الدرس في شرح كتاب التوحيد 288، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإقسام على الله هو أن يقسم الشخص على الله لتحقيق أمر ما، وينقسم إلى قسمين: محرم إذا كان بتكبر وتجبر، وجائز إذا كان بتذلل وإحسان ظن بالله. القسم المحرم ينافي كمال التوحيد وقد يحبط العمل.
الضعفاء والمظلومون لهم منزلة عالية عند الله، وإقسامهم على الله يُجاب بسبب حسن ظنهم وتذللهم له. يُستشهد بحديث نبوي يصف رجلاً فقيراً لكنه ذو منزلة رفيعة عند الله.
الإقسام على الله جائز إذا كان عن تذلل وتعلق بالله، وليس عن تكبر وتجبر. يُذكر مثال سفيان الثوري الذي أقسم على الله ألا يدخل أبو جعفر مكة فاستجاب الله له، مع التنبيه على أن الأحوط هو ترك هذا الباب.
أشار إلى أنه سيأتي الحديث عن الدليل الذي استند إليه المؤلف فيما بعد، واختتم بالصلاة على النبي محمد، مما يشير إلى نهاية هذا الباب وانتقال إلى موضوع آخر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الإقسام على الله. هذا تبويب جديد من أبواب كتاب التوحيد، والذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء في الإقسام على الله. باب، أي هذا مدخل في معرفة ما جاء في الإقسام على الله. الإقسام مصدر أقسم يقسم، بمعنى حالة، فالإقسام على الله، أي أنه يحلف. الحلف إخواني في الله الذي نعرفه أنك تحلف بالله، تحلف بالله، أقسم بالله، أحلف بالله، والله، هذا المعهود والمعلوم في باب الإقسام والأيمان. والأيمان أنك تقسم بالله، لكن هاهنا قال: باب ما جاء في الإقسام على الله. معنى هذا الباب إخواني في الله، وفحواه أن يأتي الإنسان ويقسم على ربه، فيقول: والله يا الله لتفعلن كذا، أو بصيغة مستقبلية: والله لا يفعلن الله كذا، أو والله لا يفعلن الله كذا. هذا يسمى الإقسام على الله، أنك تقسم على ربك بأن يفعل أو لا يفعل. فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الإقسام على الله. وهذا سيأتي معنى، أي فيما جاء من التهديد على من صنع ووقع في هذا الوعيد، وسيأتي معنى ما يتعلق بحديث الباب. وهنا مسألة إخواني في الله، ألا وهي الإقسام على الله، كما مضى معنى في صيغته. قسم العلماء الإقسام على الله إلى قسمين. وقد يستغرب بعض الناس ويقول: وهل هناك أقسام على هذه أنواع من الإقسام على الله؟ نعم، قسم العلماء الإقسام على الله بأن يأتي إنسان ما ويقول: والله ليفعلن الله كذا وكذا. قال العلماء: الوجه الأول، إذا خرج هذا القسم من إنسان على وجه التكبر والترفع، ويرى أنه له على الله حق، بأن الله لابد أن يفعل أو لا يفعل لمنزلة هذا الحالف، فهذا من الأمور المحرمة، وهي من الجرائر والجرائم، لما في ذلك من التألي على الله والجراء في أنه يرى أن حكم الله ينبغي أن يكون على حكمه. وهذا فيه ما فيه من التنقص لمقام الربوبية، وفيه كذلك ما فيه من تزكية النفس، ويرى أن له الشأن. فهذا النوع إخواني في الله من الأمور العظيمة، الذي سيأتي معنا أن من عقوباتها أن الله عز وجل يحبط عمل صاحبها، كأنه ما عمل شيئا، لعظيم ما قد وصل إليه، أنه يقسم على الله: والله يا الله لتفعلا أو لا تفعلا. وخرج هذا مخرج الكبر والغطرسة على الله، هذا ينافي كمال التوحيد الواجب، بل منه من قال: من ينافي أصل التوحيد أحيانا. فهذا قسم الأول. القسم الثاني من الإقسام على الله، أن يفعل الإنسان الحالف هذا القسم بأن يقسم على الله، لكن من باب إحسان الظن، ومن باب عظيم الرجاء