أسباب وموانع الرزق

الخطبة بعنوان أسباب وموانع الرزق، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 رجب 1444هـ الموافق 27 يناير 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التأكيد على أهمية السعي والتوكل في طلب الرزق

يُشدد على أهمية السعي في طلب الرزق وربطه بالأجر العظيم، ويُوضح أن التوكل على الله سبب رئيسي لجلب الأرزاق. يُستشهد بالأحاديث النبوية التي تؤكد أن العمل والسعي على إعالة النفس والعيال يُعد من سبيل الله.

أسباب جلب الأرزاق والبركة

يُناقش أسباب جلب الأرزاق مثل التوكل، الدعاء، إقامة الصلاة، وصلة الأرحام، ويُشدد على أهمية هذه الأعمال في جلب الرزق وبركته. كما يشير إلى أهمية الاستغفار والذكر والصدقة والطاعات.

تحذير من الكسب الحرام وختم بالدعاء

يحذر من الكسب الحرام مثل الربا وبيع المحرمات والميسر والقمار، ويشدد على أهمية طلب الرزق من الحلال. يتضمن المقطع دعاءً للمسلمين بالمغفرة والرحمة ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم ما يشغل بال العباد بعد أدائهم لحق رب الأرباب جل في علاه ما كان من اهتمامهم وحرصهم على أمر الأرزاق، فإن الإنسان لا عيش له إلا برزق يسد به رمقه، ويقيم به صلبه، ويكسب به مالًا، ويعيل به عيالًا. وإن الواحد منا، وخاصة في هذه البلاد، لربما كان موضوع الأرزاق هو هاجسه الأعظم وهمه الأكبر لصعوبة حصوله ولقلة وصوله. وإنني في هذا المقام لأشير إشارات، وأنبه على بعض المقامات التي بها يمكن للعبد أن يستجلب الأرزاق والخيرات. فأقول وبه سبحانه أصول وأجول: إن السعي على الرزق مع أنه من الأمور الضرورية والحاجيات الأساسية التي لا غنى للإنسان عنها، كما قال ربنا: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، إلا أن الله جل وعلا قد رتب لمن سعى على تحصيله أجرًا وثوابًا ورضًا وإحسانًا. قال عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعامًا خيرًا له من أن يأكل من عمل يده». وقال عليه الصلاة والسلام وقد سئل: «أي الكسب أطيب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: عمل الرجل بيده». وإذا كان إرادة السعي لإعانة نفسك وإعانة غيرك ومن هم تحت يدك، فإن سعيك -يا عبد الله- أعظم أجرًا. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا شَابٌّ مِنْ الثَّنِيَّةِ فَرَمَيْنَاهُ بِأَبْصَارِنَا وَقُلْنَا: لَوْ أَنَّ هَذَا جَعَلَ شَبَابَهُ وَنَشَاطَهُ وَقُوَّتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام معلقًا على قولهم: «وَمَا سَبِيلُ اللَّهِ إِلَّا مَنْ قُتِلَ؟! مِنْ سَعَى عَلَى وَالِدَيْهِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ سَعَى عَلَى عِيَالِهِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ سَعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وعلينا أن نعلم أيضًا أن من المسائل المهمة المتعلقة بجلب الأرزاق أنه بحاجة إلى بذل وجهد، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾. وإن الله سبحانه وتعالى قد جعل لذلك أسبابًا، إلا أن الكثير من الناس من يرى أن أسباب الرزق إنما تستجلب بأسباب مادية بحتة. والله سبحانه وتعالى قد بين لنا أن من الأسباب التي تجلب الأرزاق ما يكون بأسباب شرعية، بأعمال تعبدية هي أولى بالاهتمام. فمن ذلكم -يا عبد الله- الحرص على التوكل على الله جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». التوكل على الله سبب عظيم في استجلاب الأرزاق. فأنت -يا عبد الله- في سعيك وفي ضربك على الأرض لا تعتمد على عقلك وذكائك، أو تعتمد على آلاتك ومعداتك، أو ترك على عملائك وزبائنك، وإنما اعتمد على الله جل في علاه في جلب الأرزاق، فإنه من اعتمد على الله كفاه، فييسر لك الخير كله. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. حسيبك إن توكلت واتكأت عليه جل في علاه. وكذلكم من الأسباب العظيمة في جلب الأرزاق ما يكون من الدعاء، وذلك بأن تتضرع وتمد يديك إلى السماء فتسأل ربك جل وعلا من خيري الدنيا والآخرة، تسأل من بيده خزائن السماوات والأرض سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وفي باب الدعاء لا تستعظم شيئًا على الله، فالكون ملكه يعطيه لمن شاء. هذا سليمان عليه السلام كان من دعائه: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ». فسخَّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد. هذا عطاؤنا، فمن أو أكثر بغير حساب. عطاء الله واسع، لح على الله ليل نهار، سله -يا عبد الله- في أن يعطيك وأن يرزقك ويحبك جل في علاه. ومن الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق ما يكون من إقامة الصلاة. قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. ربنا جل في علاه يرزق العباد، وخاصة من أقام الصلاة: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. فمن كان مصليًا فالله جل وعلا يبارك له في رزقه، فلا تظن -يا عبد الله- أنك بإغلاقك لدكانك أو محلك لأداء الصلاة أنك قد ضيعت زبائنك أو نقصت من مالك، بل والله في تأديتك لصلاتك خير وبركة ونماء. وسل المصلين ينبئوك عن كثرة الخير والعطاء. فالله -فالله- يا عبد الله في إقامة الصلاة، ولو على حساب أن تغلق دكانك، فالله المعوض جل في علاه. وأيضًا مما تستجلب به الأرزاق ما يكون من صلة الأرحام. