الدرس في شرح كتاب التوحيد 88، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يشرح الآيات التي تتحدث عن خوف وفزع الملائكة من الله تعالى، ويبين ضعفهم رغم عظمتهم وقدرتهم، ليكون ذلك دليلاً على عجز كل المخلوقات أمام الله. هذا الباب هو تتمة لبيان ضعف المعبودات التي عُبدت من دون الله.
يفسر المقطع آية حتى إذا فزع عن قلوبهم ويشرح معنى الفزع والفرق بينه وبين الرهبة، ويبين تأثير الوحي الإلهي على الملائكة. كما يرد على من ينكر وجود الملائكة ويعتبر ذلك كفرا.
المقطع يثبت أن الآيات تتحدث عن الملائكة وليس عن المشركين يوم القيامة، مستندا إلى تفسير ابن كثير رحمه الله. كما يبين أن الأحاديث القادمة ستزيد هذا المعنى وضوحا.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾. هذا تبويبٌ جديد من أبواب كتاب التوحيد، أورده المؤلف رحمه الله تعالى بعدما أورد لنا الباب السابق، والذي فيه بيان لضعف وعجز المعبودات التي عُبدت من دون الله، فهي قاصرة عن نفع نفسها، فضلًا أن تنفع غيرها، كما أشرنا وبيَّن من خلال الأدلة التي استدلَّ بها المؤلف رحمه الله تعالى، وبما كان من كلام العلماء في شرحهم للآيات والأحاديث. ثم إذ بالمؤلف رحمه الله تعالى يبويب لنا هذا التبويب بعد ذلك بقول الله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم﴾. هذه الآية تتحدث عن الملائكة، كما سيأتي، ومن خلال التفسير العام للآية ستعلم يا عبد الله أن الآية تتحدث عن مدى خوف وفزع الملائكة من ربها جل في علاه، إذن الآية تتحدث عن موقف الملائكة وخشيتهم وفزعهم من الله عز وجل. فهذا الباب بالحقيقة هو تتمة لما مضى في بيان المعبودات التي عُبدت من دون الله، كيف أنها قاصرة، أنها ضعيفة أمام الله سبحانه وتعالى. هنا يأتي السؤال: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا المؤلف رحمه الله تعالى جعل الكلام عن الملائكة في فصل خاص؟ لماذا ما أدرج هذه الآية مع الآيات السابقات في بيان أن كل ما عُبد من دون الله ضعيف وعاجز، بل محتاج إلى الله؟ قال العلماء: المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا الفصل على حدة في بيان ضعف الملائكة أمام الله جل في علاه لأمرين اثنين. الأمر الأول: أن الملائكة ليست كباقي المخلوقات التي عُبدت من دون الله، إذ أنها من أعظم وأقوى المخلوقات التي عُبدت من دون الله. فأنت إذا جئت يا عبد الله في دنيا الناس وما عليه أهل الكفر والشرك والإلحاد والزندقة، وترى المعبودات التي عُبدت من دون الله وقارنتها، تجد أن من أعظمها وأكبرها وأضخمها هم الملائكة. ما هناك أحد -لا الأشجار ولا الأحجار ولا الخلق ولا البشر ولا الجان ولا العفاريت- يضاهي ملائكة الله جل وعلا، بماذا؟ بالحجم والضخامة والكبر. فهم خلق الله، خصهم الله جل وعلا بماذا؟ بعظمة لا يعلم بها إلا الله جل في علاه، فهم من أكبر وأعظم المخلوقات. زد على ذلك أن مما تميزت به الملائكة عن سائر المعبودات التي عُبدت من دون الله أنها من أقرب الناس منزلة إلى الله، فهم من أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فلعظيم قدرهم ومنزلتهم ومدى قربهم من الله عز وجل، وأيضا أضف إلى ذلك ما كان من عظم قوتهم وقدرتهم وضخامة أجسادهم. مع هذا وذلك، انظر الآن إلى هذه الآية، وهي تتحدث عن هذه المخلوقات التي عبدها الناس من المشركين، كالكفار قريش كانوا يعبدون الملائكة ويقولون عنها بأنها بنات الله، تعالى الله علوا كبيرا عن هذه المقالة. فهم كانوا يعبدون الملائكة ويعتقدون فيها الاعتقادات. فيقال لهؤلاء ولغيرهم: انظروا للملائكة، هم من حيث المنزلة أقرب المخلوقات إلى الله، ومن حيث القدرة والضخامة على أنهم من أفضل وأقوى وأعظم مخلوقات الله، مع هذا وذلك، فإن الله يحكي عنهم بأنهم يفزعون، وأنهم يخافون، وأن الرهبة تصيب قلوبهم أمام الله جل في علاه. فإذا امتثل الإنسان لهذا المستوى وعلم المراد من هذه الآية، حينها يا عبد الله ستستدرك كل المخلوقات وهي دون الملائكة من حيث المنزلة والقدرة. فهل تستحق أن تعبد؟ الجواب: ما تعبد، هذا في حق العاقل النصيف الحصيف الذي يعلم مدارك الأمور. في هذه الآية يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، حتى إذا فزع أي ذهب عنهم الفزع، إشارة إلى أن الفزع جاء ثم زال، هجم عليهم الفزع ثم ذهب. فالفزع وصلهم أولا، والفزع كما قال العلماء هو الخوف المفاجئ، هذا معنى الفزع في لغة العرب. الخوف المفاجئ يسمى فزع، أما الخوف المستمر ما يسمى فزع، وإنما يطلق عليه بعضهم بتسمية الرهبة، الرهبة هو الخوف المستمر، أمنه الراهب. أما الخوف المفاجئ يسمى فزع، أي يهجم عليه الخوف، هذا الذي وقع للملائكة، هجم عليهم الخوف ثم ذهب وأزيل. فعبر عن هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، والضمير للملائكة، عن قلوب الملائكة، دل ذلك على أن الملائكة لها قلب، دل على أن الملائكة لها قلب، وهذا إشارة إلى ما يتعلق بعالم الملائكة، فهم عالم حقيقي لا خيالي. وانتبه يا عبد الله إلى الأفكار، منها أفكار عقلانية يبثها بعض من لم يتمسك بالسنة ممن تأثر بتحرير العقل، كما يسمى، فيستبعد وجود ملائكة عالم حقيقي، يقول: لا، حتى وجدنا من بعض المفكرين ممن تأثر بهذه المدرسة العقلانية ممن يطلق على الملائكة بأنهم إشارة إلى عالم الخير، أو أن الملائكة هي كوامن الخير في قلب الإنسان، أو أو أو، وكل ذلك من التأويلات الباطلة التي تلغي عالم الملائكة. هذا ممن هم ينتمون إلى أهل الإسلام. ودع عنك كذلك يا عبد الله الأفكار الإلحادية التي انتشرت وطمت وعمت في مثل هذه الأزمان، ممن ينكر كل ما هو غيبي، الإلحاد نظرية تقوم على أساس الإيمان بالموجود وما خلف الموجود، أو ما يعبر عنه بما وراء الطبيعة، فهؤلاء يكفرون به، جاء به القرآن أو لم يأتي به القرآن، كل ذلك عندهم من الخزعبلات. فتجدهم في منتدياتهم وفي مواقعهم من هذه المدرسة الإلحادية، ولهم من ينظر لمثل هذه القواعد الباطلة الهدامة للدين، من ينظر كهذه النظرية من إنكار وجود الجان، إنكار وجود الشياطين، إنكار وجود الملائكة، وكل ذلك باطل. فالملائكة عالم حقيقي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومن أنكر الملائكة فقد كفر، ومن أنكر وجود الملائكة فقد كفر. فها هو ربنا جل وعلا يحدثنا عن الملائكة وعما يكون من حالة الفزع التي تصيبهم، وماذا يكون كذلك من أمر قلوبهم، قال سبحانه: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم﴾. متى تأتي هذه المسألة؟ متى تأتي الفزع إلى قلب الملائكة ثم يزال، ثم يكون هذا الاستفسار: ماذا قال ربكم؟ هذه المسألة توضحها الأحاديث التي سيأتي ذكرها في هذه الدروس القادمة بإذن الله، إذ دلت الأحاديث على أن من كان عند الله جل في علاه، فإذا علموا وسمعوا أن الله تكلم بالوحي، فالله يتكلم بالوحي، فإذا تكلم الله بالوحي كان من أمر الملائكة أن يصيبهم الفزع والخوف مما تكلم به الرب جل وعلا، فيخضعون لله، ويتمالكهم الفزع، فإذا انتهى ربنا من كلامه زال عنهم الفزع. والأحاديث التي ستأتي معنا ستدل على هذا التفسير الذي سمعتموه، وقد أشار العلماء إلى ذلك، كما ذكر ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، قال: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم﴾، أي بعدما ترتفع عنهم غشية الفزع، تسأل بعضهم بعضا: ماذا قال الله؟ أي من الوحي. وفي ذلك إثبات لصفة الكلام لله جل في علاه، وأن الله يتكلم بما شاء وكيف شاء، وأنه كلام حقيقي سبحانه، لا كما يقول المبتدع كالمعتزلة، يقولون: بأن الله يتكلم أي أن الله خلق الكلام، لا ما خلق الكلام. ولهذا ما قالت الملائكة: ماذا خلق ربكم؟ انتبه، ما قالت: ماذا خلق ربكم؟ وإنما قالت: ماذا قال ربكم؟ والقول من أساليب الكلام، فالله تكلم يتكلم بما شاء جل في علاه. كذلك في هذه الآية: ﴿ماذا قال ربكم﴾، فيه عندما قالوا: الحق، أي أنهم سمعوا الكلام الذي تكلم به الرب، إذن كلام الله يسمع، يسمع، وهذا فيه رد على الأشاعرة ممن يقولون: بأن الله يتكلم بكلام نفسي لا يسمع، لا، بل يسمع، بدليل هذه الآية، إذ أن الملائكة بعد ما زال عنهم الفزع تسأل بعضهم بعضا: ماذا قال الله؟ قالوا: أجابوا، قالوا: الحق. قالوا: الحق، أي أن الله كلامه حق، هذا الذي يراد بهذه الآية. قالوا: الحق، ولا يفهم من هذه الآية أن الله قد ينطق بالباطل، حاشا وكلا سبحانه، وإنما المراد بأن هذا هو الواقع، بأن الله ما ينطق إلا بالحق جل في علاه. فقالوا: ﴿قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾، فيه بيان لإثبات صفتين من صفات الله، أو من أسماء الله، بأن الله سبحانه وتعالى هو العلي، وهو الكبير. فالله جل وعلا هو العلي الذي له علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر سبحانه وتعالى، فله هذه العلو الثلاث: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، كما يثبته أهل السنة والجماعة. وهو العلي الكبير، الكبير بمعنى العظيم جل في علاه، هذا هو الله جل في علاه التي تفزع منه الملائكة. فمن هذا الذي يأتي بعد ذلك يأتي إلى معبوده الذي يعبده من دون الله ويجعله أعظم شأن من الملائكة؟ ما هناك أحد أعظم شأن من الملائكة، لا أعظم منزل، ولا أعظم قدرة. ثم بعد ذلك للأسف يأتي من يأتي من تأثر بمسألة الأولياء، فيعتقد في وليه -لا أقول أنه يعتقد في وليه أما يعتقده في الملائكة- بل يعتقد في وليه -ولا أقول ما يعتقده في الله- بل يعتقد في وليه أعظم ما يعتقده في الله، حتى أن بعضهم قال عن نفسه ينشد أبياتا ويقول: ونار الله أنا أطفيها، نار الله، نعم، ونار الله أنا أطفيها. من هذا؟ هذا كفر، هذه زندقة، هذا الشرك وإلحاد، نار الله تطفيها أنت؟ من أنت؟ مخذول أنت، عبد الحقير، ما أحد يدري بك، ما أحد يعلم بحالك، لكن عند أتباعك نعم، الذي استهوتهم الشياطين. فالشاهد إخواني في الله، هذه الآيات من الآيات العظيمات التي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل من خلالها أن المعبودات التي عبدت من دون الله، ومنها الملائكة والذين هم أعظم منزلة وأعظم قربا، هم هذا وصفهم عند الله جل وعلا، يصيبهم الفزع ويصيبهم الخوف من الله سبحانه وتعالى. هذا إخواني في الله هو التفسير الشهير لهذه الآية. وهنا أنبه على فائدة: ذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن هذه الآية لا تتحدث عن الملائكة، نعم، هذا قول ذهب به، وقال به جماعة من المفسرين، بعضهم يرى أن هذه الآية تتحدث عن حال المشركين يوم القيامة، فيقولون: أن معنى الآية: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا﴾، الخطاب عن المشرك يوم القيامة، إذا قامت القيامة، بعث الكافر من قبره ورأى الأهوال ورأى المخاوف، وانتابه من تابه من الزهول والرعب والذعر لما يرى، ثم بعد ذلك يعلم يعلم الحال، وأن اليوم هو يوم القضاء، والذي يفصل فيه ربنا بين العباد، فإذا زال الفزع عن الكافر بعدما يعود إليه رشده، فيقول بعضهم لبعض: قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق، أي ماذا قال الله في الذي أنزله في كتبه وأرسل إليه رسله؟ ماذا قال الله في هذا؟ قالوا الحق، أن يتندمون يتندمون، لكن في يوم لا ينفع فيه الندم، نعم، هذا التفسير قال به جماعة من أهل العلم، الإمام السعدي، الإمام السعدي رحمه الله يرى هذا التفسير، وهو أقرب للصواب. لكن الصحيح القول الأول، وهو أن هذه الآية تتحدث عن الملائكة، وهذا الذي قال عنه ابن كثير رحمه الله، وهذا الحق لا مرية فيه، أي أن الآية تتحدث عن الملائكة، ويزيد ذلك إيضاحا ما سيأتي معنا إن شاء الله في دروس قادمة عن الأحاديث التي توصف الملائكة بما جاء في هذه الآية الكريمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.