الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبرز أهمية مقام المراقبة في الصوم، حيث يمتنع الصائم عن الأكل والشرب حتى في السر. يُفسر العلماء تخصيص الله للصوم بالقول إنه عبادة السر.
ينبغي للمسلم أن يستمر في مراقبة الله تعالى بعد رمضان، فيمتنع عن المحرمات ويتقرب إلى الله بالطاعات. كما أن شعيرة الصيام تتحول إلى تجربة إيجابية بفضل إعانة الله تعالى.
يُشجع على الاستمرار في الصيام بعد رمضان، مستدلاً بصيام الست من شوال. الصيام ليس صعبًا بل هو ميسر لمن يسره الله عليه، ويحث على عدم الانقطاع عن الصيام لما له من فضل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذه السلسلة من الدروس العلمية في بيان ما قام به أهل الإسلام في شهر رمضان، ينبغي أن يستمر معهم طيلة العام. ومما أذكره من الأشياء المستفادة، إخواني في الله، ما كان من تفعيل مقام المراقبة. وجه ذلك أن صائمًا في رمضان، خلال ساعات صومه، لربما لاحت له فرص في أنه يفطر، يأكل ويشرب ولا أحد يدري به، ولا أحد يعلم به، يفطر خلف الكواليس، ومن وراء الدهاليس، خلف أو فوق السطوح، أو في الخبايا، وفي الزوايا، خبايا. لكن المسلم ما فعل هذا؛ بإمكانه يفطر ويخرج ولا أحد يكشف أمره، لكنه ما فعل؛ عظم جانب المراقبة لعلمه أن الله عز وجل مطلع عليه، إن كفى وانزجر واستمر على صومه إلى أن أتم. وهذا المقام، إخواني في الله، من أعظم مقامات التي يحوزها الصائم في فترة صومه، حتى أن العلماء في الحديث القدسي، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، قال الله: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، تباينت آراء العلماء: لماذا الإختصاص حين أن قال الرب جل وعلا: «الصوم لي»، مع أن الأعمال كلها لله؟ لكن هنا مزيد عناية: «الصوم لي»، هنا تنوعت عبارات العلماء في ذكر العلة التي لأجلها رفع من مقام الصوم. ومن أجمل من شخص هذه العلة ما ورد عن بعض العلماء، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله، أن الصوم هي عبادة السر، هي عبادة السر، لا أحد يعلم بك، لربما المجلس يضج بالحضور والحشود، ومن بينهم أهل الصيام، لا أحد يدري بهم، ما أحد يعلم بهم، ليس لها هيئة أو كيفية أو تصرفات تميزهم عن غيرهم، فهي عبادة السر. فلما كانت هي بهذه المثابة، فيها من عظيم المراقبة لله، عظم الله أمر الصوم، فقال جل في علاه: «الصوم لي وأنا أجزي به». أشاهد من هذا أن المسلم الصائم خلال فترة صومه اكتسب هذا المقام، مقام المراقبة، هذا المقام يا عبد الله حقه أن يستمر معك طيلة العمر، في أن تراقب الله جل وعلا في أقوالك وأفعالك وحركاتك وسكناتك، أن تراقب الله جل وعلا فيما تفعل وفيما تترك، تراقب الله في فعل أوامره وفي ترك نواهيه، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وقال جل في علاه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، وفي الحديث القدسي: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه سبحانه وتعالى يراك». وكما قال القائل: «إذا ما خلوت الدهر يومًا لا تقل خلوت، ولكن قل علي رقيب، ولا تحسب أن الله يغفل ساعة، ولا أن ما تخفي عليه يغيب». فالشاهد، إخواني في الله، أن مما يستفيده المسلم في رمضان وينبغي أن يستمر معه طيلة العام، أن يفعل دائمًا وأبدًا مراقبة الله، كما كنت تراقبه في رمضان فانكففت عن المفطرات، فهكذا راقبه في سائر عمرك فتنكف عن سائر المحرمات. كذلك مما أذكره في هذا المقام، وهي من الأمور المستفادة في رمضان، ما يكون من الإقبال على شعيرة الصيام، هذه الشعيرة التي تعامل معها الناس بخوف ووجل. الكثير من الناس يتخوف من شعيرة الصيام، ولها تجد أن الكثير منهم يتقاعس عنها، لا يتحلى بها، ولا يتعبد الله عز وجل بها، إلى أن يأتي رمضان لزامًا وغصبًا على كل فرد عاقل بالغ أن يصوم، فصام الناس، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، هنا لا مفر، فصام الناس. لكن عندما دخل من دخل إلى شعيرة صيام رمضان، حينها وجدوا حقيقة الحال، هذا الصيام الذي كنت تخشاه يا عبد الله، هذه حقيقته، دخل عليك بردا وسلاما، تيسيرا وميسرا من الله عز وجل، حتى سمعنا من كثير من الناس، بل ربما أنت تلفظت بهذا، بأن هذا الصوم ما في تعب، ما شعرنا فيه بتعب، لا كلفة، لا عنت. والكثير من يصرح بأنهم ما وجد ألم الجوع والظمأ في خلال ساعات صومه، لما كان من إعانة الله عز وجل للصائمين. هذا هو حالنا، فجاء رمضان فبدد هذه المزاعم التي كانت معشعشة عند كثير من الناس، أن صيام متعب وأنه مكلف وأنه مجهد وأنه منهك للجسد والبدن. لكن رمضان أتى بخلاف ذلك. ثم إذا كان الأمر على هذا الحال يا عبد الله، والإنسان الصائم استطاع أن يصوم ثلاثين يومًا، لا أقول مفرقة، بل يومًا بعد يوم، بكمالها وتمامها، وما خرم منها يومًا واحدًا، إذا استطعت يا عبد الله على صيام هذه المدة الطويلة بكل أريحية، أما تستطيع يا عبد الله أن تصوم غيرها من الأيام التي هي مفرقة، وهي كما يقال مريحة؟ لربما أيام تصومها خلال أسبوع، كالإثنين والخميس، أو خلال شهر، ثلاثة أيام خلال شهر، أما تستطيع على ذلك؟ الجواب: بلى، بدليل أنك استطعت على رمضان، فمن باب أولى أن تستطيع على ما هو دونه. نعم، قد يقول إنسان: لكن رمضان تأتيه نفحات إيمانية، وهناك بركات ربانية. نعم، رمضان فيه ميزة خاصة من رب العباد جل فعلا، أن الله يسر الطاعة على العباد، فأغلق أبواب النيران، وصفد الشياطين. لكن ليس معنى ذلك أن خلاص بعد رمضان ما يمكن على الصيام، بدليل شوال، شوال نموذج حي هنا، ما عندنا ما في رمضان من إغلاق أبواب النيران، ولا من تصفيد الشياطين، الشياطين قد فرفرت وأخرجت من سلاسلها أو من وثاقها، وهي تَرْعَى هنا وهنالك، ومع ذلك جاءت شرعية صيام الست من شوال. فأنت ولله الحمد، لا أقول ربع الناس، ولا شطر الناس، بل ثلاثة أرباع المجتمع يصوم شوال، وانظر إلى البيوت، وانظر إلى المساجد، تجد المآدب كما هي ولله الحمد، حتى بلغنا أن قرى بحالها تصوم شوال، كما يقال الصيام جماعي، أصبح الناس اعتادوا، مع أن شوال ليس كرمضان، ومع ذلك سهل الله عليهم الصيام. فإذا كان كذلكم يا عبد الله، فهذا أنموذج حي على أن الصيام أمر ميسر، لكن الذي عند الناس عامة: نفسي، نفسي، أنهم عقدوا أنفسهم، فلا تعقدها يا عبد الله، احرص احرص يا عبد الله على أن يكون لك نصيب من الصيام خلال الأيام والأسابيع والأشهر، لا تنقطع. ومضى معنا في أوائل هذه الدروس فضيلة الاستمرار على العبادة، ومنها الاستمرارية على الصيام، «إن الله أعد غرفًا في الجنة يرى باطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع بين الصيام متابعة». فالشاهد، إخواني في الله، أن مما استفدنا من رمضان هو الحفاظ على شعيرة الصيام، وكلنا ذاق هذه الشعيرة، وتبدد ما كان في مزاعمنا من شدتها وعظيم وطأتها، والأمر ليس كذلك، بل هو يسير على من يسره الله عليه. حتى أننا نعلم، وأنت تعلم، أن من الناس من له سنوات، سنوات خمس، عشر، عشرين سنة، وهو لا زال يصوم النوافل بكل أريحية، بل ربما زاول عمله وزاول مهنته في البر والبحر وهو صائم، لماذا؟ لأن الجسد اعتاد، الجسد تعود، فرمضان، إخواني في الله، ما هو إلا مدرسة لبيان أن شعيرة الصيام تعتبر من أعظم الشعائر، وهي ميسرة لكل إنسان، فلا تبخل على نفسك يا عبد الله من هذه العبادة العظيمة. وقد سئل نبينا عليه الصلاة والسلام: «أي العمل أحب؟ وأي العمل أفضل؟» قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»، وفي رواية: «فإنه لا مثل له»، أي لا نظير ولا مثيل من شعيرة الصيام من حيث الأجر والثواب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.