الاستجابة لله وللرسول

الخطبة بعنوان الاستجابة لله وللرسول، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٢ شوال ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ضرورة الاستمرار في طاعة الله بعد رمضان

يُنبه الخطيب إلى أهمية استمرار المسلمين في طاعة الله بعد رمضان ويحذر من الفتور بعد انتهاء الشهر الفضيل. يجب أن تكون الاستجابة لشرع الله مستمرة في جميع الأوقات.

أهمية الاستجابة لشرع الله والانقياد لأمره

يجب على المسلمين أن يكونوا منقادين لشرع الله ومسارعين إلى مرضاته، مع التأكيد على عدم التخاذل عن الطاعات كما فعل الصحابة عند نزول الأحكام.

سرعة استجابة الصحابة لأوامر الله ورسوله وتطبيقها

يُظهر المقطع سرعة استجابة الصحابة لأوامر الله ورسوله في مختلف المواقف، مثل تغيير القبلة وتحريم الخمر، مع امتثالهم الكامل لشرع الله.

الدعاء للأمة الإسلامية بالنصر والخير

يتضمن المقطع دعاءً للأمة الإسلامية بالخير والنصر على الأعداء، مع الدعاء لإخوانهم المستضعفين ودعاءً خاصًا على اليهود والنصارى المعتدين.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، كان الناس في رمضان على أحسن حال وعلى خير منوال، أقبل الكثير منا على دين الله تأدية للواجبات وقيامًا بالفرائض والمحتّمات، وبعدًا عن السيئات واجتنابًا للمحرمات، امتثل الكثير منا لمقام العبودية الذي أراده الله جل وعلا منا، لكن ما إن سلخ رمضان، ذهبت أيامه وانقضت لياليه، حتى دب إلينا الفتور وظهر فينا الكسل والخمول، ورجع الكثير منا إلى ما كان عليه من تركه للواجبات واقترافه للذنوب والمحرمات، وإي كأننا لسنا ملزمين بشرع الله إلا في رمضان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اعلموا عباد الله، وعلينا أن نعلم جميعًا أن الاستجابة لشرع الله والقيام بأمر الله والإنابة لدين الله ينبغي أن يكون معنا في كل أعمارنا وفي سائر أوقاتنا وأحوالنا، وأن ذلك لا يختص بوقت من الأوقات أو ينحصر في زمن من الأزمان، لا في رمضان ولا في غير رمضان. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حياتنا أعمارنا أوقاتنا لا بد أن تكون لله سبحانه وتعالى جل في علاه. نعم عباد الله، إنه مقام الاستجابة الذي لطالما فرط فيه الكثير من الناس، واعلموا عباد الله أن العبد متى ما كان معرضًا عن أوامر الله لا يرفع لها رأسًا ولا يلقي لها بالًا، أداه ذلك لأن يكون من الضالين المنحرفين، بل إن هذا السلوك لهو مسلك الكافرين والمنافقين الذين قال ربنا سبحانه وتعالى عنهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. هذا حال أهل الكفر والعناد وأهل النفاق والشقاق، الصد والإعراض عن دين الله جل وعلا وعن أوامره وشرعه، وللأسف كم نجد من كثير من المسلمين من لربما شابه الكفار والمنافقين في هذا المسلك، لربما تتلى عليه آيات الله جل وعلا فيولون عنها مدبرين وينصرفون عنها معرضين. وإن الله سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأن يخالفوا الكفار والمنافقين وذلك بأن يكون مسلكنا على نقيض مسلكهم، إن كان أهل الكفر والنفاق ما عندهم لشرع الله إلا الصد والإعراض، فينبغي على أهل الإيمان أن يكونوا لشرع الله من المسابقين ومن المنقادين ومن المسارعين. وبهذا أرشد ربنا سبحانه وتعالى كما قال ربنا في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. نعم عباد الله، مقامات عظيمة هنيئًا هنيئًا لمن حازها، لأن من حازها فقد حاز الخير كله، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإنما ذاك يا عبد الله متى ما كنت على هذا المنوال، لو أنهم فعلوا ما يوعظون به، وامتدح ربنا جل وعلا في موضع آخر أرباب هذا المسلك ممن جند نفسه على أن يمتثل لشرع الله ويستجيب لأمر الله. قال ربنا جل في علاه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، جثم لهم ربنا جل وعلا بالهداية وحكم عليهم بالفلاح. فلينظر عباد الله كل منا إلى نفسه، هل نحن من هذا الصنف ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أم نحن والعياذ بالله ممن يستمعون القول فيتبعون أسوأه؟ كم منا من علم من شرع الله سبحانه وتعالى من فرائض وواجبات، ومع ذلك الكثير منا لا يطبق شيئًا منها، والله المستعان. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى يفرح بعباده متى ما كانوا منقادين متى ما كانوا مسارعين مسابقين إلى مرضاته، مروا الإيمان مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قرأ الصحابة هذه الآية وعلموا أن معناها من أضمر في صدره شيئًا من شر أو نحوه، فإن الله سبحانه وتعالى سيحاسب عليه ويجازيه عليه، فشق ذلك عليهم، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجثوا عنده بالركب، قالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة، الصيام، الجهاد، الصدقة، وإنها أنزلت علينا هذه الآية، وإنا لا نطيقها، وإنا لا نطيقها. فاعاتبهم نبينا صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة لما فيها من التواني لشرع الله، قائلًا لهم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. فما كان من أمر الصحابة إلا أن امتثلوا ذاك الحكم، فقاموا من عند رسول الله وقد ذللت ألسنتهم بهذه الآية: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما علم الله جل وعلا صدق يقينهم وقوة إذعانهم، عفى عنهم ربنا جل في علاه، وأنزل تلكم الآيات المحكمات: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. جاء في روايات مسلم أن الله جل وعلا قال: قد فعلت، قد فعلت، قد فعلت. نعم عباد الله، إنها التربية، تربية الشرع الحكيم على أن أهل الإيمان لا يتخاذلوا عن الطاعات ولا يتكاسلوا عن المسابقة في الخيرات. عباد الله، علينا أن نجند أنفسنا لهذا المقام، وأن من تخاذل عن شرع الله وأعرض عن استجابة لأمر الله، فلربما عاقبنا الله جل وعلا على هذا المسلك في الدنيا قبل الآخرة، وما أمر إبليس عنا ببعيد، أمره أمر ربه سبحانه وتعالى منه أن يسجد له سجدة فأبى واستكبر وأعرض، فكان من أمره ما علمتم، جعل أسفل سافلين، مسخ ظاهرًا وظاهرًا، تلعن عليه لعائن الله إلى يوم الدين. هذا حاله عندما أعرض ولم يستجب لسجدة لربه، فما ظنك يا عبد الله بسجدات، وما ظنك يا عبد الله بعبد ضيع العديد من ركعات، كيف أمره، كيف حاله عند ربه؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه أما بعد. قد علمنا عباد الله تلكم الظاهرة التي فشت وطمّت في البلاد وبين المجتمعات، فما إن ينسَلِخ رمضان حتى يرجع منا من يرجع إلى ما كان من عوائده وما كان من عدم استجابته لأمر ربه، من تركه للواجبات وإفراطه في الطاعات والمسارع في الخيرات. واعلمنا عباد الله أن مقام الاستجابة لدين الله ولشرع الله لا تنحصر في رمضان ولا تنقصر في أيامه ولياليه، بل إن العبد المسلم عليه أن يذعن لطاعة ربه والاستجابة لشرع ربه في رمضان وفي غير رمضان. واعلموا عباد الله أن هذا المقام مقام الاستجابة لشرع الله جل وعلا يعتبر من أعظم الفوارق التي تفرق بين جيلنا جيل المتأخرين المعاصرين الحاضرين، وبين جيل المتقدمين من الصحابة والتابعين. أولئك القوم ما إن تتلى عليهم آية من آيات الله أو حديثًا عن رسول الله إلا سرعان ما بادروا إلى امتثاله وتطبيقه، بخلاف أحوالنا وبخلاف أوضاعنا، فإن الواحد منا لربما تعرض عليه المئات والمئات من المواعظ ومن الأوامر والنواهي إلا أنها لا تؤثر فيه ولا يتحرك لها ساكنًا. ويكأنه يقول بلسان حاله: سواء عليك أو عفت أو لم تكن من الواعظين، وكأنه يقول بلسان حاله: إنك ناديت لو أسمعت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي، ونارًا لو نفخت بها أضاءت ولكنك تنفخ في رماد. عباد الله، قد كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام جندوا أنفسهم في أن يلتحقوا بهذه المقامات العالية، بمقام الإنابة، مقام الاستجابة لله ولرسوله، فكان من أمرهم سرعة الانقياد وقوة المثابرة لشرع الله سبحانه وتعالى. من ذلك ما جاء في الصحيحين حين كانت صحابة يصلون إلى بيت المقدس، وذلك في بداية البعثة، فلما أنزل ربنا على نبيه عليه الصلاة والسلام تلكم الآيات الآمرة باستقبال بيت الله الحرام، فكان من أمره عليه الصلاة والسلام أن استقبلها، إلا أن