شرح كتاب التوحيد 263

شرح كتاب التوحيد 263

الدرس في شرح كتاب التوحيد 263، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في باب لا يرد من سأل بالله

يشرح المقطع أهمية عدم رد من يسأل بالله ويبين أنه من كمال التوحيد وتعظيم الله جل وعلا. يحذر من كثرة الحلف بالله إلا في الضرورة.

شروط وجوب إجابة السائل بالله وتفصيل الموانع

يجب إجابة السائل بالله إذا كان السؤال لشخص معين وكان المجيب قادرا على الإجابة ولا يوجد مانع. الموانع تشمل طلب ما فيه حرمة أو إعانة على المعصية أو ما لا يقدر عليه.

تفصيل حكم إجابة من سأل بالله

إذا سأل شخص بالله، فإن الحكم يختلف باختلاف الحالة، فقد يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا. يجب مراعاة المحاذير الثلاثة: عدم المعصية، والقدرة على الإجابة، وعدم المضرّة.

خاتمة الباب واستعراض معاني الأحاديث

يشير إلى قرب استعراض معاني الأحاديث الواردة في الباب واستنباط الأدلة والأحكام منها. يختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله فيما كنا عليه في درس الظهر في شرح كتاب التوحيد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب لا يرد من سأل بالله». هذا التبويب لهذا الباب من أبواب كتاب التوحيد، فقوله «باب» أي هذا مدخل لمعرفة حكم هذه المسألة وما هي. «لا يرد من سأل بالله» أي من حقيقة أهل التوحيد ومن حقيقة المسلمين أن من سألهم بالله لم يردوه. مثاله: كان يأتيك شخص ما ويقول لك: بالله أسألك، ما لا بالله أعطني كذا، فيسألك سائلا بالله جل في علاه. فهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب لا يرد» أي ما ينبغي لك أن ترد من سأل شيئا وقد سأله بالله عز وجل. وهذه المسألة وهذا الباب بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى الدلالة على تعظيم الله جل وعلا، على تعظيم الله سبحانه وتعالى. وهذا يعد من كمال التوحيد، وأن من كمال التوحيد ومن تعظيم العبد لله جل وعلا أن من سأله بالله ما رد. ذلكم لأن السائل عندما سأل بالله سأل بأعظم شيء في نفسه وهو التوحيد بربه، فكيف يرد؟ مع أنه إخواني في الله ما ينبغي للإنسان أن يكثر من الحلف، وهذه من الأشياء التي كرهها الشرع. «ولا تطع كل حلاف مهين، حلاف خرج مخرج الذنب». فبعض الناس للأسف يكثر من القسم والأيمان والحلف بالله على كل طلب، على كل طلب في الأمور الجدية والأمور الهزلية. سألتك بالله أعطني، بالله هذا أرني إياه، بالله عليك، فيكثر. لا، هذا ليس من تعظيم الرب عز وجل، هذا من استخفاف بحق الله عز وجل. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم كان نعم يقسم بربه، لكن في أمور شديدة، في أمور ضيقة النطاق، في أمور يحتاج إليها البيان. أما أنك تجعل الحلف على كل لسان وفي كل ساعة وآن، لا، هذا ليس من تعظيم الله. لكن أحيانا تجد أن السائل تمر عليه ظروف وشدة وقسوة، فما وجد بدا إلا أن يقسم بربه: سألتك بالله يا عبد الله أعطني. فأحيانا تجد أن الإنسان تضطره الضرورة والحاجة إلى أن يقسم بالله حتى تصدق دعوة، حتى تصدق دعوة، حتى تصدق دعوة. حينها على المسؤول وعلى السامع وعلى من توجه له الطلب بهذا القسم أنك لا ترد السائل، أنك لا ترد السائل، أنك لا ترد السائل. وهذا من صفات أهل الإيمان: «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم». فكون فلان يسأل: أعطني، أعطني، أسألك بالله أعطني، هنا تقف. ما دام سألك بالله عظم الرب عز وجل، لا تنظر إلى الطلب، لكن انظر بمن قسم، فهو قسم بالله، وأقسم برب العباد جل في علاه. ومن هنا ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب إجابة كل من سأل بالله. بعض العلماء يرى الوجوب: أنك كل من جاءك سائل وسألك سائلا بالله: سألتك بالله أعطني، فأعطه، أعطه يا عبد الله، لا ترده تعظيما لجناب الرب سبحانه وتعالى. إلا أن من أهل العلم من قسم المسألة إلى أقسام مفصلة، ما جعلها كلها على حد الوجوب. لا، قال: أحيانا يكون واجب إجابة السائل، أحيانا تكون مستحبة، وحيانا تكون مباحة. وهذه التفصيل ذكرها جماعة من المحققين. الصورة الأولى إخواني في الله، وهي متى يكون إجابة السائل واجبة عليك؟ إذا سألك بالله، قال علماء: يكون واجبة عليك إذا كان السؤال بأمر معين لشخص معين. انتبه لهذا القيد. جاءك سائل إليك أنت معين، أنت الآن، وسألك في أمر معين مخصوص، وقال لك: أسألك بالله أعطني، أو افعل، أو شيء من هذه الأمور. حينها قال العلماء: إذا كان السؤال لشخص معين على أمر معين، وجب عليك أن تؤديه وأن تحقق للسائل ما أراد. وهذا طبعا بشرط آخر، وهو أن يكون قادرا عليه، وما هناك مانع. قادر، وما هناك مانع. هنا تتفرع مسألة، وما هي الموانع؟ ما هي الموانع التي تسقط عني الوجوب؟ الموانع قال العلماء: مثلا الحالة الأولى أن يسألك ما فيه حرمة أو إعانة على المعصية، هذا لا يجوز أن تحقق رغبته. كما قلنا، هذا الصورة الأولى. يأتي بشيء معين إلى شخص معين، سائلا بالله: أسألك بالله، ماذا تريد يا عبد الله؟ أريد مالا، ماذا تريد؟ أشتري خمرا، هذا لا يجوز أن يحقق ما طلب، ولو أنه أقسم بالله، ولو أنه سأل بالله، لا يعطى ما أراد؛ لأنه سيستغل هذا المال أو هذا العطاء بما حرم الله. هذا من الموانع، فحين لا يجب عليك أن تعطيه ما أراد. الصورة الثانية من الموانع: أنه يسألك ما لا تقدر عليه، بمعنى أنك لا تملكه. مثلا يأتي عندك سائل ويسألك مبلغا بخما، مبلغا كبيرا، قل: يا أخي أسألك بالله. سألتك بالله امرأتي أمي في المستشفى وتحتاج لعملية، طيب كم يا عبد الله؟ عليه كذا كذا بالآلاف الدولارات، قل: يا أخي عبد الله ما أستطيع، لقد أسألتك بالله لا تردني، ولو ولو أنا ما أستطيع على هذا، هذا مبلغ ما أملكه، من أين أتيك به؟ فكونه إذا سألك بالله سائلا في مسألة أنت لا تقدر عليها أو أنك لا تملكها، فلا شيئا إذا رددت. قول: العفو منك، ما أستطيع، اعذرني. هذا صورة ثانية. الصورة الثالثة من الموانع: أن يكون هذا السائل يسأل بالله في أمر يعود بالضرر إما عليه وإما عليك، يعود بالضرر إما عليه وإما عليه. كأن هذا الشخص يسألك بالله: أسألك بالله أريد سلاحا، وأنت عندك أسلحة وعندك أشياء تستخدم للقنص ونحو ذلك، فجاءك هذا يريد سلاحا من هذه الأسلحة، وأنت تخاف عليه، وأنت تعلم أن هذا إذا أخذ السلاح وما استطاع أنه يتعامل معه بصرام وجدية، فإنه سيضر نفسه. حين قل له: أعذرني، يقول: سألتك بالله أعطيك، أبدا ما أستطيع، من مانع خشية الضرر عليه، أو أنك تخشى الضرر عليك. كأن يأتيك ويقول: أخي أسألك بالله اعطني السيارة أو اعطني شقة التي أنت تسكنها، كيف أعطيك