ديدنه دائماً «اللهم صلِّ على محمد»، «اللهم صلِّ»، «اللهم صلِّ على محمد»، «اللهم صلِّ» فقط دون أن يذكر السلام، وأصبح هذا طبع وغرض يسير عليه، يكره. المذهب الأول لا يشتغل التكرار، بل لابد، فإن وقعت ولو مرة واحدة فوقعت في أمر مكروه. أما الحافظ بن حجر -رحمه الله تعالى- إنما يجعل كراهة لمن كان هذا ديدنه. والصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنه لا كراهة، وأن الأمر جائز، وأن الأمر جائز، لك أن تأتي بالصلاة لوحدها ولو لم تعقبها بالسلام، ولهذا يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: «وأما الجمع بين الصلاة والسلام فهو الأولى والأكمل والأفضل»، فهو الأولى والأكمل والأفضل، وهذا هو الحق. من أراد الأولوية يجمع، من أراد الأفضلية يجمع، من أراد كثرة الأجر فليجمع، يجمع بين الصلاة والسلام، لكن إن اقتصرت على الصلاة فليس في ذلك شيء، لا كراهة ولا غيرها. كذلك مما يذكر من فوائد الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام أنك إن سلمت على رسول الله تجعل فيها مزية توكيد، إذا جمعت بين الصلاة والسلام، إن استطعت اجعل للسلام مزيد توكيد، لماذا؟ لنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، «صلوا عليه وسلموا تسليما»، فجعل ربنا جل وعلا التسليم يعود للسلام، يعود للسلام، فدل على أن السلام لو أمكنك أنك يا عبد الله تزيد، أنك تزيد. ولهذا المؤلف ماذا قال هنا؟ «صلى الله عليه وسلم تسليما مزيدا»، «تسليما مزيدا»، حرص المؤلف -شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى على أن السلام يضاف له وصف زائد، وهذا كما قلنا للوقوف على ظاهر نص القرآن. فمن استطاع أن يفعل بالمزيد فليأتي به. قال: «صلى الله عليه وعلى آله»، الصلاة على الآل، لماذا أتى بها المؤلف -رحمه الله-؟ أتى بها المؤلف -رحمه الله تعالى- لأنه ثبت في الشرع الصلاة على الآل، وذلك ما في حديث التحيات، كما في حديث التحيات، حديث التشهد: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد». ولهذا فكان من عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الصلاة أنك تصلي على الرسول لنص القرآن، وأن تصلي على آله، وأن تصلي كذلك على آله، واختلف العلماء من هم الآل؟ واختلف العلماء من هم الآل؟ منهم من قال: هم أتباعه إلى يوم الدين، كل من كان تبع لرسول الله فهو من آل نبينا. والقول الثاني: من قال: هم أزواجه وذريته. وقيل: هم الأتقياء من أمته، آله هم الأتقياء من أمته، ليس كل أحد من كان تقي من كان تقي فهذا يكون ويعد من آل نبينا. فالقول الأول: الأتباع. والقول الثاني: الأزواج والذرية. القول الثاني: الأتقياء. والقول الأخير، وهو الراجح لظاهر الأدلة: هم الذين تحرم عليهم الصدقة، وهم آل علي وآل جعفر وآل عباس، آل العباس وآل جعفر وآل عقيل، هؤلاء تحرم عليهم الصدقة، وهو أضمن أربع بيوت. الصحيح أنهم يدخلون في معنى الآل، ويدخل كذلك الأزواج، أزواجه فهم من آل بيته، أزواجه هم كذلك من آل بيته عليه الصلاة والسلام. وكلمة «آل» اختلف العلماء فيها من أين مشتقة؟ قيل: أنها مأخوذة من «أهل»، آل محمد أي أهل محمد، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، حيث أن الهاء قلبت ألفا: «أأل محمد»، ثم خففت: «آل محمد». لكن العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ينتقد هذا بشدة، وذكر ستة ردود على هذا المعنى وعلى هذا التخريج، وأن «آل» ليست معناها «أهل». مسألة كذلك مهمة في هذا الباب، هل يشترط في ذكر الآل أو في ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنك لابد أن تأتي بالآل؟ هل لابد أنك إن صليت على النبي أنت ملزم بالإتيان بالآل؟ الجواب: لا، أنت لست ملزم، فلك أن تقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، أو تقول: «اللهم صل على محمد»، «اللهم صل على محمد» لوحدها، أو تقول: «اللهم صل على محمد وعلى آله»، لك هذا ولك هذا. ومن شدد في هذا المقام كالإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- ليس بصحيح، الصنعاني وغيره من بعض العلماء، خاصة من العلماء اليمن، يرون أنه لابد أن تذكر الآل، لابد، بل حتى أن الصنعاني -رحمه الله تعالى- هو كلام وأخذ يلمز بعض العلماء: لماذا تركتم الصلاة على الآل؟ ليش؟ بل حتى أصبح يشير أن بعضهم إنما ترك الصلاة على الآل خوفاً من السلطان، هذا ليس بصحيح. أن تحمل هذا المحمل، العلماء تركوا الآل لعلمهم أن الآل غير مجزوم في الصلاة على النبي، وأعظم دليل أين؟ أن النص قرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ﴾، هل عندنا هذا؟ «صلوا عليه وعلى آله»، «صلوا عليه وسلموا تسليما»، فلو أن أحداً أخذ بنص القرآن فقال: «اللهم صل على محمد»، أخذ بنص القرآن، ما أعتب، فما يفعله. ما ذكره الصنعاني -رحمه الله تعالى- في بعض كتبه من أنه شدد النكير على أهل السنة، خاصة من ترك الصلاة على الآل، هذا ليس بصحيح. ولهذا تجد أن بعضهم الزيدية والشيعة، وقس أمثال هؤلاء ممن يعظمون آل البيت، يجعلون أن من آكد الصلاة أن تصلي على الآل، لابد، تسمع: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»، هذا لابد، «آل محمد» أصبح هذا شعار عندهم، عنده أن الصلاة ما تصح إلا بالآل، وهذا خطأ، هذا ليس بصحيح. وكما قلنا النص القرآني يدل على ذلك، كذلك قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «صلى الله عليه وعلى آله وصحبه». الصحب: جمع صحابي، وكل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، وكل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. وسيأتي معنى في الواسطية -بإذن الله- مقام خاص متعلق بفضل الصحبة، وما ينبغي عليهم، وما ينبغي لهم من الحقوق. فعرج ودرج أهل السنة على ذكر الصحابة في باب الصلاة، فتصلي وتقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد»، «وعلى أصحاب محمد»، وذلك لعظيم منزلتهم، فهم يدرجوا عند أهل السنة في الصلاة. وأهل السنة يجمعون بين الآل والصحب، كما فعل المؤلف: «اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه»، «آله وصحبه»، يجمعوا أهل السنة بينهم في الصلاة، لماذا؟ للرد على طائفتين: للرد على الناصبة، وهم الذين ناصبوا العداء لآل البيت، وهكذا الرد على الرافضة، والرد على الرافضة الذين أعلنوا العداء لأصحاب رسول الله. فعندنا هاتان الفرقتان: الناصب والرافضة، الناصب ضد آل البيت، والرافضة ضد الصحابة، فقام أهل السنة وجمعوا بين هذين الجيلين، وجعلا لهم منزلة. