شرح كتاب التوحيد 105

شرح كتاب التوحيد 105

الدرس في شرح كتاب التوحيد 105، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث ابن عباس

يناقش شرح حديث ابن عباس في قصة أصنام قوم نوح ويتناول اختلاف العلماء في الحكم على صحة الحديث. يبين أن الأثر عن ابن عباس ثابت عند أكثر العلماء.

تفسير آية لا تذرن آلهتكم وأصل عبادة الأصنام

يفسر آية لا تذرن آلهتكم ويبين أن الأصنام كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح. يوضح أن الأمم كانت على التوحيد قبل ظهور الشرك.

تحذير من الغلو والكفر بسبب وساوس الشيطان

يؤكد على أن أمة الإسلام لا تؤمن بالخرافات الغربية ويشرح كيف يوقع الشيطان الناس في الشرك والغلو. يحذر من أخذ الدين من مصادر غير موثوقة.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الدرس بالإشارة إلى تتمة الحديث في الدرس القادم ويدعو الله أن ينفعهم بما قيل. يصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، في قول الله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. الحديث سيأتي معنا ذكر هذا الحديث بتمامه وكماله بإذن الله، وقبل الإشارة إلى شرح الحديث، إخواني في الله، نقف وقفة في قول المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن ابن عباس. هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه من قوله، إلا أن هذا الحديث من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وهنا اختلف العلماء في الحكم على هذا الحديث صحةً وضعفًا، وكل الكلام والمقام إنما يتحدث عن عطاء، الحديث من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، أنه قال: عطاء من هو؟ إن كان المقصود بهذا الإسناد عطاء الخرساني، فالحديث ضعيف؛ لأن عطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس، وإن كان عطاء في هذا الإسناد هو عطاء بن أبي رباح، فالحديث صحيح، أي الأثر صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فإذا قلنا: ابن جريج عن عطاء ابن مسلم الخرساني عن ابن عباس أنه قال، فهذا الأثر معل، وإن قلنا: ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، فالأثر صحيح. وابن جريج رحمه الله تعالى روى عن هذا وروى عن هذا، المسألة تحت أقوال العلماء، فمنهم من أعل القصة ولم يرَ ثبوتها، والصحيح والذي عليه أكثر العلماء أن القصة وأن الأثر عن ابن عباس ثابت. يدل على هذا عدة اعتبارات، وليس هذا المقام مقام تفصيل وسرد أقوال الأئمة، لكن يكفيك يا عبد الله وحسبك أن تعلم أن العلماء المتقدمين قد سلموا بصحة هذا الأثر، وما جاء الانتقاد إلا من عند المتأخرين. ثانيًا، أن هذا الأثر موافق للقرآن وبما هو من واقع العرب، فالأدلة الواقعية وقبل ذلك الأدلة القرآنية تدل على ثبوت هذه القصة، ولهذا القول، كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: والقول عندي أن ابن جريج روى هذه القصة عن عطاء بن مسلم الخرساني، وروى القصة كذلك عن عطاء بن أبي رباح، فإذا وجد الاحتمال، إذن فالقصة ثابتة. كما قلنا، الكلام في هذا المقام يطول، إذن القصة كما قال الإمام المؤلف رحمه الله تعالى: في الصحيح، أي في صحيح البخاري، قال عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿قالوا لا تذرن آلهتكم﴾، أي لا تتركوها، لا تتركوها، لا تتركوا الآلهة، حمل العلماء معنى الترك هنا على محملين اثنين. إما أنها بمعنى لا تتركوا عبادتها، بل تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، هذا المعنى الأول، وهو المتبادر، لا تذرن أي لا تتركوا عبادة الآلهة. والقول الثاني في تفسير هذه الآية: لا تذرن آلهتكم، أي لا تتركوا أن تسب، لا تتركوا أي لا تدعوا أحدًا يسبها أو يتطاول عليها، لا تذرن آلهتكم، أي لا تدعوا أحدًا يمسها بسوء، فكل من سولت له نفسه أن يتطاول على الآلهة بالطعن والقدح والسلب، فعليكم به، فلا تتركوا المجال لأحد أن يتعرض لها. ﴿ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، وهذا هو التخصيص بعد التعميم، فقوله: ﴿لا تذرن آلهتكم﴾، هذه عموم الآلهة، ثم جاء التخصيص، ما هذه الآلهة المعنية؟ هي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، هذه أسماء كما قال ابن عباس: قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. وهنا مسألة، إخواني في الله، بل عدة مسائل، هؤلاء الأشخاص كما أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم في الأصل هم أناس كانوا على خير، وكانوا على صالح، وكانوا على التوحيد، بل الأمم والقرون كانوا على التوحيد، كما جاء ذلك في عدة روايات، كما ثبت ذلك من حديث أبي أمامة الباهلي، من حديث رسول الله: أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، من لدن آدم إلى قوم نوح عشرة قرون، قرن بعد قرن، كلها على التوحيد، ما كان هناك شرك، ما كان هناك كفر. وبهذا نعلم، إخواني في الله، خطأ بعض المفكرين والمنظرين ممن يرى أن العقيدة تطورت، وأن العقيدة أول ما ظهرت بين الناس كانت عقيدة التعدد، تعدد الآلهة، ثم كان بعد ذلك التثليث، ثم كان بعد ذلك الثنوية، ثم بعد ذلك أتى التوحيد، هذا غلط، ما قال بهذا، أول ما بعث الله جل وعلا أنبياءه، آدم عليه السلام على التوحيد، ولا زال التوحيد في الأمم عشرة قرون حتى جاء ما جاء قوم نوح. وقبل بعثة نوح جاءت هذه المسألة، مسألة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، ثم عبدوا من دون الله، إذن كان هؤلاء على التوحيد، ثم ظهر الشرك بعد ذلك، فيه كذلك إشارة إلى مسألة، وفيه رد كذلك على أهل الجغرافيا وأهل من يتكلم عن حال الأرض، هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم، ثم خرج من بعده الذرية، فبقوا يعبدون الله جل وعلا إلى أن وقع الشرك في قوم نوح. في هذه الحقب الزمنية، إخواني في الله، هل هناك حقبة يمكن أن نطلق عليها حقبة الإنسان البدائي؟ الطلاب يعلمون في المدارس وفي الكليات والجامعات، بل حتى على مستوى الكادر التدريسي والكادر الجامعي، بل في التخصصات والكتب تدرس عن وجود هذه النظرية، عن وجود حقبة زمنية اسمها الإنسان البدائي، وهو ذاك الإنسان الذي هو لا يلبس من الثياب إلا ما يستر العورة فقط، ومعه تلك المطرقة أو العود الضخم، ويبحث عن لقمة عيشه، ولا يزال يجوب الغابات والأدغال. هذه الحقبة، إخواني في الله، أين وجدت؟ هل لها محل تاريخي؟ نعم، عند الكفار يبحثون عن التواريخ مثل هذه الحكايات، والدينصورات يبحثون لها عن زمن، ويقحمون ويغرسون هذه المفاهيم عن هذه أغلوطات تاريخية، نحن كأمة مسلمة ما نؤمن بهذا، نؤمن أن الله جل وعلا أول ما خلق آدم عليه السلام، ونفخ فيه من روحه، ثم خلق من ضلعه حواء، ثم كان من ذرية قابيل وهابيل، ثم أنزلهم الله إلى الأرض، ثم عبد الناس ربهم جل وعلا على التوحيد إلى أن ظهر الشرك في قوم نوح. هذه هي التي نؤمن بها، عشرة قرون على التوحيد، على عبادة الله، ما عندنا ما يسمى بالإنسان البدائي، هذه خرافة، أغلوطة، وما يسمى بحقبة الدينصورات التي يلصقها الغرب على أذهان العرب، على كافة الأمم، هذه أساطير ما أنزل الله بها من سلطان، قابيل وهابيل أحدهم كان يرعى الغنم، وآخر كان يحرث الأرض، غنم من تلكم الأزمان، ما عندنا دينصورات. فيا عبد الله، لا تأخذ دينك أو عقائدك من بلاد الكفر، فهؤلاء قوم الملاحدة يضحكون على الناس بهذه الترهات. فهذا الحديث الذي بين أيدينا، إخواني في الله، والذي يقول فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم. الحديث سيطول كلامه، الكلام علي كثرة فوائده، أن الشيطان لما رأى أن هؤلاء قد هلكوا وماتوا، أتى إلى أقوامهم فأوحى إليهم، والوحي في اللغة هو إلقاء بخفاء، هو إلقاء الشيء بخفية، هذا هو الوحي، ومنه الإيحاء، وأحيانًا الشيطان له قدرة، وهذا من تقدير الله، ومن قدرة الله للشيطان أنه أقدره على أنه يلقي الشيء في قلوب بني آدم. بل إن الشيطان يجري في عروق الآدميين، وهذا من تمكين الله تمكينًا للشيطان، وذلك من باب الابتلاء، فالشيطان يتمكن من الآدمي بأن يلقي في قلبه الأشياء، يلقي في قلبه الشرور، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لهذين الرجلين على رسلكما، على رسلكما، إنها صفية»، فقال: «سبحان الله»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني خشيت أن يلقي الشيطان في قلوبكما شيئًا»، وفي رواية: «شرًا»، فالشيطان يلقي في قلوب الآدمي الشر من الوساوس والظنون، بل والتشكيك في رب العالمين. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأتي إلى أحدكم فيقول له: من خلق السماء؟ فتقول: الله، من خلق الأرض؟ فتقول: الله، فيقول: ومن خلق الله؟ فإذا وصل أحدكم إلى هذا فلينتهِ»، وفي رواية: «فليستعذ بالله»، وفي رواية: «فليقل: آمنت بالله وبرسله». الشاهد، إخواني في الله، أن الشيطان له قدر على الإيحاء، فلما مات هؤلاء أهل الصلاح، ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، وكانوا في قرى متنافرة، في بلدان هنا وهنا، فلما ماتوا في جيلهم وفي زمنهم، قام الشيطان وألقى وأوحى إلى أقوامهم كيفية العبادة لهؤلاء. وسيأتي معنى أن أعظم طريقة توصل بها الشيطان إلى أن يعبد غير الله سبحانه وتعالى عن طريق الغلو، ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت هذا الباب في بيان أن الغلو من أعظم أسباب كفر بني آدم. وسأتي معنا بإذن الله تتمة الحديث مع ذكر فضائله وفوائده في درس غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.