الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع أن الأنبياء اتفقوا في العقيدة واختلفوا في الشرائع، وأن شريعة الإسلام تميزت بالشمولية والتيسير. يُوضح أن الشرائع السابقة كانت ثقيلة على أتباعها بينما جاءت شريعة الإسلام لتخفف عن الأمة وتيسر أمور دينها ودنياها.
يشرح المقطع سهولة الشريعة الإسلامية ويسرها مقارنة بالشرائع السابقة، ويبين تيسيرها العام والخاص لأصحاب الأعذار. كما يوضح تسهيلات التيمم ورخصة الإفطار في رمضان للمريض والمسافر.
يتناول المقطع سماحة الشريعة الإسلامية وتيسيرها في العبادات، ويشرح تسهيلات التيمم وعموم رسالة النبي محمد للناس كافة. كما تطرق إلى تأجيل الصيام للمريض والمسافر مستشهدا بقول الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنستأنف القراءة في رسالة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله رحمةً واسعة، وهي بعنوان القواعد في العقيدة، مع التنبيه من أننا سنجعل درسي الظهر والعصر في القراءة في هذه الرسالة حتى نقطع فيها شوطًا. قال رحمه الله تعالى: قال هكذا الأنبياء دينهم واحد، كلهم جاءوا بهذا الأمر عليهم الصلاة والسلام، أي جاءوا بأمر العقيدة والتوحيد، قال: ولكن الشرائع تفرقت، وقد ذكرنا ذلك في دروس خلت أن الأنبياء اتفقوا في العقيدة والتوحيد وتقريرها، واختلفوا في المسائل العملية والأحكام والشرائع. قال: ولكن الشرائع تفرقت بمثابة الأولاد لأمهات العلات، فشريعة التوراة فيها ما ليس في شريعة الإنجيل، كما قلنا: الشرائع تختلف، ولهذا قال عيسى عليه السلام لبني إسرائيل: «ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم»، هذه شريعة عيسى، شريعة عيسى أتت بما ليس في التوراة. قال: وفي الشرائع التي قبلها أشياء ليست فيها، وهكذا كل شريعة تميزت بطاعات، بعبادات، بقربات تختلف من نبي إلى نبي، ومن شريعة إلى شريعة، والكل متفق على العقيدة والتوحيد التي لا تقبل التغيير أو التبديل. قال رحمه الله: وفي شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشياء غير ما في التوراة والإنجيل، نعم، في شريعتنا تميزت في أصول عامة، في أصول خاصة. فمن الأصول العامة التي تميزت بها شريعة الإسلام عن باقي الشرائع: الشمولية، ديننا شامل، جاء لكل مجالات الدين والدنيا، أصلح الله بهذه الشريعة أحوال العباد في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما ترك شيئًا إلا وبينه، بخلاف الشرائع الماضية التوراة والإنجيل، فإن كثيرًا ما تتعلق بالجانب الديني والخلقي. لكن شريعتنا تميزت بعموم التشريع، قال: فقد يسر الله على هذه الأمة وخفف عنها الكثير، وهذا أيضًا مما تميزت به شريعتنا عن باقي الشرائع أن الله عز وجل جعل فيها التيسير. قال: فقد يسر الله على هذه الأمة وخفف عنها الكثير، كما قال جل وعلا: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة»، هذه الأدلة تدل على هذه الخصيصة التي تمتعت بها شريعتنا، أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها اليسر والتيسير. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾، إشارة إلى أن الشرائع السابقة كان في شريعتها من الشدة والضيق والحرج والتكليف، فما جاءت شريعتنا رفع الله عز وجل هذه التكاليف عن أمتنا خاصة. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال﴾، الآصار والأغلال هي السمة البارزة لشرائع من كان قبلنا، فما الفرق بين الآصار والأغلال؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الآصار هي تتعلق بالواجبات الشديدة، والأغلال هي متعلقة بالمحرمات الشديدة. ما معنى هذا؟ في شريعة من كان قبلنا أمرهم الله عز وجل بشيء من الواجبات، لكنها كانت آصار ثقيلة، لأن الأصر بمعنى الثقل، الواجبات في الأمم السابقة كان فيها ثقل، ثقيلة، واجبات شديدة ثقيلة عليهم. مثاله: أنهم لا يصطادون يوم السبت، هذا واجب، ما يصطادون يوم السبت، كذلك من الآصار التي كانت عليهم أن النجاسة إذا وقعت في ثوب أحدهم فإنها لا تطهر إلا بقطعها، لو قدر أن أحدًا تبول فسقط شيء من بوله على سراويله أو على إزاره، فهذا الموطن ينبغي أن يقص، ثم يأتي برقعة بدل هذا المكان المقطوع، هذا من الآصار، ما تطهر عندهم بالمياه وإنما تطهر بالإزالة بالقطع كاملًا. والأغلال هي المحرمات، والمحرمات الشديدة، منع من أشياء، من هذه الأشياء منعوا مثلًا من بعض الأطعمة من الشحوم والحوايا والحواشي، هذا ممنوع، لا تأكلونها، هي صحيح في شريعتنا أحلها الله، لكن عندهم محرمة، ضيق عليهم حتى في باب الأطعمة، وهكذا في باب الديات، في باب الديات ممنوع أنهم يأخذوا دية، ما عندهم دية، إنما النفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن، من قتل يقتل، من قتل يقتل، فهذه من الأغلال، أي أشياء منعت عليهم، لكن فيها شيء من الكلفة. فشريعة من كان قبلنا عندهم آصار، أي واجبات شديدة، وعندهم أغلال، أي ممنوعات ثقيلة، هذا في شريعة، أما في شريعتنا قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة»، المؤلف ها هنا في رسالتي علق، ذكر أن الشيخ الألباني ضعفه في ضعيف الجامع، لكن بالمقابل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة حسن الحديث، حسن الحديث، فهو حسن. أضف إلى ذلكم عدة روايات وهي شواهد لهذا الحديث، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، فما معنى الحنيفية السمحة؟ بمعنى الملة الملة الحنيفية السمحة، معنى الحنيفية هي الملة المستقيمة، هي الملة المائلة عن الباطل، الثابتة على الحق، فهي مستقيمة، هذه ملة الإسلام، فيها استقامة، لا عوج فيها. وهذه الملة الحنيفية السمحة سمحة، أي فيها يسر وسهولة، ومنه السماحة، وإنسان سمح أي سهل، وهكذا هي ملتنا التي بعث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: فالله بعثه بشريعة سمحة، ليس فيها آصار، وليس فيها أغلال، وليس فيها حرج، حتى الحرج ليس فيها، الحرج منتفي، كما قال قال سبحانه: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، ما هناك حرج في ديننا، بل قائم على اليسر والسهولة. وموضوع اليسر والسهولة من باب الفائدة هو موضوع موجود في أمتنا على وجهين اثنين، اليسر والتيسير في شريعتنا جاء على وجهين اثنين، الوجه الأول الشريعة كاملة، الشريعة كاملة، لو قارنتها بشريعة من كان قبلنا تجد أنها شريعة سهلة ميسرة سمحة، ما فيها آصار ولا أغلال ولا كلفة ولا شدة، هي بذاتها هذا الأمر الأول، وهو نسميه التيسير العام. وهناك التيسير الخاص، وهو لأصحاب الأعذار، مع أنها ميسرة، لكن لو قدر أن أحدًا من المسلمين ابتلي بعذر، فإن التيسير يأتي معه، مثاله: «صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، هذا تيسير خاص، وهكذا قس في باب الطهارة، في باب الصيام، في باب الحج، في باب تراخيص تأتي، باب الرخص طويل، وهذا يسر داخل يسر، عندي يسر العام الشريعة، ويسر خاص لأصحاب الأعذار. فديننا قائم على اليسر والتيسير، ولله الحمد والمنة. قال: كان أتباع الشرائع الماضية قبل شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم لا يتيمنون، لا يتيممون عند فقد الماء، بل يؤخرون الصلوات ويجمعونها حتى يجدوا الماء، ثم يتوضؤون ويصلون، هكذا كان من كان قبلنا، ما يعرفون التيمم، ما هناك إلا الماء، ما وجدوا الماء أخر الصلاة إلى التي بعدها، ما وجدوا إلى التي بعدها، ثم يصلون إذا وجدوا الماء، ولابد، قال: ثم يتوضؤون ويصلون. وجاء في هذه الشريعة المحمدية تيمم، قال: فمن عدم الماء أو عجز عن التيمم بالتراب، قال: أو عجز عنه تيمم بالتراب وصلى، ذكر المؤلف رحمه الله حالتين من حالات التيمم، الأولى عند فقد الماء، لا ماء، فأنت في صحراء، أنت في سفر، وحان وقت الصلاة، وهناك أمة من الناس كنقل جماعي أو أسرة، وما عندكم ماء إلا الذي تشربون، هنا لا تتورطوا بأن تشرب الماء وتبقى بلا شيء، لكن دع الماء للشرب، ثم انتقل إلى التيمم، تيمم وصلي، لماذا؟ لأنه لا ماء. أو العجز يكون عندك الماء، كرجل في بيته، بيته عنده الخزانات وعنده الحنفيات وعنده البراميل، الماء متوفر، لكنه عاجز عن استخدام الماء، الماء يضره، هنا أيضًا ينتقل للتيمم، قال: فمن عدم الماء أو عجز عنه تيمم بالتراب وصل، وجاء في ذلك أنواع كثيرة من التيسير والتسهيل. قال: وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة، إلى الجن والإنس، والعربي والعجم، وجعله خاتم الأنبياء، وهذا كذلك من ميزته، أن الله عز وجل جعل نبينا هو النبي الأوحد الأوحد في زمنه، ما هناك نبي معه، ولن يكون هناك نبي بعده، فهو أرسل للناس كافة، ليس للعرب. فلو سئل سؤال مثلًا: هل لأصحاب مثلًا أستراليا هل عندهم نبي؟ قل: نعم، عندهم نبي، من نبيهم؟ محمد بن عبد الله، كندا أصحاب كندا نبيهم محمد بن عبد الله، أفريقيا بالمثل، روسيا بالمثل، كل الأمم كل الأمم نبيهم محمد ابن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه، أرسله الله للناس كافة. قال: وكان من كان قبلنا لا يصلون إلا في بيعهم ومساجدهم ومحلات صلاتهم، أما في هذه الشريعة المحمدية فإنك تصلي حيث كنت، وفي أي أرض الله حضرت الصلاة صليت، في أي أرض لله، من الصحاري والقفار، كما قال عليه الصلاة والسلام: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وهذا من مناقب شريعتنا، ومن اليسر والتيسير أن مواضع الصلاة أنك تصلي في أي موضع حلت الصلاة، وجاء وقتها. في القفار، في الصحاري، حتى في البحر، أنت في عرض البحر، في قارب، في سفينة، في يخت، جاء الصلاة صلي وأنت في البحر، ليس عندي مكان محدد، بخلاف من؟ الأمم السابقة، الصلاة عندهم لا تتم إلا في أماكن مخصوصة محدودة محصورة في البيع، في الكنائس، وفي الدير، هذه أماكنهم. ولهذا تجد أن النصارى إذا أرادوا أن يؤدوا شيء من صلواتهم ومن طقوس دينهم ما لهم إلا أن يذهبوا إلى كنيسة، ولابد كنيسة، أما أن يصلي في العراء لا، هذا عندنا نحن، أنت تذهب في مسافة فربما تحين الصلاة وقد دخل عليك وقت المغرب، لا تؤخر، أطفئ السيارة وصلي، هاتي السجادة إذا كان مكان ليس بطاهر، وصلي يا عبد الله في أي موطن، ولو كنت في الجو، في الطيارة، في أي مكان، وهذا من سماحة التشريع الإسلامي. قال: فالشريعة الإسلامية التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم شريعة واسعة ميسرة، ليس فيها حرج ولا أغلال، ما فيها حرج ولا أغلال، حتى في التعاملات، حتى في باب التعاملات، مثلا في الشريعة اليهودية عندهم أن المرأة الحائض في حال حيضها فإنها ليس فقط قرباء، ليس فقط إغشيانها، بل لا يجوز أن تأكلها، ولا أن تشاربها، حتى أن تأكل معها لا، ما تؤكل، قومي أنت حائضة في أيام الدورة، قومي اعتزلي طعامك هناك وشرابك هناك، لا تبقي مع أفراد الأسرة، تعتزل نهائيا، انظر لهذه العزلة، هكذا كانت عند التوراة. فلما جاء الإسلام سبحان الله فرق، فتجد المرأة تبقى كفرد كباقي أفراد الأسرة، تمشي معهم في مدخلهم ومخرجهم ومأكلهم ومشربهم، وهذه من سماحة الدين، من سماحة الدين. قالوا: من ذلك المريض لا يلزمه الصوم، بل له أن يفطر ويقضي، هذا المريض إذا جاء رمضان أصبح الله عز وجل عنه الصيام، بل له أن يفطر وأن يقضي متماشي يقضي متماشي، والمسافر يقصر الصلاة ويفطر في رمضان ويقضي الصوم. وانظر للمسافر، المسافر رخص لهم رخصتين في موضوع السفر، أنه يقصر من الصلاة وأنه يدعي الصيام، كما جاء في حديث أنس بن مالك الكعبي: «وإن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، ذكره شيخنا مقبل رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، «إن الله وضع» أي أسقط عن المسافر الصوم وشطر الصلاة. قال: كما قال تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، طيب نقف إلى هذا الحد، وإن شاء الله في درس العصر نواصل الحديث حول هذه المسائل التي تطرق إليها المؤلف رحمه الله في بيان ما تميزت به الشريعة الإسلامية عن باقي الشرائع. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.