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: «أما بعد»، «أما بعد»: هذه كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، هذه الكلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، ما ذكر المقدمة، ما ذكر المقدمة، فكيف يعلم السامع والمتكلم أنك دخلت في الموضوع؟ إذا رأى منك «أما بعد»، حينئذ إشارة إلى ما سيأتي هو الشروع في المقصود. ولهذا بعضهم يعبر عن فائدة «أما بعد» قال: بأنها الانتقال من المقدمة للموضوع، «أما بعد» هو الانتقال من المقدمة للموضوع. واختلف العلماء من أول من قال «أما بعد»؟ ذهب جماعة من المفسرين إلى أن داود -عليه السلام- هو القائل لها، وهو الذي أنشأها، حتى أن من المفسرين من يقول في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، قالوا: «فصل الخطاب» هو قوله «أما بعد»، هكذا ذهب جماعة من المفسرين، لكن يحتاج إلى دليل. ومنهم من قال: أن سليمان -عليه السلام- هو الذي قالها. وقيل: بأنه قيس بن ساعدة الأيادي، وهو من خطباء العرب من فصحائهم، قيل: أنه الذي أتى بها. وقيل: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك يحتاج إلى أدلة يحتاج إلى أدلة، والمسألة تفتقر لذلك. لكن نبينا كان يستخدمها، نبينا كان يستخدمها في خطبه، في خطبة الحاجة، يقول: «أما بعد»، فعينا خير الهدي، أو «فعينا خير الهدى أما بعد»، تجدها هكذا «أما بعد». والفائدة الثالثة في هذه الكلمة: وتجد أن بعضهم يختصرها ويقول «وبعد»، إما أن تأتي بكمالها «أما بعد»، ولك أن تختصرها «وبعد»، إما في كتابة وإما نطقا. الفائدة الرابعة: ما معنى «أما بعد»؟ قال علماء: التقدير هو: «مهما يكن من شيء بعد»، «مهما يكن من شيء بعد»، هذا معنى «أما بعد»، فما الذي صار هذه الجملة؟ «مهما يكن من شيء»: هذه الجملة حذفت وقدرت «أما بعد». ولهذا ذهبت إلى المفصلات تجد تريد أن تفهم ما معنى «أما بعد»: «مهما يكن من شيء بعد»، فيدخلون في الموضوع، فهذا معنى «أما بعد». الفائدة الخامسة في كلمة «أما بعد»: وهو أنك إن ذكرتها فاعلم أن ما بعدها لابد أن يستفتح بالفاء، إن ذكرت «أما بعد» فلابد أن تستفتح بالكلمة بعدها بالفاء، سواء كنت في خطبة أو كنت في درس أو كنت في كتابة، فقلت: «أما بعد»، فـ«أ» لابد، فـ«أ»، فاعلموا، فـ«أ»، «أما بعد فإن خير الهدي ...»، ننظر المؤلف ماذا قال؟ قال: «أما بعد فهذا ...»، هذا. قد يقول قائل: ولماذا هذا الالتزام من العلماء والكتاب والقراء؟ لماذا يلتزمون البداءة بالفاء؟ قال العلماء: لأنك الآن في جملة قد قدرت جملة شرطية، «مهما» اسم شرط، ويحتاج إلى فعل الشرط وإلى جزاء وجواب، فأين جواب وجزاء الشرط؟ الفاء، الفاء هو الجواب والجزاء للشرط. فلما قلت: «مهما يكون من شيء بعد»، فـ«اء»، فـ«اء» واقع في جواب الشرط، فلما تعربها تقول: فاء واقع في جواب الشرط، وأين الشرط؟ هو محذوف، تقديره: «مهما يكون من شيء بعد». الشاهد من هذا: أنك عند كلامك مثلا في كلمة في محاضرة في درس، فإذا قلت: «أما بعد»، بعض الإخوة ينطلق، «أما بعد»، «فإننا ...»، لابد أن تأتي بالفاء، وهذا مما ينبأ عليه الخطيب إذا خطب، وخاص إذا استفتح بهذه الكلمة. قال -رحمه الله تعالى-: «أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة». قال: «فهذه»، هذه مر معنا، الفاء ما يتعلق بها من أحكام، هذه اسم إشارة، المؤلف سيشير إلى ماذا؟ على التفصيل. إن كانت الرسالة -المتن الواسطية- قد كتب، قد كتبها شيخ الإسلام، ثم أحب أن يكتب مقدمة عليها، فقال: «فهذه»، فيكون الإشارة إلى شيء محسوس أمامه، إلى شيء محسوس أمامه. والقول الثاني: أن إذا قدرنا أن شيخ الإسلام ما ألف إلى الآن ما ألف الرسالة، لكن أتى بالقلم والورقة وبدأ يذكر المقدمة، وأين الرسالة؟ لا زالت في ذهنه سيكتبها الآن، طيب فيقول: «فهذه»، طيب يشير إلى ماذا؟ يشير إلى ما في ذهنه، يشير إلى ما في ذهنه. فحينها هنا الإشارة إلى أمر غير محسوس، إلى أمر غير محسوس. فقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: هذه إشارته إما إلى أمر محسوس، وهذا في حال أن الكتاب قد ألف، وأنه كتب المقدمة بعد الكتاب، أو أن الإشارة تحمل إلى أمر غير محسوس، وهذا إذا كان الكتاب لم يكتب، إنما لا زال في ذهنه، ويكون بهذا قد كتب المقدمة قبل الكتاب، فيفهم هذا في قضية الإشارة هنا. قال: «فهذا اعتقاد»، كلمة «اعتقاد» قد مرت معنا في الدرس الأول، عندما تكلمنا حول مسألة العقيدة الواسطية، على مسمى الرسالة، أطنبنا الحديث عن كلمة «عقيدة»، ما يتعلق بمعناها اللغوي واشتقاقاتها، وعرجنا على معناها الاصطلاحي عند العلماء، فلا إعادة. قال: «فهذا اعتقاد الفرقة»، «الفرقة»: الفرقة بمعنى الطائفة من الناس، «الفرقة» بكسر الفاء هي الطائفة من الناس. قال: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية»، «الناجية»: اسم فاعل، «الناجية»: اسم فاعل، أي من نجى إذا سلم، من نجى إذا سلم، والمقصود بأن هذه الفرقة ناجية بمعنى أنها قد سلمت أو نجت. طيب قال العلماء: ونجاتها في الدنيا والآخرة، فهذه الفرقة الناجية وصفت بأنها ناجية لأنها نجت في الدنيا والآخرة. قال العلماء: نجت في الدنيا من البدع، ونجت في الآخرة من عذاب الله، نجت في الدنيا من البدع والشوائب، سلمها الله جل وعلا، نجاها من المحدثات. لما كان من تمسكها بدين الله، وهي كذلك ناجية يوم القيامة أن ينجيها الله من عذابه ومن سخطه. والدليل على أن هذه الفرقة ناجية ما جاء في السنن من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود على 71 فرقة، وافترقت النصارى على 72 فرقة، وستفترق هذه الأمة على 73 فرقة»، هذا الحديث صححه جمع من الأئمة. فغرض صححه الإمام الحاكم والذهبي والعراقي والشاطبي، وهكذا شيخ الألباني -رحمه الله-، جاء عند أبي داود: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»، فهذه الفرقة الوحيدة التي خلصها ربنا جل وعلا من باقي الفرق، فسلمها الله، فسلمت، فهي ناجية، نجت. وفي رواية أخرى لهذا الحديث قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وهذه اللفظة الأخيرة متكلم فيها، لأن من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أنعم الأفريقي، عبد الرحمن بن يزيد بن أنعم الأفريقي متكلم فيه، وبعض العلماء يصحح الحديث لكثرة شواهده. قال -رحمه الله تعالى-: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة»، من وصف هذه الفرقة بأنها ناجية، وبأنها كذلك منصورة، وهذا الوصف قد ثبت للفرقة الناجية في الصحيحين، فقد جاء في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم»، وهذا الحديث ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة، ومن حديث معاوية، وجاء أيضا في مسلم من حديث عقبة بن عامر. وجاء في مسلم من حديث عقبة بن عامر، وهذه الفرقة المنصورة، قال