الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول بداية قصة فتنة السامري لبني إسرائيل أثناء غياب موسى عليه السلام، حيث صنع السامري عجلا من الذهب. يشرح تفاصيل الأحداث التي أدت إلى هذه الفتنة.
يشرح تفاصيل فتنة العجل وردود فعل موسى وهارون عليهما السلام تجاه هذه الفتنة، حيث عبد بنو إسرائيل العجل أثناء غياب موسى.
يتناول عقوبة السامري وتوبة بني إسرائيل بعد فتنة العجل، حيث حكم على السامري بالنفي وأمر بإحراق العجل ورمي رماده في البحر.
يختم الدرس بذكر شروط التوبة والصلاة على النبي والدعاء للنفس، مشيرا إلى أن شروط التوبة سيتم توضيحها لاحقا.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن ميقات موسى عليه السلام مع ربه في الوادي المقدس، وناجاه ربه عز وجل بما ناجاه به، وأنزل عليه التوراة، وما كان من طلب موسى من ربه أن ينظر إليه، وعلمنا ما يتعلق بمجريات هذه المسألة. قال: «إنك لن تراني» أي في هذه الدار الدنيوية، وأما رؤية الرب عز وجل فهي ممكنة في الآخرة، يوم القيامة، في الجنة. وبعد ذلك قال ربنا عز وجل لموسى: «وما أعجلك عن قومك يا موسى؟» قال: «هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى»، إن قد تركتهم قريبا مني، وإنما تعجلت المسير إليك زيادة في البر، زيادة في التقى، زيادة في نيل الرضى. فقال سبحانه: «فإن قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري»، أخبره ربنا عز وجل بما جرى هنالك، وما وقعت من فتنة السامري عليهم. فمن هو السامري؟ وما هي فتنته؟ إذن سنرجع إلى ما كان مع هارون عليه السلام عندما اختُلف منه موسى وذهب شرقا، وذهب هارون غربا. ذهب هارون عليه السلام ببني إسرائيل واستقروا بجانب الطور على انتظار أن يأتي إليه موسى عليه السلام بعد فترة، بعد ثلاثين يوما. فذاك أمرهم كذلك، وقد استقروا في هذه البقعة يتذاكر منهم من تذاكر بعظيم إنعام الله عليهم، لأن الله قد أهلك عدوهم، وأن الله قد أنجاهم، وأن الله قد حباهم بالمن والسلوى، وقد ضلل عليهم الغمام جل في علاه. فقال لهم: «وكيف لكم أن تستولوا على هذه الأموال من الحلي والمجوهرات؟ ويحرم عليكم اتركوها، ذروها». وما هذه الحلي؟ إخواني في الله، قصتها تعود إلى مغادرة بني إسرائيل لأرض مصر، كان على حين غرة، كان بغتة، كان الرحيل فجأة، حينما أمر موسى قومه أن يتحركوا ليلا تحركوا بكل ما عندهم. وكان مما عندهم أموال وحلي ومجوهرات وذهب للمصريين، لأهل مصر، كانت موجودة عند بني إسرائيل، بعضها كانت إعارة، بعضها كانت ودائع، بعضها أمانات، بعضها تمت من بيع وشراء. المهم كانت هناك أموال للمصريين موجودة من ذهب وحلي موجودة عند بني إسرائيل، وبعضها جاء عن طريق النهب والسرقة. المهم كانت هناك ذهب عند الإسرائيليين، فلما تحركوا ليلا أخذوا هذه المجوهرات والأموال والذهب معهم. أخذوها، ومنهم من تأول ذلك، قال: «أننا سنأخذها من باب العوض»، قال: «تركنا ما عندنا لا بيوت ولا ديار فرقناها لأهل مصر»، قال: «أقل أن أخذ هذا الذهب معنا». فمن كان عنده من الحلي والذهب أخذوه. في هذه الفترة الآن تذاكروا مصير هذه الأموال التي أخذتموها، وأنتم تعالوا من أنتم؟ أنتم الآن أنتم في منزلة عظيمة عند الله عز وجل. انظروا لهذه النعم التي أسبغها الله عليكم، ثم تأخذون حليا لا يجوز ولا يحل العمل. تركوها، فجاءوا وتركوا الحلي ونبذوه، حتى إن هذه الأموال وهذا الذهب أصبح كومة عظيمة لكثرته. ولا نتحدث عن كم أخذوه، نتحدث عن مئات الآلاف من الأسر، يصل تعدادها إلى مليون. هذا عنده، وهذا عنده، وهذا عنده، وهذا عنده. فتجمع فأصبح كومة، كوم من الذهب. الله أعلم من الذي أمرهم بنبذ ذلك، قيل: إنه هارون، قيل: والله تعالى أعلم وجد هذا في كتب التفاسير أن هارون هو الذي أرشدهم إلى هذا، إلى إخراج الذهب، وأن يبقى هذا في حجر حتى يأتي موسى ويحكم فيه. لا تستفيدوا منه، تنتفعون منه حتى يأتي موسى ويحكم في هذا الذهب. قيل هذا، وقيل: إنه السامري، وذلك لأمر أراده. فالله أعلم بمن أمر بتجميع هذا الذهب. ولما تجمع هذا الذهب وهذا الحلي جاء السامري. السامري كان يحتفظ بشيء، قبضة، قيل: إن هذه القبضة منذ أن تناولها إلى تلك المساعة ولا يزال يده مقبوضة، ولا تزال يده مقبوضة. قبضة من ماذا؟ قبض قبضة من أثر الرسول. قلنا قد أشرنا في درس سابق على أن الرسول المعنى هنا هو جبريل عليه السلام، حين أن جاء مع موسى عليه السلام في مقدمة بني إسرائيل لإخراجهم من البحر، وكان في المقدمة، وكان على فرسه. والسامري راقب هذا الرسول الغريب العجيب الذي ظهر خفى على فرس. ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية، وهكذا الإمام البغوي، وجماعة من المفسرين على أن مما أثار استغراب السامري في هذا الرجل الذي جاء، قيل: إنه كان بصورة بشر، لكن الذي أثار استغرابه أنه كان يرى الفرس إذا وطأت أرضا هذه الأرض سرعان ما تخضر وتعشب. كل ما وطأ الفرس مكانا أنبت وأعشب، أنبت وأعشب. فأعرف أن لهذا الحافر شأنا، فسولت له نفسه أن يأتي قدح من أثر هذا الحافر، وهو فرس جبريل عليه السلام. وهذا أكثر المفسرين على هذا، أكثر المفسرين على أن قبضة الرسول هي أثر حافر فرس جبريل عليه السلام الذي امتطاه في نجاة قوم موسى من فرعون. فأخذ هذه القبضة التي لا تزال في يده حتى ألقاها على هذا الحلي وقال: «كن عجلا»، «كن عجلا»، فصار عجلا. فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، عجل أي صورة عجل، جسد أي كبير، خوار صوته وهو صوت الأبقار، الأزير أو الزئير صوت الأسود، والصهيل صوت الخيول، والخوار صوت الأبقار. فكان يصدر صوتا. طبعا اختلف العلماء في حقيقة هذا العجل كيف كان؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن هذا العجل هو عجل حقيقي، أعني حقيقي أنه تشكل لهم عجل من لحم ودم، لحم ودم، نهض آية من آيات الله، وهي فتنة، فتنة عظيمة. وهنا كانت تكمل البلاء والابتلاء لبني إسرائيل. قيل هذا منقول عن قتادة رحمه الله، وعن غيره ممن تابع على هذا القول بأنه عجل، عجلا جسدا له جسد حقيقي، له خوار، له صوت، لكن لا يتحرك في مكانه. هذا قول. القول الثاني: قيل إنه كان هيكلا، لأنه قال إن السامري عندما جمع هذا الذهب وضعه في النار وشكله على صورة هيكل عجل، فأتى بالقبضة وأدخلها إلى داخل العجل وقال: «كن عجلا»، فأصبح يصدر صوتا، يصدر صوتا كأنه ماذا؟ عجل حقيقي، كأنه عجل حقيقي. قيل هذا، وهذا الثاني منقول عن علي، بصح عن علي رضي الله عنه أنه قال بهذا، لأنه كان عجل مصنوع من ذهب. فعندي هذه الأقوال: عجل حقيقي ويحتمل، وعجل غير حقيقي وهيكل مصنوع من ذهب يحتمل. فلما وقع هذا سارع السامري لقال: «هذا إلهكم يا بني إسرائيل، هذا إلهكم وإله موسى»، فنسي يعني موسى ذهب يريد أن يلقى ربه، وما درى أن ربه هو موجود عندنا الآن. «نسي أن ربه موجود عندنا»، «هذا ربكم يا بني إسرائيل، هذا الذي أنجاكم من عدوبكم، هذا الذي أهلك فرعون، هذا الذي أعطاكم هذه النعم». فحينها فتن به أقوام من بني إسرائيل، فعبدوا العجل وصدقوا هذه العقيدة بأن هذا هو الإله، وهم يرون هذه الآية العظيمة، سواء قلنا إنه عجل حقيقي أو شبه عجل، لكن الخوار الصوت حقيقي له خوار. فانبهروا، فانبهر من هذه الآية وصدقوا أن هذا هو إلههم كما دعا السامري. فقاموا على عبادته. هارون عليه السلام قام، قومة النبي الصادق المصلح في هذا الموطن، قال: «يا قوم إنما فتنتم به، هذه فتنة، وإن ربكم الرحمن ليس هذا، ليس هذا الذي صنعتموه بأيديكم يكون ربكم، حاشا ربكم الرحمن». فاتبعوني وأطيعوا أمري، أنا أمركم بترك هذا. لكن القوم استمروا، قالوا: «لن نبرحه عليه عاكفين»، لا تتفكر أننا سنترك هذا، هذا إلهنا، إلهنا يعبد، يعبد، ولن نترك حتى يرجع إلينا موسى، إلى أن يأتي موسى، حينها سنقوض معه في النقاش. لكن نحن الآن لا تخض معنا، حرص هارون عليه السلام على أن يقنعهم ببطلان ما هم عليه ما استطاع لذلك. بل تجروا عليه وكادوا أن يقتلوه، كادوا أن يقتلوه. طبعا حينها لما رأى هارون عليه السلام إصرار هؤلاء وجد أن من الحكمة، وأن من المصلحة أن ينحاز ببني إسرائيل عن هؤلاء الهلكة. طبعا الذين عبدوا العجل هم طائفة، طائفة من بني إسرائيل، ليس الكل. مع قولي أن هؤلاء الطائفة أتدري أن هذه الطائفة هم بالآلاف، كما سيأتي معنا، بالآلاف المؤلفة. نتحدث عن شعبهم مئات الألوف، مئات الألوف، أحد الآلاف، عشرات الآلاف. انحاز إلى عبادة العجل، فوجد هارون عليه السلام من المصلحة عدم المصادمة، وأنه يبتعد، يبتعد عن هؤلاء. لماذا؟ حتى لا تقع فتنة بين الموحدين الذين معه وبين هؤلاء الذين أشركوا في عبادة العجل، أو خشية من افتتان أهل التوحيد بعبادة العجل. فرأى أن المصلحة أن يبتعد، فابتعد. هذه الفتنة يقول العلماء أنها صارت متى؟ صارت في الأيام العشر التي أضيفت في موعد موسى عليه السلام، لأن الجماعة انتظروا موسى ثلاثين يوما، هذا الأصل. أخبرناكم أن الله عز وجل أضاف على موعد موسى عشرة أيام وأتممناها بعشر. في هذه العشر، كما قال العلماء، تمت هذه الفتنة. تمت هذه الفتنة. رأوا أن موسى تأخر، فجاءت فكرة العجل فعبدوا العجل في هذه الأيام العشر. رجع موسى عليه السلام، طبعا بعد ما قد أخبره ربه بأن قد فتن قومك من بعدك وأضلهم السامري. فرجع موسى غضبان أسفا، غضب، والأسف تأتي، الأسف بمعنى شدة الغضب، وقد ملئ حنقا وغيضا من هذا الذي فعلوه قومه. فجاء وقد بكل غضبه، إلى أن وصل. فلما وصل إلى قومه، ما صدق الذي يراه، الذي سمع شيئا لكن الذي يراه شيئا آخر. وماذا فعل هنا؟ من ذهاب شعوره ألقى الألواح، التوراة التي في يده ألقاها، سقطت. ما استوعب. ولهذا يذكر العلماء عند هذا الموقف عن موسى: «وليس الخبر كالمعاينة»، أنت تسمع الشيء لكن لما ترى أمرا آخر. سمع أن قومه وقعوا في فتنة، لكن لما رأى عجلا وهؤلاء سجود ويعبدون، وهذا «هذا إلهنا، وهذا رب بني إسرائيل»، ما تمالك موسى عليه السلام نفسه، فألقى الألواح. ثم توجه بالخطاب، وهي في الحقيقة ثلاثة خطابات. الخطاب الأول لقومه، قال: يعني يسأل قومه: «ما الذي أطال عليكم الأمل؟ هل أتأخرت عليكم هذه الفترة حتى تعبدوا العجل؟» يعني ما الذي أوصلكم إلى هذه الحال؟ ما الذي يا قوم؟ ما الذي فعلتم من عبادة العجل؟ قالوا: «عندنا حلي كان موجود وأخبرنا بأنه حرام علينا فألقيناها، وكذلك ألقى السامري». كان، طب كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «كان عذر بارد سمج» عندما عاتبهم موسى عليه السلام. «أم أردتم أن يحل عليكم سخط غضب من ربكم فأخلفتم موعدي؟» قالوا: «ما أخلفنا موعدك بملكنا، ولكن حملنا أوزارا من زينة القوم، فقدفناها، وكذلك ألقى السامري»، قال: «هذا حجتنا». ثم الخطاب الثاني توجه إلى هارون عليه السلام، قال: «يا هارون، ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن تتبعني؟ فعصيت أمري». إذا لما رأيت الأمر قد وصل إلى هذا الحد، كان بإمكانك أن تذهب إلي، أنا بالقرب، كما قلنا، من مكان بني إسرائيل ستين كيلو تقريبا، يمكن أن يأتيها مشيا بساعات يصل. أن تتبعني، تأتي، «فعصيت أمري؟ هل عصيت أمري عندما أخبرتك أنك لا تتبع سبيل المفسدين؟» هذا هو المفسد السامري، وما فعله، كيف ترضى بهذا أن يسكت وأن يفعل هذا في قوم بني إسرائيل؟ فكان من عذر هارون عليه السلام قال: «يا ابن أم، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي»، مع أنه شقيقه من أبيه وأمه، لكن ذكره برابطة الأم من باب التلطف. «يا ابن أم، أنت أم أنا؟ ويأك من أم واحدة»، ارحمني، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. «إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». أنا بإمكاني أن آتيك، نعم بإمكاني. لكن خشيت ما هو أعظم من ذلك، وما هو أعظم: أن تتفرق بني إسرائيل. أنا بإمكاني سأذهب مسافة وأعطيك الأمر ثم أعود، لكن خلال ذهابي وإيابي ما الذي سيكون في بني إسرائيل؟ التفرق، التفرق العظيم. إذا كان هذا عشرات الآلاف سيفتت مئات الألوف. فآثر هارون عليه السلام أنه ما يبتعد، بل يبقى، تخفيفا للشر، وأن ينحاز بمن بقي من أهل التوحيد الصافي في معزل. وكان هذا حكم عظيم من هارون عليه السلام. ثم توجه إلى الخطاب الثالث، وهو إلى السامري، قال: «فما خطبك يا سامري؟» قال: «بصرت بما لم يبصر به، فقبضت قبضة من أثر الرسول». في قصة أو في حديث الفتنة الطويل. هارون لما سمع هذا الكلام من السامري يقول: «يا موسى، أنا والله رأيت قبضة فأخذتها من أثر الرسول». هارون استغرق: ما الذي تعنيه؟ من الذي تعنيه؟ فقال السامري: «جبريل»، قال: «جبريل». فأخذت هذه القبضة وألقيتها، وكذلك سولت لي نفسي. فأتى السامري بما كان في نفسه. وقيل إنه كان دخيلا على بني إسرائيل، والله تعالى أعلم. فحينها أعطى موسى عليه السلام حكمه في هذا الرجل: «اذهب»، أي لا تبقى لك، أنت لست منا الآن، أخرج، لا تبقى عندنا، منبوذ، لا تبقى في معسكرنا، ولا تبقى بيننا. «فإن لك في الحياة أن تقول: لا مساس»، عقوبتك الدنيوية: أنك تعيش منبوذا مدى الحياة، مدى الحياة. «لا مساس»، بمعنى أنك إن تعرضت للمس وللمس فإنك ستتأذى، فإنك ستتأذى. ولهذا كانت السلامة له أن يبقى في معزل حتى لا يمس أو يمس، فلهذا كان يقول: «لا أمس ولا أمس»، «لا أمس ولا أمس»، يعني: لا أنا أمس أحدا، ولا أحد يمسني. كان هذا شعار «لا أمس ولا أمس»، «لا أحد يمسني ولا أمس أحدا»، «لا أحد يمسني لا أمس»، «لا مساس». فكان يسير في الصحراء على هذه الحالة حتى هلك. هذا عقوبة الدنيا. وأما في الآخرة فإن لك موعدا لن تخلف. «فانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا»، فالآن المحكم الأخير في هذا الصنم، وهو العجل. «لنحرقنه ثم لننسفه فنه في اليم نسفا»، أمر بإحراقه. فالآن سيأتي على القول ما ذكرنا عن حقيقة العجل. فإن كان هذا العجل حقيقيا من لحم ودم فإنه سيذبح. وقد جاءت هذا في قراءة في قراءة عبد الله بن مسعود: «إنه قال: لنذبحنه»، يذبح، ثم يحرق، حتى يكون رمادا من جثته، ثم هذا الرماد يأخذ ويرمى به في البحر. هذا إذا قلنا إن العجل حقيقي. وإذا قلنا إنه عبارة عن مصنوع من هيكل ذهبي وله خوار، فقد جاء عند الحاكم بسند صحيح عن علي بن أبي طالب أن موسى عليه السلام أتى أمر بالمبارد، وأمر أن يبرد هذا العجل، أن ينحت، نحتا، ينحت، يفتت، حتى أصبح كالرماد، حتى أصبح كالرماد، ثم يرمى به ماذا؟ ينسب به نسفا في اليم. وعلى القول الأول والثاني لماذا فعل موسى عليه السلام هذا الأمر؟ فعل موسى عليه السلام هذا الأمر حتى ينزع الاعتقاد الذي وقع في قلوب أتباعه ممن عبدوا العجل، لأن هؤلاء عبدوا العجل ليس عبادة صدقية، بل وصف ربنا عز وجل تعلق هؤلاء بالعجل بقوله: «وأشربوا في قلوبهم العجل»، أي أن حب العجل أصبح كالشراب الذي صب على قلوبهم صبا، يعني أصبحت عقيدة راسخة عندهم لا تتزحزح أن هذا إلههم. فلما كانت العقيدة قوية جدا، فأمر موسى عليه السلام بماذا؟ بإزالة هذا الصنم في الواقع، إزالة واضحة جلية. فأمر أن يكون إما فتاتا أو رمادا، يفت حتى ينظر هؤلاء العابدون انظر إلى إلهكم، انظروا ما الذي فعلنا به؟ جعلنا إن كان حقيقيا رمادا، وإن كان شبه حقيقي جعلناه فتاتا. «هذا إلهكم»، ثم يرم به في اليم، انظروا إلى إلهكم رمي في البحر، هذا رب. وذلك حتى تزول كل ما يكون في قلوبهم من الاعتقاد بهذا العجل. فلما علم العابدون عظيم ما فعلوا، حينها تابوا إلى الله عز وجل. لكن يبقى: هل التوبة كانت بهذا الاعتبار كافية؟ تبنى إليك، لا، لم تكن كافية. قال موسى: «يا قوم، إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم»، ليس الأمر توبة عادية، الذي فعلتموه أمر لا يخطر على بال. ما هي إلا فترة وجيزة من إنعام الله عليكم كفرتم بالله واتخذتم صنما وعبدتم غيره. فأمر الوحي من الله بأن توبتكم من هذا الذنب العظيم أن يكون بقتل النفس. وقتل النفس هنا: أن يقتل بعضهم بعضا، بأن يقتل بعضهم بعضا. وذكر العلماء أن في طريقة القتل هذه إما أن هؤلاء يجمعون، العابدون يجمعون، وتعطى لهم السكاكين، وتعطى لهم الخناجر والسيوف، وماذا؟ كل يقتل الآخر، كل يقتل الآخر. ففعلوا هذا بلا هوادة. أتعلم ما معنى بلا هوادة؟ كان الأب يأتي ويقتل ابنه، والأب والابن يقتل أباه، والأخ يقتل أخاه، وهكذا. القتل يستشري بين هؤلاء العابدين، هذا وجه. والوجه الثاني: أن الذي تولى القتل الذين لم يعبدوا، الذي ما عبدوا العجل، أعطي لهم السيوف والخناجر، ماذا نفعل؟ أدخلوا أدخلوا على هؤلاء الذين عبدوا العجل، فاقتلوا منهم ما شئتم، فقد استباح الله دمهم. قيل هذا، وقيل هذا. واستحر القتل، سواء كنا في الصورة الأولى يقتل بعضهم بعضا، أو أن من لم يعبد يقتل الذي عبد. وذا قد هيئ نفسها أن يقتل، يقتل ما يرد. هذا توبتك، تريد أن تتوب، سلم نفسك للقتل، هذا كفرت ذنبك. فاستحر القتل، والجثث تكثر، والدماء تنهمر، حتى إن موسى كان يدعو ربه بأن الله يخفف ويرفع هذا الرجل، هذا الموت عن قومه: «اللهم البقية البقية»، أترك، «اللهم البقية البقية»، قاربوا. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك، فقال ربنا عز وجل لموسى: «حسبك»، يكفي هذا القتل. الروايات جاءت عن الذي قتل منهم: سبعون ألفا، جاء هذا عند الحاكم بإسناد صحيح، قتل في هذا اليوم سبعين ألف ممن عبد العجل. دماء وجثث تنهمر، هذا بعفو الله، وإن لو استمر، لو ترك الأمر لقتل الكثير، لأن كما قلنا الذي عبدوا العجل كثير، وقعوا في هذه الفتنة العظيمة. «ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون»، فعفى الله عز وجل. وجاء في رواية أن الله عز وجل قال: «قد تبت في حق من قتل، وقد غفرت لمن بقي». أنزل الله توبة من قتل من هؤلاء في هذه المجزرة، هذا قد تبت عليه، ومن بقي منهم ممن عبد العجل وتاب بقي حيا، تبت عليه. فأنزل الله رحمته، ولا زالت رحمة الله تتنزل على هذه الأمة من بني إسرائيل. طبعا هنا إلى هذا الحد تنتهي قصة موسى عليه السلام مع السامري. لكن يذكر العلماء أن هذا الأمر كذلك التوبة علقت بشرط، وهذا لعله يأتي معنا بإذن الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.