الدرس في شرح كتاب التوحيد 129، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث ثوبان حول رؤية النبي مشارق الأرض ومغاربها وتفسير العلماء لها. يُفسر المقطع كيفية حدوث هذه الرؤية.
شرح حديث يدل على صدق نبوءة النبي محمد، حيث تحققت نبوءاته في الفتوحات الإسلامية وغزو كنوز كسرى والروم.
دعا النبي ربه ألا يهلك أمته بسنة عامة أو عذاب مستأصل، وقد استجاب الله لذلك، لكنه لم يمنع الاقتتال بينهم.
النبي لم يُعطَ منع هلاك بعض أمته لبعض، وهذا يظهر في الفتن الداخلية مثل الحروب بين المسلمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن ثوبان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض، ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بطوله، ولا زال فيه بقية تترك لدروس قادمة. هذا الحديث حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، والذي رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، يقول فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض»، زوى بمعنى جمع، أي أن الله جمع لي الأرض، قال: «فرأيت مشارقها ومغاربها»، أي جهة المشرق وجهة المغرب. وهذا الحديث في قوله: «فرأيت مشارقها ومغاربها»، اختلف العلماء هل هذه الرؤية منامية، أي أن النبي في منامه أراه الله عز وجل الشرق والغرب كله؟ هنا لا إشكال، أما أنها رؤية حقيقية، أي أن النبي استطاع أنه ينظر في اليقظة إلى شرق الأرض وإلى غربها؟ وهذا هو الظاهر أن هذه رؤية حقيقية ليست منامية. وعلى القول أنها حقيقية، كيف كانت؟ العلماء على قولين اثنين: إما أن الله سبحانه وتعالى صغر الأرض شرقًا وغربًا، أي أن الأرض هوئت لنبينا عليه الصلاة والسلام حتى كانت صغيرة، فاستطاع أن ينظر إلى جهة المشرق كله وإلى جهة المغرب كله، هذا وجه، وإما أن الرؤية الحقيقية في أن الله سبحانه وتعالى أعطى لنبيه قوة بصر حتى استطاع أن ينفذ ببصره جهة المشرق وجهة المغرب، وهذا كذلك الوجه الثاني وهو كذلك محتمل، فهذا محتمل وهذا محتمل، وليس في ذلك غرابة. والإنسان لا يتدخل بعقله في مثل هذه المسائل، يقول: كيف وكيف؟ لأن هذه من مسائل الغيب، والمسائل الغيبية لا يسأل عن كيفيتها؛ لأن أمرها وكنهها لله سبحانه وتعالى، يفعل ما يشاء. وهذا قد وقع لنبينا كثيرًا بأن الله عز وجل يطلع نبينا على أشياء ما يطلع عليه أحد من خلقه. قال: «رأيت الجنة والنار»، رآوا ناسًا يعذبون في جهنم، رآوا ناسًا ينعمون في الجنة، بل حتى رؤية حقيقية عندما في الإسراء والمعراج، عندما سأله الكفار على زعمك يا محمد بأنك صليت في بيت المقدس، صفه لنا، حتى أن الأمر كاد أن يطيش على رسول الله، فأوري عليه الصلاة والسلام البيت المقدس أمامه، فأخذ يصفه شرفة شرفة وبابًا بابًا عليه الصلاة والسلام، من الذي أطلعه؟ الله عز وجل، ورأى هناك، ولا نكارة ولا غرابة. ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «فرأيت مشارقها ومغاربها»، على محملين اثنين: رؤية حقيقية بحيث أن الله زوى أي جمع لنبينا الأرض، فصغرت حتى استطاع ينظر إلى الشرق كله والغرب كله، أو أن الله أعطى لنبيه قوة بصر فنفذ شرقًا وغربًا. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». وإن أمتي سيبلغ ملكها، أي ملكوتها وهيمنتها وسيطرتها، سيصل إلى هذه الأنحاء من الأرض شرقًا وغربًا، وهذا فيه علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنه أخبر بالأماكن التي ستكون فيها الفتوحات. إذ أن بعد موته عليه الصلاة والسلام، ثم جاءت الخلافة الراشدة: أبي بكر وعمر، بدأت التوسعات، عثمان رضي الله تعالى عنه بلغت الفتوحات مبلغًا واسعًا، ثم علي، ثم ملك بني أمية، لو تلاحظ هذه الأمم الإسلامية أين توجهت الفتوحات؟ كما قال عليه الصلاة والسلام: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»، وما الذي زوي له؟ الشرق والغرب. ففي جهة الشرق الفتوحات، وجهة الغرب الفتوحات، جهة الشرق إلى الصين شرقًا، وإلى الغرب إلى المحيط الأطلسي، كل هذه الأماكن نعم فُتحت للإسلام، أين الشمال والجنوب؟ قليل ما كانت الفتوحات، فمن أعلم ومن أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن ملك الأمة المحمدية سيكون أكثر ما يكون في الشرق والغرب؟ ما هو إلا وحي السماء، ما هو إلا خبر الله جل وعلا. وبهذا المؤمن يزداد إيمانًا ببعثته صلى الله عليه وسلم وبنبوته، وإن مثل هذه الأحاديث يستلهم منها المؤمن ما يقربه إلى ربه؛ لأن الاعتقاد يزيد والإيمان يزيد، فكلما زاد إيمانك زاد تقواك يا عبد الله، وهكذا عظم مقامك عند ربك. فلما تستشعر من هذا الحديث ما فيه دلالة على صدق خبره؛ إذ أنه أخبر وهو في زمنه قبل أن تظهر الفتوحات، أخبر أن فتوحات الأمة ستكون شرقًا وغربًا، وقد تحقق ذلك، تحقق ذلك حين تعلم أنه نبي من الله جل وعلا صدقًا وحقًا. قال: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض». وأعطيت الكنزين، أي مما أعطي لأمتي، فعطاء الأمة عطاء له عليه الصلاة والسلام، وهذا العطاء قد وصل لأمته بعد موته عليه الصلاة والسلام، وذلك إشارة إلى ما يكون من بسط الإسلام على مملكتي فرس والروم: كسرى وقيصر، وكانت تلكم أعظم الإمبراطوريات الموجودة في تلكم الأزمان. فقد كان هناك مملكة كسرى وهم الفرس، وهناك مملكة الروم ويقودها قيصر، فأشار نبينا إلى هاتين المملكتين بقوله: «وعطيت الكنزين الأحمر والأبيض»، الأحمر هو الذهب، والأبيض قال العلماء: هي الفضة والمجوهرات. وكانت مملكة الروم قيصر كانوا يعجبهم الأحمر الذهب، فكانوا يجمعونه، وأما مملكة كسرى وهم الفرس كانوا يعجبهم الفضة الأبيض مع المجوهرات، فلما قال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض»، إشارة إلى أن كنوز كسرى والروم ستكون لأمته، وقد وقع ذلك بما كان من الفتوحات الإسلامية. بل أخبر عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى بأن كنوزهما ستنفق في سبيل الله، ستنفق في سبيل الله، وحقق الله جل وعلا هذه النبوءة من نبينا عليه الصلاة والسلام، فأخذت كنوز كسرى والروم الأحمر والأبيض، وأنفقت في سبيل الله وعلى أهل الإسلام وفي سبيل رفع راية الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «وإني سألت ربي لأمتي»، وهذا من دعائه عليه الصلاة والسلام لأمته، ليس لنفسه، فقد كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا عليه الصلاة والسلام، قال: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكهم بسنة بعامة»، بسنة بعامة، الباء هنا زائدة جاءت للتوكيد، سنة عامة، والسنة هنا بمعنى الجدب والقحط، أو يأتي بمعنى العذاب المستأصل. فنبينا سأل ربه بأن الله عز وجل لا ينزل على أمته عذابًا يستأصلهم جميعًا، وكان هذا متوقع في بداية الدعوة، بداية أمرهم؛ إذ أنهم كانوا مجموعة، وكانت الإبادة ممكنة لو أنهم عصوا وعتوا عن أمر الله عز وجل، كما فعل بمن كان قبلنا: قوم ثمود وقوم هود وقوم شعيب وقوم لوط، أين هؤلاء؟ استؤصلوا جميعًا، ما ترك منهم أحد، هذا هو الهلاك بالعذاب المستأصل. أو ما يسمى بالسنة أو ما يسمى بالجدب أو ما يسمى بأي صورة، فذكر العلماء أن هذا الحديث بسنة أي بماذا؟ إما بجدب أو بهلاك مستأصل، فدعى نبينا ربه أنه لا ينزل على الأمة عذابًا يستأصلهم كباقي الأمم والحضارات السابقة. قالوا: «أن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم»، البيضة كما قال الجوهري: هي الحوزة، فيستبيح بيضتهم أي يستبيح ما بأيديهم، وأن النبي دعا ربه جل وعلا أن لا يهلكهم بإرسال عدو كافر غاشم يبيدهم ويستأصلهم. وكان ذلك كذلك يمكن في الزمن الأول، في غزوة بدر عندما خرج من خرج مع نبينا عليه الصلاة والسلام في اعتراض القافلة، فإذا بالكفار قد استعدوا بجيش أضعاف أضعاف ما عليه أهل الإسلام، فحينها دعا نبينا ربه: «اللهم انهلك العصابة، لن تعبد في الأرض، لن تعبد ما بقي أحد إلا هؤلاء، هؤلاء هم جند الله»، فكان هؤلاء لو سلط الكفار عليهم لأبيدوا. وكذلك في غزوة الخندق عندما جاءت الأحزاب من كل مكان وحاصروا المدينة، وهي الأساس في دولة الإسلام، فلو أن الله جل وعلا سلط الكافر حينها على أهل الإسلام لأبيدوا عن بكرة أبيهم، فكان من دعاء نبينا أنه لا يسلط عليهم عدوًا ماذا من غيرهم من الكفار؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة»، ولله الحمد، أي أنه ما هناك عذاب سينزل على هذه الأمة بحيث يستأصلهم كما فعل بمن كان قبلنا. قالوا: «وأن لا أسلط عليهم عدوًا»، وكذلك هذا من وعد الله أن الله لن يرسل علينا الكفار، وكان ذلك ما قلنا متوقع في بداية الأمر أن الكفار يسلطون على الإسلام، فحمى ربنا حوزة الدين بأن رد كيد الأعداء على نحورهم. قال: «وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا»، إلا في هذه المسألة ألا وهي أن الله جل وعلا لن يسلط علينا أعداء الدين لكي يبيدوا أهل الإسلام، لكن مما وقع علينا من قدر الله أن الله يبتلي بعضنا ببعض. وهذا الذي يحصل قديمًا وحديثًا، فلا زالت الحروب ولا زال القتال، بل ولا تزال الفتن بين بلاد المسلمين، هذا يعدو على هذا، وهذا يهجم على هذا، وهذا يستبيح أرض ذاك، وذاك يستبيح قبيلة بن فلان، فلا زال الاقتتال يدب بين أهل الإسلام، وأحاديث كثيرة تدل على هذا الأمر. ومنها أن النبي سأل ربه جل وعلا أن لا يهلكهم بجدب أو بسنة، قال: «فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك بعضهم بعضًا فما أعطانيها»، أما هذه لا، فإن هذا مما قدر على هذه الأمة، ما يكون من العذاب وذلك بأيدي بعضنا بعضًا، أن الواحد منا يحمل السلاح على أخيه، وهذه من الفتن العظيمة التي نجى الله من نجى من عباده. هذا ما يتعلق بهذا المقطع من الحديث، وبقية تترك إن شاء الله تتم في درس غد، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.