العلماء: أن نصرها يكون في مقامين اثنين، الطائفة المنصورة نصرها يكون في مقامين اثنين، أولا: نصرها بالسيف والسنان، نصرها بالسيف والسلاح والسنان، وهذا يكون أحيانا، أحيانا. والمقام الثاني: أن نصرها يكون بالحجة والبرهان والبيان، نصرتها يكون بالحجة والبرهان والبيان، وهذا النوع من أنواع النصر دائما، دائما، نصرتها بالحجة والبرهان والبيان، وهذا يكون دائما. فالمقام الأول هذا يكون أحيانا لها وأحيانا عليها، فقد ينصرهم ربنا على أعداء الدين فيملكون زمام الأمور ويتسلطون على رقاب الكافرين، هذا قد يكون، وقد لا يكون. لكن في باب نصرة بالبيان والعلم والحجة، فهذه الغلبة دائما لأهل السنة، هذه الغلبة دائما تكون لأهل السنة، ولماذا تكون غلبة دائما لهم؟ لأنهم يعتمدون على وحي الله، ومن استمسك بوحي الله من أين تأتيه الهزيمة؟ ما أحد يمكن أن يهزمه، لا أحد، رجل عنده كتاب الله والسنة على فهم سلف الأمة، من هذا الذي يستطيع أن يغلبه؟ لهذا ما أحد يستطيع، ما أحد يستطيع أبدا أن يغلب أهل السنة في باب المناظرات، ما أحد، لو ترجع إلى ما وقع للإمام أحمد في فتنة خلق القرآن، كيف كان إفحام الإمام أحمد؟ اقرأ في ترجمته، كان يجرجر بالسلاسل، يجرجر بالسلاسل حتى تقام له المناظرة، تقام له المناظرة، ويخير إلى هذا الرجل، ما عنده قدرة، مغلوب على أمره، السلاسل في يده والأصفاد في قدميه والأغلال في رقبته، فيقوم الوالي ويأذن، تبدأ المناظرة، يناظروه في مسألة خلق القرآن، وهؤلاء من العلماء من أهل البدع والأهواء، كل جالس متكئ، مشغول ذهنه في كيفية أن يدلي بشبهة في الرد على الإمام أحمد. فيبدأ الأول بالإدلاء بالشبهة، فيردها الإمام، الثاني يردها الإمام، الثالث يردها الإمام، فلا يزال يتابعون بإلقاء الشبه، وهو -رحمه الله- بالأصفاد يرد، يرد، يرد، يرد، حتى أن السلطان انفجر قال: «ويحكم ردوا عليه»، «ردوا عليه»، ما استطاعوا، ما استطاعوا يردوا عليه في هذا المقام، ما أحد يستطيع أن يغلب أهل السنة في باب الإقامة الحجة، ما أحد، لأنه الذي يستندون عليه على الكتاب والسنة، على وحي السماء، ومن هذا الذي يستطيع أن يتجرأ، يتجرأ على أن يحول بين كتاب الله ويغير من مسيرة القرآن؟ لا أحد، أو مسيرة السنة؟ ولهذا يقول أهل السنة في الطائفة المنصورة: نصرها إن كان بالسيف والسنان هذا أحيانا، وأحيانا، أما في الحجة والبيان هذا دائما، فالغالبة تكون لهم دائما. قال -رحمه الله تعالى-: «إلى قيام الساعة»، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، والمؤلف -رحمه الله تعالى- هنا أراد «إلى قيام الساعة» أي إلى قرب قيام الساعة، إلى قرب قيام الساعة، لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق. أما أهل الصلاح لن يوجدوا، لن يوجد أحد من أهل الصلاح، لن تجد مصلي، لن تجد موحد، لن تجد مؤمن، لن تجد أحد من الفرقة الناجية، ولا من الطائفة المنصورة، لأن الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان يرسل ريحا، يرسل ريحا، أليس من الحرير، وهذه الريح ستنتشر في المعمورة، فما من أحد من أهل الدين والإسلام والإيمان يجد هذه الريح إلا قبضت روحه، إلا قبضت روحه. وبهذا يكون الجمع لأرواح الصالحين، وأرواح المسلمين والمؤمنين، فمن يبقى؟ فحينها لا يبقى إلا الحثالة، إلا الكفرة من أهل المجون والفجور، وعلى هؤلاء تقوم الساعة، على هؤلاء تقوم الساعة، فتقوم الساعة على الأشقياء، تقوم الساعة على شرار الخلق عند الله. لهذا المؤلفون ما يقول «إلى قيام الساعة»، تظن بأن الساعة تقوم والطائفة موجودة، بأن ينفخ فيهم لا، لن يكن أحد هناك في هذه الساعة، لن تجد أحد من أهل الصالح يوجد في المعمورة، لأنه لقد قبض أرواحهم، قبض أرواحهم، فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، على شرار الخلق، وهذا الفضل من الله ورحمة. قال -رحمه الله تعالى-: «إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة»، إذن ما مر معنا من هذه الأسماء: الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وأهل السنة والجماعة، هذه كلها أسماء لجماعة واحدة، هذه الثلاثة التي ذكرها لنا المؤلف -رحمه الله تعالى-، فهذه الثلاثة هي أسماء لفرقة واحدة، لجماعة واحدة، تسميها إن شئت فرقة ناجية، إن شئت الطائفة المنصورة، إن شئت عبرت عنها بأهل السنة والجماعة. وقد مر معنا في دروس ومباحث خاصة حول أسماء الجماعة الحق، ولم يسموا كذلك بأهل الأثر، ويسموا كذلك بالسلف، أو ما يُعرف بالدعوة السلفية، بالسلفيين، فهذه من أسماء هذه الجماعة، هذه الجماعة. وأنهبنا في هذا المقام -إخواني في الله- أن نعلم أن إذا استقر هذا في أذهاننا أن نعلم أن الفرقة الناجية هي هي الطائفة المنصورة، هي هي أهل السنة والجماعة، يتبين لنا خطأ بعض الدعاة، عندما أتوا لنا بقسمة مستحدثة، لم يعرفها الأوائل، وما كانت عند سلفنا الصالح. وأي قسمة هذه؟ أنه قسم وفرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، حيث يجد وقد كتب في هذا بحثا في بعض رسائله، وخالوا صياغة أن الفرقة الناجية هي القاعدة العظيمة، العظيمة التي يدخل فيها كل منتمي لجماعة أهل السنة والجماعة، هذه كلنا من الفرقة الناجية. وأن من حمل الراية في الدفاع والذب عن منهج أهل السنة، فهذه الطائفة المنصورة، هكذا القسمة خرج بها صاحبها، أن الفرقة الناجية هي الإسم الأعم، فكل من دخل إلى سلك أهل السنة فهو من أهل فرقة الناجية. وأن من بعد ذلك رفع الراية، راية الدعوة والتبليغ والمنافحة والجهاد بالسيف، والجهاد بالسنان، والجهاد بالبيان، فهذا حينها ارتق به الحال فكان من الطائفة المنصورة. وللأسف أن هذا الكاتب عندما انتهى من بحثه كان لابد عليه أن يأتي بسلف، كان لابد عليه أن يأتي بسلف، فذكر في بحثه أن هذا وجد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه وافق على ذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-. أما ما يتعلق من حيث نرجع المصداقية في هذا الكلام، لما رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- حتى نتأكد: هل شيخ الإسلام صحيح فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟ فماذا رأينا؟ رأينا الذي أمامنا قال: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة»، أدمجها، دمج، فجعلها فرقة واحدة، لم يجعلها فرقتين، ولم يجعلها جماعتين، بجعلها هي هي هي فرقة واحدة: «الفرقة الناجية المنصورة». فأين يزعم ما يزعم به هذا الرجل من أن شيخ الإسلام وافقه أو له تفاصيل ذهب إلى ما ذهب إليه هذا الكاتب؟ الجواب: ما عندي شيء، بل عندي ما فيه رد على هذا الكاتب، من أن شيخ الإسلام ما يفرق، بل جعلهما أمرا واحدا. وأما ما نقله عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-، فإن سماحة الشيخ عبد العزيز قد أنكر ذلك، وقد سئل في الرياض: هل يا شيخ تفرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟ قال: «لا»، «لا»، «هما أمرهم شيئا واحدا»، حتى قال بعض الطلاب: ولم سئل عن هذا؟ قال: «كنت أسمع الشيخ ابن باز يقول: الطائفة المنصورة والفرقة الناجية واحد»، «واحد»، «واحد»، «واحد»، أي أنه واحد، ما هو اثنان. هذا الذي أثر وعثر عن فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-. ومن أعظم الأخطاء التي ما كان ينبغي أن يقع فيها هذا الكاتب: أنه ماذا فعل؟ أتى بكتابه وسلمه لشيخ ابن باز، وأراد منه التقديم والتزكية، فقام الشيخ وقرأ الكتاب، فقدم وزكى. فلما أعيد الكتاب لهذا الكاتب، ما الذي فعل؟ فتح الكتاب وأتى بالأوراق التي فيها التفريق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وأدخل هذا المبحث، ثم أغلقه وأعطاه المطبعة، فطبع، طبع على ماذا؟ على أن هذا الكتاب بما فيه من التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة قد قال به سماحة الشيخ بن باز، وهذا ليس بصحيح. وقد نُظمت رسائل مهمة في هذا المبحث لبيان هذا الضلال الذي وقع فيه الكاتب، وما كان من التغرير لعامة الناس بهذا الفعل، حيث غرر على بعضهم من أن الشيخ بن باز إنما يريد ماذا يرى التفريق؟ المسألة -إخواني في الله- والله لو كانت مسألة فقط علمية لهذا الأمر، لكن المسألة منهجية، المسألة منهجية. إذ أن هذا الكاتب ومن سار على جربه، ما الذي يريدون أن يصلوا إليه؟ عندما يفتح فرقة ناجية، طائفة منصورة، فرقة ناجية شيء والطائفة المنصورة شيء، أراد بذلك أن الفرقة الناجية يدخل فيها جميع الفرق، هذا الذي يريده، هي مسألة منهجية أصلاً، هو ما أباح، لكن معروف منها، شأن هذا الرجل أنه يقول: طيب «أخوان المسلمين» فرقة ناجية، هم من الطائفة المنصورة، لا، صفاتهم ناقصة، أدخلوهم في هذا الباب، لكن ذلك الباب خلوه مغلق لا يفتح لهم، يدخلوهم هنا. يا حية يا حية بمرأة، يا حية بالإخوان المسلمين حية، طيب أصلاً «جماعة التبليغ» أين هم؟ أدخلوهم فرقة ناجية، منهج أفيح، منهج أفيح، منهج واسع، أدخلوهم، أدخلوهم، طيب يا شيخ طلعهم الطائفة، طلعهم فوق في الطائفة المنصورة، لا، لا، وهكذا استطاع بهذا التفريق أن يدخل جماعات وفرق. هذا الذي دعا إلى أن يكتب هذا البحث ويستميت على التأصيل هذه الفكرة، حتى يتمكن أن يدخل هذه الفرق والجماعة تحت هذا المبحث، «الفرق الناجية»: اسم عام يدخل فيه من كان صالحا، من كان محبا للخير، أما «الطائفة المنصورة» هي للخواص للخواص من الناس. لكن علمتم -إخواني في الله- أن لم يصح عن أحد من السلف أنه قسم هذه الطائفة إلى طائفتين، وإنما هما كما قال شيخ الإسلام: «الطائفة الفرقة الناجية المنصورة». قال -رحمه الله تعالى-: «أهل السنة والجماعة». وأما وصف «أهل السنة والجماعة»، لا أطيل -إخواني في الله- في هذا المبحث، وفي دورة سابقة التي أقيمت في دار الحديث بالشحر، كانت لنا دروس منهجية وتطرقنا على هذه التسمية: تسمية «أهل السنة والجماعة»، وأشرنا ما المقصود؟ وما المغزى من هذه التسمية؟ ثم كان الكلام على خصائص دعوة «أهل السنة والجماعة»، فتكلمنا حول خصيصة السنة، وكيف أن أهل السنة من أشد الناس حر