فضل مجالس الذكر

الدرس في فضل مجالس الذكر، 11 رجب 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل حضور حلق الذكر والعلم ومكانتهما

يتناول هذا الفصل أهمية حضور حلق الذكر والعلم وفضلها العظيم عند الله تعالى، حيث يروي أحاديث نبوية تشير إلى أن حضور هذه الحلقات يعد من الأعمال التي تقرب العبد إلى ربه وتعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة. كما يشير إلى أن الناس لو علموا فضل هذه الحلقات لتنافسوا عليها وتسابقوا إليها.

أفضلية حلقات العلم والذكر على بعض العبادات

يُبين هذا الفصل فضل حلقات العلم والذكر وأهميتها في حياة المسلم، ويُشير إلى أن حضور هذه الحلقات يُعد من أفضل الأعمال ويتفوق على بعض العبادات الأخرى مثل عتق الرقاب وصلاة النوافل. يُقارن بين حلقات الذكر ومجالس الغفلة والباطل، ويُحذر من تضييع الفرص في حضور مجالس الخير.

أجر الذهاب إلى بيت من بيوت الله

يُبين هذا الفصل أهمية حضور مجالس العلم والذكر، حيث يُعادل أجر من يذهب إلى بيت من بيوت الله ليتعلم أو يعلم خيرًا أجر المجاهد في سبيل الله، ويُشجع على الإقبال على هذه المجالس وعدم الإعراض عنها.