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». فمن كان بارًا بوالديه، محسنا إليهما، مقبلًا عليهما، سريعًا إلى طاعتهما، يدخل الفرح والسرور إلى قلبهما، وهو واصل لأرحامه، لجماعته وعشيرته وقرابته. عينًا الله جل في علاه يبارك لك في رزقك وأموالك، ويزيد لك في عمرك وحياتك. كما قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازموا في هذا المقام استذكار أهم الأسباب الشرعية والأعمال التعبدية التي بها تستجلب الأرزاق. فكان مما ذكر ما كان من التوكل على الله، وما كان من التضرع إليه والدعاء، وما كان من إقامة الصلاة، وبصلة الأرحام. وأيضًا مما يضاف في هذا الباب ما يكون من الإكثار من ذكر الله جل في علاه، بأن تبقي لسانك رطبًا بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، وخاصة ما يكون من أمر الاستغفار. كما قال ربنا جل في علاه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. تكثر الأرزاق وينهمر الخير بما يكون من كثرة استغفارك لله جل في علاه. وأيضًا من هذه الأذكار ما يكون من كثرة ذكرك بقول: «سبحان الله وبحمده»، التي قال عنها عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح المسند- بأنها «صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق». سبحان الله وبحمده، اجعلها وردك، تذكر الله جل وعلا به في كل حين، وفي كل وقت وزمان، وفي أي مكان. حينها ستجد من اليسر ما لا تجده في أي آن. وهكذا من أسباب جلب الأرزاق ما يكون من الصدقة والنفقة على الناس من أهل المسكنة. كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». يعطيك الله على قدر ما أعطيت وأخرجت. فإن العبد كلما أحسن إلى الناس أحسن الله إليه، فالجزاء من جنس العمل. عباد الله، إنما تم ذكره من هذه الأمثلة فيها إشارة إلى أن الطاعات والعبادات ليست فقط سببًا في نيل الأجور والثواب والحسنات، بل هي من أعظم ما يستجلب بها الأرزاق والخيرات. ومصداق ذلك في قول الله جل في علاه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فأقبل -يا عبد الله- على طاعة الله وعبادته تجد ما يسرك من كثرة الخير والنماء. عباد الله، وإن من الأسباب الجالبة للأرزاق أيضًا ما يكون من الأسباب المادية التي فتحت على الناس من بيع وشراء، من عقد الصفقات، من إبرام الاتفاقيات، من تحصيل الإيجارات والإيرادات، الترقي في المناصب والوظائف، ونيل الشهادات، كل ذلك مما أباحه الله وأجازه الشرع، لكن بشرط أن يكون من حلال. وإننا في هذه الأزمان ابتلينا بما يسمى بالكسب السريع، حيث أصبح هم الجميع -إلا من رحم الله- الاستكثار والتجميع من هذه الأموال من غير دراية ولا نظر إلى مصدرها. وصدق عليه الصلاة والسلام حيث قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مِنْ أَيْنَ أَخَذَ الْمَالَ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ». وإن من الكسب الحرام والذي ابتلينا به في مثل هذه الأزمان ما يكون من التعامل بالربا بكل صوره وأشكاله، فهو سحت ومحق وباطل، وصاحبه متوعد بعقوبة الدنيا قبل الآخرة. ومن الكسب الحرام ما يكون ببيع المحرمات والمحظورات والممنوعات، كبيع الحشيش والخمور والمخدرات، وكل ما يعود بالضرر على الأبدان والعقول والأديان، كل ذلك محرم. فإن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه. ومن الكسب الحرام ما يكون من الميسر والقمار، وكل بيع صاحبه بين الغرم والغنم، وكل معاملة فيها مخاطرة كمسابقات النصيب وما أشبه ذلك. ومن الكسب المشبوه التعامل مع شركات وهمية ليس لها بنية تحتية ولا حقيقة واقعية، أو جعل أموالك في صفقات غيبية الله أعلم ماذا يفعل بمالك وماذا وراء ذلك. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى ما ضيق على العباد، فإن أسباب الرزق الحلال كثيرة وكثيرة جدًا، وهي متاحة مباحة، بخلاف المال المحرم فهو شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «أَيُّمَا جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». وقال عليه الصلاة والسلام حاكيًا عن رجل: «مَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ». وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِالْحَرَامِ». فالله -الله- عباد الله بتتبع الأرزاق الحلال، فإنها بركة على صاحبها في الدنيا والآخرة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.