السيارة أو شقة، ولا شقة بلا سكن، ولا مركوب. المعذرة، يعني دع سؤالك يكون معقولا. فهذه الصور الثلاثة هي الموانع التي تمنعك من إجابة هذا السائل وهذا الطالب، إما أن يسألك بالله معصية وما فيه معصية، أو يسألك بالله لشيء أنت لا تقدر عليه أو أنت لا تملكه، وثالثا أن يسألك ما فيه مضر عليه أو عليه. هذه الأشياء الثلاثة هي المحاذير التي تصلت عنك الوجوب. حينها لا تؤدي، ولا عليك أنك تلبي ما سألك به، وإن سأل بالله. إذن هذه الصورة الأولى، الصورة الأولى كما قلنا، وهي أن يأتي السائل إليك أنت، يأتي عندك، ويقول: يا فلان، نعم يقول: سألتك بالله، الله مستعان، أبشر، أريد منك كذا. فإذا كنت قادرا حينها وجب، وجب عليك أن تلبي، إذا كنت قادرا، لا تتوانى. سألك بأمر معين وأنت قادر عليه، فعليك أن تلبي. الصورة الثانية من حكم إجابة السائل إذا سأل بالله، وهي الدرجة المستحبة. متى تكون؟ تكون إذا كان هذا السائل سأل أناسا كثر، أناسا كثر. فحينها يكون التلبية في حقك ليست واجبة، وإنما مستحبة. مثاله: كأن يأتي رجل مسكين محتاج، فيقوم في مجلس، يقوم على ملأ، أو يقوم بعض الصلاة المساجد، ويقول: سألتكم بالله أعطوني، سألتكم بالله لا تردوني. فلا يزال يسأل بالله هنا. أين توجه السؤال؟ لك أنت لا، وإنما توجه السؤال للجميع، السؤال توجه للجميع. حينها يكون التلبية في حقك مستحبة، مستحبة، ليست بواجبة. الصورة الثالثة إخواني في الله تصل السؤال إلى درجة الإباحة، وأن هذا الأمر متروك إليك أنت. إن شئت أعطيت، وإن شئت لم تعطي. وهذا متى؟ قال العلماء: إذا كان هذا السائل كاذبا، كاذبا في دعوته. وللأسف ابتلينا بمن لم يرفع بالقسل، وبذكر الله رأسا يحلف بالله كاذبا، ولا يبالي. لربما عنده وعنده، لكن يستكثر من الغير. فيأتي عنده ويقول: يا أخي اسألك بالله، أسألك بالله اعطي، اسألك بالله، ويتمسك بك ويتشبث بك، وأنت تعرف أن هذا ليس فقير، وإنما هذا اتخذ هذه الفعلة مهنة، مهنة وحرفة، هذه شغله الشاغل يستكثر من أموال الناس. فتعرف أنه كاذب. فحينها هل يقال له في حقك واجب أنك تعطيه وأنت قادر؟ أو يقال: أنه مستحب أن تعطيه وأنت قادر؟ الجواب: لا هذا ولا ذاك، بل هو مباح، الأمر عائد إليك. إذا أردت أن تعطيه من باب أنه أقسم بالله فقط، لا لشيء آخر، ولا أعرف أنك ما اتصالت، لكن أنك بالله حلفت، والله عندي عظيم، خذ. لكن لا تكرر هذا، تعطيه إباحا. وإذا لم تعطيه فلا عتب عليك. هذا والصحيح في هذه المسألة في مسألة التعامل مع السائلين إذا سألوا بالله، إما أن يتوجه السؤال لشخصك أنت، وكان الخطاب لك أنت، وأنت قادر على أن تعطيه ما أرد، فاعطه ولا ترده. ومن أهل العلم من قال: هذا واجب، واجب إذا سألك بالله كما قلنا، وهذا إذا خلت المحاذير، وهي المحاذير الثلاثة: لا معصية، ووجود القدرة، وعدم المضرة. والصورة الثانية تكون درجة المستحبة إذا كان الطلب للأكثر، ليس لشخص معين. والصورة الثالثة للإباحة إن كان السائل كاذبا. هذه إخوان في الله مقدمة لهذا الباب الذي بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب لا يرد من سأل بالله». وستأتي معنى الأحاديث أو الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، وحينها سنستنبط الأدلة والأحكام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.