ختام الخطبة والدعاء للسامعين

يهنئ الخطيب في هذا الفصل من كان حاله مع الله خيرًا، ويشير إلى أن نيل هذا الحال يتطلب الصبر، ثم يدعو الله أن ينفع السامعين بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَمَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْوَاجِبَاتِ وَفَرَضَ عَلَيْنَا الْفَرَائِضَ الْمُتَحَتْمَاتِ شَرَعَ لَنَا أَعْمَالًا وَعِبَادَاتٍ مِنْ نَوَافِلٍ وَقُرَبَاتٍ وَسُنَنٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَوْلِيَّةً أَمْ فِعْلِيَّةً أَمْ قَلْبِيَّةً، يَزْدَادُ بِهَا الْعَبْدُ رِفْعَةً وَقُرْبًا إلَى رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ. كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾. وَإِنَّنِي فِي هَذَا الْمَقَامِ بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ شَرِيفٍ، وَمَقْصِدٍ نَبِيلٍ مُنِيفٍ، نَدَبَ إلَيْهِ الشَّرْعُ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَوَعَدَ بِعَظِيمِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ، أَلَا وَهُوَ حُضُورُ حَلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ. وَلَا أَعْنِي بِذَلِكَ فَضْلَ الذِّكْرِ بِنُصُوصِهِ، وَلَا أَعْنِي فَضْلَ الْعِلْمِ بِخُصُوصِهِ، وَإِنَّمَا أَعْنِي فَضْلَ الْجُلُوسِ وَالْحُضُورِ وَالِاسْتِمَاعِ لِلْخَيْرِ وَالذِّكْرِ. اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ النَّاسَ وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمُوا مَا فِي حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ مِنْ الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ لَتَنَافَسُوا عَلَيْهَا وَتَسَابَقُوا إلَيْهَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَكِنْ لِضَعْفِ إيمَانِنَا وَلِجَهْلِنَا بِفَضْلِهَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى عُزُوفِ الْكَثِيرِينَ عَنْهَا وَالِتَهَاوُنِ فِي شَأْنِهَا وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا قِيمَةٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَدِينِنَا. فَاسْمَعْ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَأَعِرْنِي سَمْعَكَ جَيِّدًا إلَى هَذَا السَّيْلِ الْجَرَّارِ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ الْمُخْتَارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَعُدَّ مِنْ رُوَّادِهَا. رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ مِنْ بَعْضٍ مِنْ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَسَكَتَ الْقَارِئُ اسْتِحْيَاءً لِمَقَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَسْتَمِعُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمَرْتُنِي أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ»، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْلَ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. أَلَا يَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ الْمَوْجُودَةَ وَالْمَبْسُوطَةَ فِي بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا مَا هِيَ إلَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. وَإِنْ كَانَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أَعْطَى لِهَؤُلَاءِ رِيَاضَ الْجَنَّةِ يَرْتَعُونَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَهُ إلَّا نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ». يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! فَأَيْنَ الَّذِي يَخْذُلُ وَيَحْتَقِرُ حَلَقَ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَهَذَا الْمُنَادِي يُنَادِي لِكُلِّ حَلْقَةٍ: «قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ». عِبَادَ اللَّهِ، إنَّهَا مَجَالِسُ الْخَيْرِ، إنَّهَا مَجَالِسُ الذِّكْرِ، عَظَّمَهَا رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِالْأُجُورِ وَالْفَضَائِلِ حِينَمَا عَمَرَهَا أَصْحَابُهَا بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَبِتَعَلُّمِ شَرِيعَةِ وَأَحْكَامِ دِينِهِ، فَكَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. هَذِهِ الْمَجَالِسُ الَّتِي تَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا الْفَضَائِلُ وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا الْمَنَاقِبُ، لَيْسَتْ كَمَجَالِسِ الْمَحْرُومِينَ الْقَائِمَةِ عَلَى اللَّغْوِ وَالْغَسَقِ وَالْفَحْشِ، كَمَجَالِسِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَمَجَالِسِ الْقِمَارِ، وَمَجَالِسِ الْغِنَاءِ، وَهَكَذَا كَمَجَالِسِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهَا مَجَالِسَهُمْ، مَجَالِسًا يَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَطْعَنُونَ فِيهَا بِالشَّرِيعَةِ بِدَسِّ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِيهَا. وَأَيْضًا أَقَامُوا مَا يُخَدِّشُونَ فِيهِ هَيْبَةَ هَذِهِ الْمَجَالِسِ، وَيُخَدِّشُونَ فِيهَا بِطَهَارَتِهَا وَعِفَّتِهَا، مِنْ ضَرْبِ الطُّبُولِ وَضَرْبِ الدُفُوفِ، وَمِنْ تَحْرِيكِ الرُّؤُوسِ، وَمِنْ التَّمَايُلِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عَلَى إسْرِ أَنْغَامِ قَصَائِدَ وَأَنْاشِيدَ يَتَرَنَّمُونَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ. فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيُّ مَجَالِسٍ هَذِهِ؟ إنَّهَا وَاَللَّهِ مَجَالِسُ لَا يَطْمَعُ أَصْحَابُهَا بِالْأَجْرِ وَالْفَضَائِلِ، وَإِنَّمَا يُخْشَى عَلَى أَصْحَابِهَا مِنْ الْوَزْرِ وَالرَّذَائِلِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَدَاءً لِرِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ. فَمِمَّا مَضَى عِبَادَ اللَّهِ عَلِمْنَا شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ الذِّكْرِ، أَوْ مِنْ فَضَائِلِ حَلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ. وَإِنَّنَا وَاَللَّهِ لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ، فَرُبَّ وَاحِدٍ مِنْا تَمُرُّ عَلَيْهِ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ بَلْ وَالسِّنُونَ، وَمَا حَضَرَ مَجْلِسًا مِنْ مَجَالِسِ الْخَيْرِ وَالذِّكْرِ. وَبِالْمُقَابِلِ فَإِنَّ هُنَاكَ أُنَاسًا اغْتَنَمُوا هَذِهِ الْفُرَصَ وَهَذِهِ التِّجَارَةَ مَعَ اللَّهِ جَلّ فِي عُلَاهُ، دَقَائِقَ مَعْدُودَةً، دَقَائِقَ مَعْدُودَةً تُصَبِّرُ النَّفْسَ فِيهَا عَلَى سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَتُحَازُ عَلَى فَضَائِلَ تَمْلَأُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَاعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّكَ وَاَللَّهِ لَوْ بَحَثْت فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فَلَنْ تَجِدَ عِبَادَةً تُوَازِي وَتُضَاهِي فَضِيلَةَ الْجُلُوسِ فِي حَلَقِ الذِّكْرِ وَحَلَقِ الْعِلْمِ، فَهِيَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَمِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبَاتِ. بَلْ فَكَمْ مِنْ قُرْبَةٍ وَكَمْ مِنْ عِبَادَةٍ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، لَكِنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ. وَكَيْفَ لَا وَهَذَا نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُبَيِّنُ فِي سُنَّتِهِ أَنَّ مَجْلِسًا مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ يُعَادِلُ وَيُوَازِي مَجْمُوعَةً مِنْ الطَّاعَاتِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ هَذِهِ الْمَجَالِسَ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ. رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاءِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَلِأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً». انْظُرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ إلَى هَذِهِ الْجَائِزَةِ، مَجْلِسٌ وَاحِدٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ يُعَادِلُ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ تَعْتِقَ الرِّقَابَ، بَلْ مِنْ أَنْفَسِ الرِّقَابِ. بَلْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ هَذِهِ الْمَجَالِسَ أَفْضَلُ مِنْ رَكَعَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ. رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لِأَنْ تَغْدُوَ إلَى الْمَسْجِدِ فَتَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلِأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعَمَلِ عَمِلْت بِهِ أَوْ لَمْ تَعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ». هَذِهِ حَلَقُ الْعِلْمِ، هَذِهِ حَلَقُ الذِّكْرِ، تُنَافِسُ النَّوَافِلَ. بَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اعْلَمْ أَنَّ قَدْرَ هَذِهِ الْحَلَقِ كَادَ أَوْ قَارَبَ أَنْ يُنَافِسَ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَاتِ. أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ مَنْ ذَهَبَ إلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتَعَلَّمُ عِلْمًا، يَتَعَلَّمُ عِلْمًا نَافِعًا، كَأَنَّهُ قَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ جَاءَ إلَى مَسْجِدِي لَمْ يَأْتِهِ إلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». بَلْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الَّذِي يَحْضُرُ لِهَذِهِ الْحَلَقِ وَإِلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ كَأَنَّهُ حَجَّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ. رَوَى الْإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعَجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْ يُعَلِّمَ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍ تَامًّا حَجَّتُهُ». هَذِهِ الْفَضَائِلُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذِهِ الْمَنَاقِبُ، فَدَعْ عَنْك بِطَالَةَ الطَّرِيقِ، وَدَعْ عَنْك يَا عَبْدَ اللَّهِ تَفَاسُفَ الْأُمُورِ، وَازْمِمْ هَذِهِ الْقُرْبَةَ تُلْقِهَا وَتُنِلْ أُجُورًا عَظِيمَةً لَا تَخْطُرُ بِبَالِكَ وَلَا بِبَالِ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ. وَاحْذَرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ احْذَرْ أَنْ تُعْرِضَ عَنْ هَذِهِ الْحَلَقِ اسْتِكْبَارًا عَنْهَا وَتَرَفُّعًا عَنْ أَهْلِهَا، أَوْ طَعْنًا فِيمَا فِيهَا وَاحْتِقَارًا لِمَا فِيهَا. فَإِنَّ مِنْ أَعْرَضَ عَنْهَا فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يُعْرِضُ عَنْهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ رَبُّنَا فَلَا أَرْضٌ تَقِيهِ وَلَا سَمَاءٌ. ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِهِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَذَهَبَ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو وَاقِدٍ: فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّنَا مِنْ كَلَامِهِ، قَالَ أَصْحَابُهُ: «أَلَا نُبَيِّنُ لَكُمْ بِشَأْنِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». عِبَادَ اللَّهِ، عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نُقْبِلَ عَلَى حَلَقِ الذِّكْرِ وَعَلَى حَلَقِ الْعِلْمِ، وَأَنْ نَعْلَمَ جَمِيعًا أَنَّ هَذِهِ الْمَجَالِسَ تَسْتَقْبِلُ كُلَّ أَحَدٍ، الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالتَّاجِرَ وَالْفَقِيرَ، وَالْعَظِيمَ وَالْحَقِيرَ، وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، الْكُلَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْوِيَ إلَى اللَّهِ وَيَأْوِيَ إلَى هَذِهِ الْحَلَقِ حَتَّى يُؤْوِيَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. يَا عَبْدَ اللَّهِ، دَعْ عَنْك الْكِبْرَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، دَعْ عَنْك الْحَيَاءَ، فَلَيْسَ هَذَا مَوْطِنَ حَيَاءٍ وَلَا مَوْطِنَ خَجَلٍ. وَمِمَّا أَثِرَ عَنْ سَلَفِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: «لَنْ يَنَالَ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٍ». يَا مَنْ انْشَغَلْت بِدُنْيَاكَ وَانْشَغَلْت بِأَعْمَالِك وَمَا اسْتَطَعْت لِلْوُصُولِ إلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْخَيْرِ، فَلَا أَقَلُّ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَدْفَعَ بِأَهْلِكَ، تَدْفَعَ بِأَبْنَائِكَ وَبِزَوْجِكَ إلَى بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَإِلَى مَوَائِدِ الْقُرْآنِ، عَلَّ وَعَسَى أَنْ تَلْحَقَ بِأَجْرِهِمْ، فَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ. بَلْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي السُّنَنِ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُكْسَيَانِ بِكِسْوَةٍ تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: يَا رَبِّ بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ. وَأَخِيرًا عِبَادَ اللَّهِ، فَاسْمَعُوا جَمِيعًا، اسْمَعْ يَا مَنْ تَقَاعَسْت وَتَكَاسَلْت عَنْ حَلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، وَاسْمَعْ يَا مَنْ صَابَرْت وَرَابَطْت عَلَى مَجَالِسِ الْعِلْمِ، فَاسْمَعُوا جَمِيعًا إلَى مُبْعَثِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَهِيَ الْحَلَقُ وَالذِّكْرُ، كَيْفَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَى الْإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ أَقْوَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمُ النُّورُ عَلَى مَنَابِرِ مِنْ لُؤْلُؤٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّاسُ، لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءٍ وَلَا بِرُسُلٍ». فَجَفَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، عَلَنَا نَعْرِفُهُمْ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هُمْ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ يَذْكُرُونَهُ». عِبَادَ اللَّهِ، هُنَيئًا هُنَيئًا لِمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، وَلِمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ، وَلِمَنْ كَانَ هَذَا أَمْرُهُ، وَمَا يَلْقَاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يَلْقَاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. فَاسْأَلْ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ رَعَاكُمُ اللَّهُ.