بالله، ولما علم من لطف الله جل وعلا في كونه وخلقه وعباده، فيقسم على الله بأن يفعل أو لا يفعل. وهذا الذي خرج منه خرج مخرج الذل والتذلل والخضوع لله عز وجل. فمن فعل هذا فهذا جائز، جائز. وقد دلت الأدلة على جواز هذا الإقسام إذا كان على هذا المعنى والمنح. دليله ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره». رب أشعث، الشعث صفة تتعلق بالشعر، رجل بلغ من فقره أنه ما وجد شيء يدهن به، فأصبح شعره مشعثا متفرقا، ما عنده ما يمشط، ما يدهن لفقره. رب رجل أشعث أغبر، الغبر قد تكون في الجلد في البشرة، وقد تكون في الثياب، وهذا تأكيد لحال ضعفه وفقره ومسكنته. ثم على هذا الصنف، على هذا الوصف، وذا قال عنه نبينا: مدفوع بالأبواب، يرد من على الباب، دلالة على ماذا؟ على أن الناس ما يبالون به، ما يلاقي الحفاوة والإكرام وحسن الاستقبال. لو طرق الباب قالوا: من؟ قال: فلان. قال: يا أخي ابتعد، الله حفظك ابتعد، لا، لا تهتفز الباب، خلوه يدبر نفسه. مدفوع بالأبواب، ما أحد يا أهلا، هذا الإنسان الذي سقط مقامه في أعين الناس. قال عنه نبينا: «لو أقسم على الله لأبره الله». انظر كيف هي منزلة عند الخلق، وكيف هو مقامه عند الخالق؟ لو أقسم، لو أن هذا الشخص بهذا الضعف في المجتمع، لو قال: يا الله لتفعلا، لفعل الله إبرارا لقسم هذا المسكين. دل على ماذا؟ على عظيم شأنه عند ربه. الشاهد من هذا الحديث: «لو أقسم على الله لأبره الله»، إشارة إلى ماذا؟ إلى أن هذا الفعل خرج مخرج المديح والثناء لهذا الصنف من الناس، فلهذا قيل. وهذا قال العلماء: خرج مخرج من فعل هذا الإقسام على الله من باب التذلل لله، وهو من خيار عباد الله ومن الصالحين. وإنما أقسم على الله ليفعلا أو لا يفعلا من باب حسن ظنه بربه، من باب حسن ظنه بربه. ويؤيد هذا المعنى في الجواز أيضا في باب الإقسام على الله، ما جاء في الصحيحين في قصة أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، عندما قامت إحدى قريباته، وهي الربيع بنت النضر، أن كسرت ثنية، ثنية لجارية. ثنية، أسنان السن كسرتها لأمر ما وقعوا فيه. عراق، فقامت الربيع وكسرت ثنية الجارية. حينها دخل الحكم، ما الحكم؟ طلب من الجارية ومن أهلها العفو، أبوا. قال: ما نريد العفو، ما سنعفي. المرحلة الثانية طلب منهم العوض، سنعوضكم، أبوا. ماذا بقي؟ بقي المرحلة الأخيرة، القصاص، السن بالسن. السن بالسن، تحاكم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فحكم الشرع السن بالسن، لأنهم أصحاب الحق. فقام أنس بن النضر، قال: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع -يعني قريبة- تكسر سنها يكسر؟ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، والله لا تكسر، والله لا تكسر. أقسم على الله بأن هذا لن يقع. هنا قام نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «يا أنس، كتاب الله القصاص». انتبه، هذا أمر قصاص، ما لك منهم فرق. قال: «يا أنس، كتاب الله القصاص». فما إن كان من القوم أهل الجارية إلا أن هدأوا، هدأوا، فعفوا، فعفوا. فحينها قال عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره الله». الشاهد أن أنس هنا أقسم على الله: والله لا تكسر، والله لا تكسر. خرج هذا منه ماذا؟ هل من باب التكبر والتجبر؟ حاشا، أو الرد والاعتراض على حكم الله؟ كلا، وإنما خرج هذا مما يعلمه من ربه أن الله عز وجل سيجعل لهذا الملهوف فرجا ومخرجا، فلحسن ظنه بربه، ولعظيم التعلق بالله أقسم: والله ما يقع هذا، ما يقع هذا. فماذا كان؟ فحقق الله رجاء هذا العبد الصالح، فإذا كان بالقوم عفوا، وتحقق القسم، فما كسرت ثنية الربيع. فعلق نبينا: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره الله». فالشاهد إخواني في الله من هذا الجزء الثاني، أن من باب الإقسام على الله، من يقسم على الله بأن الله يفعل أو لا يفعل، هذا في الأصل العام جائز، إذا خرج على هذا المنح، خرج على منح التذلل وعظيم التعلق بالله، ولعظيم ما يكون لعلمه بما يكون من تعامل الله مع عباده الصالحين، بأن الله يجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. وكم تحدث العلماء في الكتب والسير عن بعض هؤلاء الأتقياء الأخفياء، من لربما إذا خلى بنفسه، لكن خرجت كلمات عند من سمعه، لربما في أيام القحط والجدب والجفاف، وهلكت المواش والزروع، لربما قام هذا الصالح وقال: اللهم أقسمت عليك إلا سقيت القوم، فسقوا. جاء هذا بأنك ذكر الذهب رحمه الله تعالى في ترجمة، في ترجمة السفيان الثوري، أن أبا جعفر المنصور الوالي طلب من سفيان أن يمسك القضاء، إلا أن سفيان رفض لعلمه أن هذه أمانة يشق أن يقوم بها، فهرب سفيان. هرب من أمر الوالي واختبأ في مكة. لما علم أبو جعفر بهروب سفيان أخذ يبحث عنه حتى علم بأنه قد اختبأ في مكة، فحينها قام أبو جعفر بإعداد عدة السفر، وسيدخل إلى مكة. طبعا أبو جعفر لما علم بهروب أبي سفيان أحل دمه، وجعل دمه هدرا، يسفك، يقتل من وجده. فلما علم أبو جعفر أن سفيان الثوري قد دخل إلى مكة، عد العدة للسفر إليه. وقبل ذلك أرسل بالخشابين، من يصنع قاعدة الخشب الذي يعلق عليه الأموات، يعلق عليه سفيان، حتى يكون عبرة لغيره ممن يخرج عن طوعه. فأرسل الخشابين: اذهبوا إلى مكة وأعدوا العدة. فذهب الخشابون ودخلوا إلى مكة، وأخذوا ينادون: أين، أين سفيان؟ من يجد سفيان؟ فلما علم سفيان الثوري بعظيم الأمر وعظيم المشقة، وأن أبا جعفر هو بنفسه قادم إليه، دعا الله، قال: اللهم أقسمت عليك أن لا يدخلها أبو جعفر، أي لا يدخل مكة. أقسمت عليك. وقال الذهب: وكررها مرارا وتكرارا. فماذا كان؟ أن مات أبو جعفر في الطريق، وما دخل مكة. قال الذهب معلقا على هذه القصة: وهذه كرامة ثابتة، أي عن سفيان الثوري. الشاهد أنه استخدم الإقسام على الله: اللهم أقسمت عليك أن لا يدخلها، فما دخلها. وهذا كما قلنا يقع. وقد ذكر العلماء الشيء الكثير من عباد الله الصالحين. إذن نعلم بهذا إخواني في الله، الإقسام على الله على صورتين اثنتين: إما أنه يقسم على الله من باب التجبر والتكبر، ويرى أن الله ملزم بأن يحقق هذا الإنسان من باب الإلزام، وهذا فيه من التجبر، وفيه من الإعظام للنفس والعجب بها، فهذا يسخط الله عليه، ويحبط الله عمله، كما سيأتي معنا في حديث الباب. وأما القسم الثاني، إذا خرج مخرج حسن الظن بالله، وعظيم التعلق بالله، وقوة يقين العبد بربه، وأن الله يجعل للعباد مخرجا وفرجا، فهذا لا بأس به. هل معنى هذا أن يفتح المجال؟ قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: والأحوط أن يترك هذا، والأحوط أن يترك هذا. لا يفتح المجال لكل أحد، فإن هذا الباب إذا فتح دخل فيه من يحسن ومن لا يحسن. فهذه مقدمة إخواني في الله لما ذكره المؤلف بقوله: باب ما جاء في الإقسام على الله. وسأتي معنا حديث الباب الذي استدل به المؤلف. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.