شرح السنة للإمام البربهاري 148

شرح السنة للإمام البربهاري 148

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 148، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من أهل البدع

يتناول التحذير من مجالسة أهل البدع والأهواء وتأثيرهم السلبي، مستدلًا بأقوال السلف وحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يُبين أهمية الصحبة الصالحة وتأثيرها الإيجابي.

شرح وتحليل أقوال العلماء حول الأكل مع المبتدع

يشرح المقطع عبارة القاضي عياض حول تفضيل الأكل مع غير المسلم على المبتدع، ويحللها على عدة محامل. كما يوضح معنى عبارة ابن تيمية المماثلة ويبين الأوجه الثلاثة لفهمها.

الدعاء والختام

يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويشمل الصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على قدرة الله وولايته على كل شيء.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع»، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد. في هذا الأثر، أخواني في الله، مسألة حول كيفية التعامل مع أهل الأهواء ومع أهل البدع. فقال وأورد رحمه الله تعالى عبارة الفضيل: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع»، ويستفاد من هذا الأثر، أخواني في الله، ما كان عليه سلفنا الصالح من التحذير ومن الترهيب من مجالسة أهل الأهواء، وأنهم لا يجالسوا ولا يكلموا، ولو كان ذلك في وجبة من الوجبات أو كان في أمر اعتيادي كأمر الأكل والاجتماع عليه. فهكذا يرى السلف أن مثل هذا الموطن لا تجتمع مع مبتدع، والأدلة الشرعية تدل على ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا يأكل طعامك إلا تقي»، فيه بيان على أن المسلم والمؤمن يحاول أن يجعل ممشاه ومدخله ومخرجه وفي معيشته وفي سلوك حياته أن يحتك وأن يحتف بأهل الخير والصلاح. هذا الأصل، هذا الذي ينبغي عليه المسلم، أنك في ذهابك وإيابك وفي زمالتك مع أحد من الخلق، أنك تختار من يرتضى دينه ويرتضى كذلك خلقه، ولو كان في الأكل، كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: «ولا يأكل طعامك إلا تقي»، احرص على أن يكون من تعاشر يكون من أهل الأخيار، تصاحب مؤمنًا ويأكل معك الأتقياء. وهل أهل البدع من الأتقياء؟ حاش وكلا، ليسوا من أهل التقى، وليسوا من أهل الفضل، وليسوا من أهل الخير، لو كانوا من أهل الخير والفضل لما ابتدعوا في دين الله، وما حاربوا شرع الله عز وجل، وما أدخلوا هذه المحدثات التي أضرت على دين الله جل وعلا، وأضرت كذلك على أفهام الناس، وضل من ضل من كثير من الأمم والخلائق ممن لا يعلم بهم إلا الله جل في علاه. فقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: «ولا آكل مع مبتدع»، فيه دلالة واضحة على أن المسلم يحرص، أخواني في الله، على أن يماشي أهل الأخيار، والأدلة كثيرة تدل على ذلك، بيان فضيلة من ماشى الأخيار، وأن لذلك منفعة في الدين والدنيا، وهكذا في الآخرة، والعكس بالعكس، من فرط في هذا الجانب ومالأ أهل الفساد وما شاء أهل الضلال وما شاء أهل الأهواء والمجون والفسق، فإن ذلك فيه مضرة على الدين، مضرة على الدنيا، مضرة في الآخرة. ورحم الله من قال: إذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصاحب الردي فتردى مع الردي. وللأسف، كثير من الناس من يظن أن أمر المجالسة والمصاحبة هو أمر ترفيهي، أمر شخصي، يماشي من شاء ويتقرب ويعاشر من شاء، إما لمصالح شخصية أو لمسائل خلقية أو لتعصبات قبلية أو لرابطة عائلية أسرية، وهذا ليس له اعتبار في دين الله، وإنما الاعتبار بالدين. والنبي صلى الله عليه وسلم قد جاءت لدلة كثيرة على أن المرء يحشر مع من أحب، كما قال نبينا: «المرء يحشر مع من أحب»، وفيه اللفظة: «أنت مع من أحببت». فمن أحب الأخيار ومن ماشى الأخيار ومن ماشى أهل الصلاح، فإنه يحشر معهم. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا آكل مع مبتدع»، لأنه ليس أهلًا للأكل، ولأنه مما حذر الشرع من مجالسة من أمثال هؤلاء. لكن يبقى الإشكال في تمام العبارة، وهو قول المؤلف رحمه الله تعالى: نقرأ عن القاضي عياض: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع». هنا يتم الإشكال، الفقرة الأخيرة لوحدها: «لا آكل مع مبتدع»، لا إشكال عليها، لكن يشكل إذا ذكرت هذه العبارة وألحقتها بما قبلها، قد يقول: كيف هذا؟ هل في ذلك أن أهل البدع أخبث وأشر من اليهود والنصارى أم ماذا؟ قال: يقول العلماء والشراح أن هذه العبارة تحمل على محامل. عبارة القاضي رحمه الله تعالى تحمل على محامل، إما أن هذه العبارة يراد بها المبالغة في الزجر، المبالغة في الزجر والتهديد، هي ليست على إطلاقها وليس على عمومها، لكن أراد المؤلف رحمه الله تعالى وأراد القاضي عياض أن يلفت انتباه الناس وانتباه العام إلى خطر المبتدعة، وأن خطرهم عظيم، وأن ضررهم جسيم على الدين وعلى الفرد وعلى المجتمع. فذكر هذه العبارة، وإن كانت نوع مبالغة، لكن حتى يأتي أثر هذه المبالغة على تخويف الناس وعلى إثارة انتباه الناس لهذه المسألة التي قد لربما استخف بها الكثير، استخف بها الكثير من خلق الله بهذه المسألة، فأصاحب أهل أهواء وعظم أهل بدع. فتحمل هذه العبارة فيها مبالغة، لكن القصد من ذلك الزجر والتهديد ولفت انتباه الناس. أو تحمل هذه العبارة في قوله: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع»، يحمل على أن هذا المبتدع مما هو بدعته كفرية، مما هو بدعته كفرية. وإذا كانت المبتدع بدعته كفرية، فلا شك أنه أخبث من اليهود والنصارى، لأنكم تعلمون أن أعداء الدين منهم من هو كافر، ومنهم من هو مرتد، والمرتد أعظم من الكافر. الكتابي قد يكون من اليهودي ونصراني، هؤلاء الكتابيون هناك أحكام مع هؤلاء الكتابيين، ما يتعلق بجواز أكلهم ونكاح نسائهم وتعامل معهم في البيع والشراء، يجوز، يتركون هناك يكون هدن بينه وبينهم، هناك المستأمن، هناك المعاهد، هناك الذمي يعطون الجزية، يبقون أحياء، هناك أحكام خاصة بهؤلاء الكتابيين. لكن المرتد ما له إلا السيف، من بدل دينه فاقتلوه، ما يبقى أبدًا، المرتد فضرره أخبث وشره أعظم. وإن كان المبتدع بلغ إلى حد الكفر، فهو مرتد، والمرتد شأنه أعظم من أهل الكتاب، خطره أعظم من أهل الكتاب. ولهذا في بعض المباحث، عندما تكلم العلماء حول ذبائح المبتدعة، وأن ذبيحة المبتدع إن كان كافرًا إن كان ضالًا مرتدًا، وقد مر معنا أن المبتدع قد يكفر ببدعته إذا كانت البدعة فيها تطاول