رمضان والمقامات الحسان - مقام الأخلاق 10

رمضان والمقامات الحسان - مقام الأخلاق 10

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام الأخلاق 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الأخلاق

يؤكد الخطيب على أهمية الأخلاق في الإسلام وتأثيرها على أصحابها. يستشهد بآيات وأحاديث نبوية لبيان فضل حسن الخلق.

آداب الصيام في رمضان وتوجيهات النبي

يشرح الحديث الشريف أهمية تحلي الصائم بالأدب خلال رمضان، ويبين كيفية التعامل مع المواقف الصعبة مثل السب أو القتال. ينصح النبي بقول 'إني صائم' لضبط النفس.

التوجيه الختامي والتضرع الدعائي

يختم المتحدث بالتوجيه إلى أهمية ما جاء به رمضان من مكارم الأخلاق، ويسأل الله أن ينفعهم بما قاله. يصلي على النبي ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات العظيمة إخواني في الله، والتي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتحلى بها، وأن يلتفت إليها لعلو شأنها ورفعة منزلتها، وخاصة ونحن في هذا الشهر، ما يكون من أمر الأخلاق، فالأخلاق من أصول ديننا، وهو من أصول شريعتنا، ومن حرمها فقد حرم الخير كله. مقام الأخلاق، مقام الأخلاق إخواني في الله، مع أنه من العبادات العظيمة، ومن المقامات الجليلة، إلا أننا نرى الكثير من الناس لم يرفع له رأسًا، ولم يلقي له بالاً، ولم يعر له اهتمامًا، بحجة أن التعامل مع الغير هذا إنما يعود إلى حالة الشخص، وإلى طبيعته، وإلى سلوكياته، وأن أمر الأخلاق والآداب إنما هي تعود إلى محض تصرفه، فيقول: هذه من عاداتي، وهذه طبيعتي، ولا أبالي بما تمليه عليه هذه الطبيعة وهذه العادة، أهي موافقة للصواب أم لا؟ فالكثير من الناس إخواني في الله يرى أن أمر الأخلاق لا يترتب عليه حساب، فضلاً أن يكون من ورائه عذاب أو عقاب، ولهذا كثير من أمثال هؤلاء إذا نصح بأن يتحلى بالآداب السديدة والأخلاق الجميلة، لرد عليك بقوله: يا عبد الله هذا طبعي، هذا طبعي، أو يقول لك: هكذا تعودت، بمعنى دعني وشأني. وهل هذا الفهم صحيح؟ لا، يا عبد الله، بل هذا من الفهم السقيم، فإن من تأمل في الأدلة الشرعية يعلم حينها أن أمر الأخلاق مما يؤثر على أصحابها في الدنيا والآخرة، يؤثر عليهم سلبًا وإيجابًا، رفعة وسفولاً، جنة ونارًا، حسابًا وعقابًا. وقد جاءت الأدلة الكثيرة الدالة على عظيم فضل من ربى نفسه على الأخلاق الحميدة، حتى قال ابن القيم -رحمه الله-: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين»، عبارة تكتب بماء الذهب. بل أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بأن أمر الأخلاق من أعظم ما يصل به العبد إلى الجنان، قال: «أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق»، أكثر العوامل، أكثر الأسباب، أكثر الأمور التي بها الناس يدخلون الجنة: تقوى الله وحسن الخلق. وفي ذلك إشارة إلى أن العبد يصل إلى الجنة بأمرين اثنين: بعلاقته مع ربه تقوى الله، وعلاقته مع خلق الله بحسن الخلق. وأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن بحسن خلقك يا عبد الله تصل إلى معالي الدرجات وإلى أعالي