أناسًا من أهل قبام لم يبلغهم الخبر. فأرسل إليهم نبينا من يبلغهم بهذا التغير، فلما ذهب الرسول إلى أهل قبام وافاهم وهم في صلاة، فما كان من أمره إلا أن نادى: ألا إن القبلة قد تحولت، ألا إن القبلة قد تحولت، فما كان من أمر المصلين ما كان من أمر الصحابة من إمام ومأمومين وهم في صلاتهم إلا وقد استداروا، إلا وقد استداروا، طاعة لله، امتثالًا لأمر نبينا عليه الصلاة والسلام. ومثل ذلك أيضًا ما جاء في الصحيحين كذلك في بداية البعثة، عندما كانت الخمر قد أبيحت أو قد أباحها الله في بداية أمرها على أصل التشريع، كان أنس رضي الله تعالى عنه يسقي الخمر لفلان وفلان وفلان، فبينما هم في شربهم إذ بمُنادي ينادي: ألا إن الخمر قد حُرمت، ألا إن الخمر قد حُرمت. فقال من كان في المجلس من أولئك: يا أنس، قم وأهرق الجرار، يا أنس، قم وأهرق الخمور، فإذا بالخمور تراق تسكب، قال الراوي: حتى إن سكك المدينة قد مُلئت بالخمور. وفي ذلك دلالة على أن ذاك المجتمع المدني قد تربى جميعًا على سرعة الانقياد، على سرعة الامتثال لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، آية واحدة، حديث واحد، كافٍ في إحداث تغيير في قلوبهم وفي أبدانهم وفي أسادهم. هذا أبو طلحة رضي الله تعالى عنه كان عنده الأرض، ويمن أحب الأموال إلى نفسه، فلما سمع بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أرضي تلك من أحب الأموال إلى نفسي، وإنها صدقة لله ولرسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: بخٍ بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، ترك أحب أمواله إذعانًا وتصديقًا بآية من كتاب الله، أثرت على نفسه فزهد في الدنيا وما فيها. وهكذا عباد الله، ما أصاب الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة خيبر من ضيق ومن حرج ومن جوع ومن مخمصة، فذهبوا إلى الحمر الإنسية إلى الحمر الأهلية، فذبحوها ونضجوها وجعلوها في القدور، وبينما هم ينتظرون طهي اللحم إذ بمُنادي ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الأهلية، فإنها رِجز. فما كان من أمر الصحابة كما قال الراوي: فأكفئت القدور، أي قُلِّبت القدور، وإن اللحم ليفور، صبروا على الجوع، صبروا على المخمصة، صبروا على الضيق والفقر، امتثالًا لشرع الله وامتثالًا لأمر نبينا عليه الصلاة والسلام. من كان هذا شأنه، من كان هذا حاله، فوالله والله ما ضيعه ربنا جل وعلا لا في دنيا ولا في الآخرة، وإن هذا الخلق يا عبد الله من امتثال لشرع الله سبحانه وتعالى ما كان مختصًا بالرجال فحسب، بل حتى نساء الصحابة كن على هذا المنوال. تقول أم سلمة: لما نزل قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قالت: لما سمعت نساء الأنصار بهذه الآية، خرجنا وكأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. هكذا كان ذاك المجتمع يا عبد الله، رجالًا ونساء، كانوا يسارعون في الخيرات ويتسابقون في الطاعات، امتثالًا لرب الأرض والسماوات. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع. عباد الله، علينا أن نوطن أنفسنا على العبودية الكاملة والعبودية التامة لله سبحانه وتعالى، وذلك بالمسابقة والمسارعة إلى طاعة الله وإلى أداء الواجبات والفرائض والمتحتمات، سواء أكنا في رمضان أو كنا في شوال أو كنا في ذي القعدة أو كنا في أي شهر. ما دامت هذه النفس تضطرب بين نفوسنا وبين صدورنا، ينبغي أن تكون عبدًا لله حقًا وصدقًا. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أي حتى يأتيك الموت، فإن من صفات المؤمنين الصادقين في إيمانهم أنهم أذعنوا لشرع الله وأذعنوا لحكم الله ولأمره في كل آن وفي كل حين. قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم ادفع عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم تقبل موتاهم وعاف مبتلاهم وكفف جرحاهم وداوي مبتلاهم وكفك أسراهم. اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى المعتدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. أقول قولي هذا وقوموا إلى صلاتكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.