على جناب الرب جل وعلا، كالجهمية وكالمجسمة وكذا القرامطة والباطنية وهكذا الإسماعيلية والقدياني وأهل مجر مما بدعتهم يطاعن وتزندق في الدين، فهؤلاء يكفرون ويكفروا كما كفرهم العلماء كالدروز والنصيرية. فهؤلاء مبتدعة كفار، لأن دينهم ليس بدين الإسلام، إنما أتوا بدين مخالف لشريعة الإسلام، فهؤلاء الأقوال العلماء ظاهرة على أنه لا يؤكل ذبائحهم، لأنهم ليسوا من أهل الإسلام. بعض من ذكر هذا المبحث أورد أثر الفضيل رحمه الله تعالى هذا الذي بين أيدينا، ذكره في أثناء مبحثه عندما ذكر مثالًا في هذا المبحث. عبارة للمأثورة لطلح بن مصرف رحمه الله تعالى: أن الروافض لا تؤكل ذبائحهم، فإنهم مرتدون. وسئل أحمد بن حنبل وسنان عن الجهمية، هل يؤكل معهم؟ قال: لا، فإنهم كفار. فذكروا هذا الأثر للقاضي عياض: «آكل عند يهودي ونصراني ولا آكل عند مبتدع»، فأوردوا أثر القاضي بن عياض هذا في الكلام على المبتدع الكفري، المبتدع الذي قد كفر ببدعته. فعلى هذا يحمل أن هذه العبارة تحمل من المؤلف رحمه الله تعالى أن خطابهم على المبتدع الذي كفر ببدعته، أما من كان دون ذلك فلا. فهذا قول الثاني. المحمل الثالث: يحمل قول المؤلف رحمه الله تعالى: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع»، ليس فيه التجويز وليس فيه التهوين من أمر اليهود والنصارى، هم من أعداء الدين، هم من أعداء الدين. لكن أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن خطر المبتدع يعني أكبر من خطر أهل الكتاب. وجه ذلك أن هذا اليهودي والنصراني كفره واضح، كفره بيّن، لو جاء رجل نصراني في عنقه صليب، يقول: تعالى يا مسلم أريد أن أتكلم معك في مسائل الدين، هذا ستخاف منه، أقول: أعوذ بالله، أعوذ بالله، نصراني أو يهودي حبر من أحبارهم وعليه طيلسان وعليه كذلك تلك العصائب وهكذا ما يتعلق بذلك الربط على وسطه، وبيده التوراة، ويقول: تعالى يا مسلم أريد أن أجلس معك، أتناقش معك في أمر الدين، فتقول: أعوذ بالله من شرك مباشرة ترده. لكن لو جاءك رجل بسيمة أهل الإسلام، بعمامته وجبته ولو بسمته ولحيته، يقول: تعالى يا مسلم أتناقش معك في أمر الدين، يقول: حياك، تطمئن له، وهو مبتدع، فالمبتدع أمره غير واضح، لا يتضح، وإن كنت تعلم أنه من أهل البدع، لكن تستخف بدعته، تقول: ماذا عسى أن يفعل بك؟ ماذا عسى؟ فتدخل معه فتستهين بالجلوس معه، فيؤثر فيك، فهنا هذا المحمل الثالث أن المؤلف رحمه الله تعالى، ومما نقله عن القاضي عياض رحمه الله تعالى، ليس فيه التهوين أو فيه كذلك الاستهانة بأمر اليهود ونصارى. لا، أراد المقارنة في خطر هؤلاء، أن خطر هؤلاء أعظم، خطر المبتدع أعظم من خطر اليهود والنصارى، من هذا الباب، من حيث التأثير، أن هؤلاء أمرهم واضح بيّن، بل حتى لو أنكم جلستم معهم في مجلس، فأراد النصراني يتكلم، لا تتكلم، ليس لك أن ترفع وتعلم شيء من أمور الدين، ترده. لكن إذا قام مبتدع تكلم، فإنك ستحترم ما عليه من جبة وما عليه من لباس، أو تستهن بمجالسته، فيؤثر ويفعل معك ما لا يفعله اليهود ونصارى معك. فهذا المحمل الثالث يحمل كلام المؤلف رحمه الله تعالى على أن أثر هؤلاء أعظم من أثر اليهود والنصارى. ولا يحمل هذا العبارة من المؤلف رحمه الله تعالى على أن