الجنات، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»، أعلى الجنة ضمنها نبينا عليه الصلاة والسلام لأصحاب الأخلاق والآداب. بل إن المسلم لربما تتقاصر به أعماله في أن يلتحق بمن ارتفعت درجاته، يتقاصر باللحوق بهم لقلة أعماله، لكن يجد العوض في أخلاقه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم»، تصل يا عبد الله إلى أهل الصيام وإن كنت لست منهم، ومع أهل الصلاة وإن كنت لست من روادهم، لكن بحسن خلقك. إخواني في الله، الفضائل كما أسلفنا كثيرة جدًا، ولست في صدد تتبع فضائل ومناقب الأخلاق والآداب، لكن كما أشرنا في هذا المقام ندلل على أن رمضان من خلال تعاليمه السامية وأحكامه الراقية، نجد أنه يهدف إلى أن يتربى المسلم تربية بأخلاق عالية، هذا من أعظم ما أتى به رمضان: أن نتربى فيه بمحاسن الأخلاق، بمكارم الآداب. وتعالوا إخواني في الله نتأمل في هذا الحديث، والذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». هذا الحديث إخواني في الله فيه بيان على أن من أحكام الصيام، وفي شهر رمضان، أن الإنسان يتحلى بالأدب الكامل في حالتين: في حالة الابتداء، وفي حالة الاعتراض. نبدأ في حالة الابتداء، الأدب الكامل في هذا الباب أن يكون الصائم على هذا الوصف، فلا يكون صاحب رفث، ولا صاحب صخب، ولا جهل. ما معنى هذه الكلمات الثلاث؟ لا يرفث: الرفث إخواني في الله، وإن كانت هذه الكلمة تأتي بمعنى الوقاع ومقدمات الإتيان للأهل، لكن هاهنا كما قال الشراح كأبي زرعة وغيره: المراد بالرفث هنا الكلام الفاحش، فما ينبغي للصائم في فترة صومه أن يتلفظ بالكلام البذيء. ولا يصخب: الصخب بمعنى رفع الصوت، فلا ترفع صوتك يا عبد الله، لا بصياح ولا بصراخ ولا بعويل، لا ترفع صوتك رفع الصوت بشكل عام مذموم، واغضض من صوتك، المسلم مطالب أن يغض من صوته، وخاصة في شهر صومه وفي حال إمساكه. ولا يجهل: بمعنى أنه لا يفعل خلاف الصواب، أو لا يفعل أعمال أهل الجهل، أعمال أهل الجهل من السفه والطيش، أو من الأحوال الردية، ومن السلوكيات الرزية، هذه لا تليق بالصائمين. هذا الذي ينبغي أن يكون عليه الصائم في فترة صيامه، يتحلى بكمال الأدب، هذه الأمور وإن كانت ممنوعة على الدوام، إلا أنها في رمضان آكد. أنت مطالب يا عبد الله بخفض الصوت على مدار العام، في رمضان آكد، أنت مطالب يا عبد الله بعدم الرفث، بعدم الكلام البذيء السيء الفاحش على الدوام، لكن في رمضان آكد. وهكذا يلتزم المسلم في أقواله وأفعاله أن لا يقع منه هنات ولا زلات. ثم تأمل في الأدب الكامل حين الاعتراض، قال: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم»، هذه الحالة الثانية، وهي بلية يبتل بها بعض الصائمين أحيانًا، هو يقول: أنا ولله الحمد ما أفعل شيئًا، أنا ما أخالط فلانًا ولا أخالط علانًا حتى لا أقع في الغيبة ولا أقع في النميمة ولا أقع في السب ولا أقع في الرعونة في المعاملة، ابتعد، لكن بليتي أنهم يأتون عندي، هنا تأتي البلية، حالة الاعتراض. يأتيك من لم يرفع برمضان رأسًا، فيدخل في خصومتك، يثير غضبك، لربما تطاول عليك بسب، بشتم، بلعن، يدخل كما يقال في باطنك، فيرميك بأشياء يرميك بالتهم وأنت منها براء، فما العمل يا عبد الله إن ابتليت بأمثال هؤلاء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم»، وفي رواية: «إني صائم، إني صائم»، تأكيد لهذا الخبر، وتأكيد لهذا الحكم، أي لا تتمادى ولا يا عبد الله تسترسل مع الفسقة ولا مع الجهلة، تقول: إني صائم، إني صائم. هذه العبارات تقولها في نفسك أم تقولها على لسانك؟ يحتمل هذا ويحتمل هذا كما قال العلماء، تقولها في نفسك، قال العلماء جماعة من أهل العلم: أنك تقولها في نفسك، وذلك ترويضًا لقلبك، هدئ نفسك، ذكر قلبك بأنك في رمضان، بأنك في شهر الصيام، بأنك ممسك، وأن هذا الذي ستقدم عليه يخل بصيامك، وليس ذلك من كمال الآداب لأهل الصيام. وقيل: أنك تقول: إني صائم، تسمعها للخصم، تسمع هذا الذي أراد أن يتمادى في سفاهته، قل له: إني صائم، لماذا؟ تذكيرًا له، ذكره لعله من شدة حنقه غفل، أو من شدة جهله نسى، تذكره. وهذه العبارة إخواني في الله: «إني صائم، إني صائم»، يقول العلماء فيها فوائد عظيمة، من عظيم فوائدها أنك تخبر هذا المعتدي، تقول له: يا عبد الله إني صائم، تذكره بحرمة الصيام حتى يرعوي، يتنبه على أن الصيام له حرمة. الفائدة الثانية: لما تقول: إني صائم، إني صائم، يعلم هذا المعتدي على أن الذي منعني من الرد عليك هو الصوم، ليس الخوف منك، لا والله، منك ومن أمثالك، لا والله لو عندي وقت آخر لتسمعن مني ما هو أشد مما تطاولت به. فلما تقول: إني صائم، يعلم هذا المعتدي على أن الذي جعلك تنأى ليس الخوف ولا الجبن، لكنه احترام الشهر. فهذه المسائل إخواني في الله من خلالها، ومن مجموع هذا الحديث وآدابه: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم»، إشارة إلى عظيم ما ينبغي أن يعتني به أهل الإسلام بشأن أمر الأخلاق والآداب، وخاصة ونحن في شهر رمضان. فإياك يا عبد الله أن تسترسل مع أهل السفه، فلا ترد السب بالسب، ولا ترد الشتم بالشتم، لا تسترسل معهم، دعهم اليوم في هذا الشهر، أنت يا عبد الله تتحلى بكمال الأخلاق ومحاسن الآداب. وهذا ينبغي أن يكون معنا في كل أوقات صومنا، وفي كل أماكننا، في أعمالنا، في أشغالنا، في برنا، في بحرنا، في بيوتنا، في مساجدنا. للأسف إخواني في الله، في هذا الشهر المفضل تأتينا ما يسمى بالمشكلات، هذه معضلة بحد ذاتها، مشكلة في رمضان، من أين تأتي المشاكل؟ تأتي المشاكل من الذي ما راعى آداب رمضان، لو أن الإنسان تأدب بآداب رمضان والله ما وقعت منها مشكلات ولا معضلات. نسمع عن الإحن، عن المشاحنات التي تقع في رمضان، لو ربما في البيوت يقع من يعكر على الثاني، والشيطان حريص طبعًا، والشيطان -ما أعنيه بالشيطان المردة- لا أعني المردة، المردة قد سلسلهم ربنا جل وعلا، صغار الشياطين، صغار العفاريت لازال يعبثون بنا، يعبثون ويجدون مسلكًا حتى أن الإنسان لو ربما يسترسل في الخصومة، يسترسل. إلزم الصمت يا عبد الله، لا تضيع صومك، ولا تؤثر على صيامك احتسابًا لعظيم الأجر عند الله. فالشاهد إخواني في الله: الله الله في هذا الباب، فإن من المقامات الحسان التي أتى بها رمضان أن جاء لكي يربينا على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.