المبتدعة أنهم شر من اليهود والنصارى، انتبه، لا يحمل هذا، هذه العبارة قد وجدت من بعض الناس يفهمها على غير فهمها، فيدندن البعض بأن المبتدعة، أن سائر المبتدعة أنهم أخبث من اليهود والنصارى، لا يا عبد الله، كن منصفًا، وأهل الإسلام أهل عدل، فنعدل، هؤلاء كفار، هؤلاء لم يؤمنوا بالله ولا برسوله. وأما أولئك المبتدعة، فهم لا زالوا من المسلمين، أتكلم في المبتدعة الذين لا زالوا في الإسلام، سواء كانوا من المعتزلة أو كانوا من الأشاعرة أو كانوا كذلك من بعض الفرق من الماتوريدية وهكذا من الزيدية والمتشيعة، ليسوا الرافضة وهكذا ليسوا غلاة القدرية، القدرية غالب القدرية ليسوا بغولة، ولا يزالوا من أهل الإسلام. فلن يقال في حق هؤلاء أن اليهود والنصارى أفضل منهم، أو أن هؤلاء شر من اليهود والنصارى، هذا ليس من الإنصاف، بل هؤلاء مع ما معهم من أصول الدين أفضل من اليهود والنصارى، هذا الأصل، إلا كما قلنا إذا كانت بدعته كفرية، فنعم، هو شر من اليهود والنصارى. لكن إذا كان مبتدعًا لا زال في الإسلام، وهو لا زال متمسكًا بأصل الدين، وإن كان عليه مخالفات وعليه بدع، فهو لا زال أرحم، ولا زال أخف شرًا من اليهود والنصارى. وعلى هذا عبارات علمائنا، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لما رأى يتكلم عن الباطنية وعن الدروز وعن النصيرية، ويقارنهم باليهود والنصارى، بيّن رحمه الله تعالى هذه القاعدة ونبه على هذه المسألة. فقال رحمه الله تعالى: كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، هذه القاعدة. قال: كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة التشيع أو الإرجاء أو القدرية، فهؤلاء وإن كان عندهم مخالفات في دينهم، ذاك بتشيعه، وذاك آخر بقوله بالقدر، وآخر قال كذلك كما قال المؤلف رحمه الله تعالى بالتشيع أو الإرجاء. فإن هؤلاء وإن كان عندهم مخالفات، لكن عندهم أصل الإيمان، عندهم الإيمان بالله، عندهم الإيمان باليوم الآخر، عندهم الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، هؤلاء عندهم، أما تأتي بيهودي ونصراني قد كفر بهذا وبهذا وبهذا، ثم تجعلهم أفضل من هؤلاء، فهذا لا يتأتى، هذا لا يتأتى. وهكذا العبارة لشيخنا مقبل رحمه الله تعالى، أذكرها في هذه الفقرة، عندما سئل عن قول من يقول: أن بعض الجماعات المعاصرة أنها شر من اليهود والنصارى، قال: هذا لا يقال، قال: بل نحن أهل عدل، وأمرنا بلزوم العدل معهم، ثم ذكر قول ربنا، جل وعلا: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا وأقربوا للتقوى». فيحمل إذن عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: «آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع»، قلنا: يحمل على أمور ثلاث، إما يحمل هذه المبالغة منه على الزجر والتحذير، أو يحمل أمره على أن هذا المبتدع إن كانت بدعته كفرية، وهذا لا إشكال فيها. أو أنه يحمل أراد رحمه الله تعالى أنه من حيث التأثير، تأثير هؤلاء أخطر من تأثير هؤلاء، أما يحكم بقاعدة عامة أن أهل البدع على سائر أهل الأهواء أضر وأخطر وشر من اليهود والنصارى، فهذا ليس من الإنصاف، وليس على هذا أقوال العلماء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.