الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 62، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشارح ببيان المفعول له بوصفه مصدراً معللاً لحدث يشاركه في الزمان والفاعل، ويمثل له بقوله تعالى: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. كما يناقش مثال «قمت إجلالاً لك» والبيت الشعري الوارد مبيناً سبب جر «لذكرك» لاختلاف الفاعل.
يفصل المقطع قاعدة المفعول لأجله موضحاً أنه يُجر بحرف الجر إذا اختلف الفاعل أو الزمن، وينصب إذا اتحدا، مع تطبيق ذلك على عبارة «تعرو هزة» والبيت «فجئت وقد نضت لنوم ثيابها». ويذكر أن للمفعول لأجله ثلاثة أسماء بمعنى واحد، وأنه النوع الثالث من المفاعيل الخمسة.
يستعرض الشارح شروط نصب المفعول له الثلاثة: المصدرية، التعليل، والاتحاد في الوقت والفاعل، مبيناً أن النصب جائز لا واجب عند توفرها. ثم يسرد أمثلة لجره بحرف التعليل عند فقد أحد الشروط: فقد المصدرية في الضمائر، فقد اتحاد الفاعل، وفقد اتحاد الوقت، مع الإشارة إلى أحكام التعريف والإضافة.
يختتم المتحدث كلامه بجملة التفويض «والله تعالى أعلم» مؤكداً أن العلم المطلق والغيب كله لله وحده. ويشير إلى أن ما سبق ذكره من آراء أو اجتهادات يبقى محتملاً للصواب والخطأ مرجعية نهائية لعلم الله سبحانه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: المفعول له. قوله: «والمفعول له»، وهو المصدر المعلل لحدث شاركه وقتا وفاعلا، كقمت إجلالا لك. فإن فقد المعلل شرطا جر بحرف التعليل، نحو: ﴿خَلَقَ لَكُم﴾، ﴿وَإِنِّي لَتُعْرُونِي لِذِكْرَاكَ هَزَّةٌ﴾، ﴿وَفَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابُهَا﴾. هذا النوع الثالث من أنواع المفاعيل، فما هو النوع الأول؟ أخانا محمد. والثاني: المفعول المطلق. والثالث: المفعول له، ويقال له المفعول لأجله، ويقال له المفعول من أجله. كل هذا تسمية للمفعول له. طيب، لو تقول مثلا: زرتك، زرتك ابتغاء معروفك. «ابتغاء» هنا مفعول له. نطبق عليه هذا التعريف: قال: هو المصدر. «ابتغاء» مصدر. إذن لا بد للمفعول لأجله أن يكون مصدرا. الثاني: المعلل لحدث، الحدث هو الزيارة. ما سبب هذه الزيارة؟ ما علة هذه الزيارة؟ ابتغاء المعروف. فـ«ابتغاء» هنا معلل للحدث الزيارة. فهمتم؟ شاركه وقتا وفاعلا. وقتا يعني أن الحدث والمفعول لأجله في وقت واحد. ما حصل الحدث في وقت والمفعول لأجله في وقت آخر. فلو تتمعن عن هذا المثال: أن الزيارة اقترنت بما في قلبه من ابتغاء المعروف، فهو زار وفي قلبه أنه يبتغي معروف هذا المزور. فامتثل هذا الآن، فالوقت واحد. وهكذا الفاعل، ومعنى الفاعل: أن الذي قام بالحدث هو الذي قام بالمفعول لأجله. فالزيارة وابتغاء المعروف صدرت من واحد: هو الذي زار، وهو الذي في قلبه ابتغاء المعروف. ومن القرآن الكريم: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. «ابتغاء» يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، فانطبقت عليه هذه الشروط المذكورة هنا، وغيرها من الأمثلة الكثيرة. وأما ما مثل به المؤلف هنا: «قمت إجلالا لك»، هذا منتقد المثال من حيث العقيدة، لأنه لا يجوز أن يقام لأحد إجلالا إذا كان هذا مما يفتتن به ذلك المقام له. ولذلك جاء في الحديث: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَتَّثَلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». فلو يؤتى بمثال آخر فكان أفضل، ولذلك مثلنا بهذا المثال. وأما قوله: «فإن فقد المعلل شرطا»؛ المعلل هذا المفعول له، هذا معلل علل الحدث. فإن فقد شرطا، كأن لم يكن مصدرا مثلا، أو لم يكن الحدث شاركه في الوقت والفاعل، فهنا يجر. ولذلك قال: «جر بحرف التعليل، جر بحرف التعليل». نحو: ﴿خَلَقَ لَكُم﴾، الآية. يعني تمامها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فـ«لكم» هنا هذا تعليل، هذا تعليل. فما هو الشرط الذي فقده هنا؟ المصدرية. لأن الضمير ليس مصدرا، الضمير ليس مصدر. فقوله «لكم» علة للخلق، علة للخلق. فلذلك جر هنا بحرف الجر. هذا هو القصد. نعم. وأما البيتان اللذان ذكرهما: البيت الأول: «وَإِنِّي لَتُعْرُونِي لِذِكْرَاكَ هَزَّةٌ كَمَن تَنَفَّضَ الْعَصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ». «وَإِنِّي لَتُعْرُونِي لِذِكْرَاكَ هَزَّةٌ كَمَن تَنَفَّضَ الْعَصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ». هنا «تعروني» يعني تنزل بي. يعني هو يقول: أنها تنزل هزة. «هزة» هنا فاعل «تعروني». تنزل هزة إذا ذكرتك. «لذكراك» وهذا لمحبته له وشوقه إليه. ومثل هذه الهزة: الهزة هي الانتفاضة، ينتفض. تمام، ينتفض مثل ما ينتفض العصفور إذا بلل بالماء. العصفور إذا بلل بالماء تتفصل ينتفض. هكذا. صح. هذا معنى البيت. طيب، هنا «لذكراك» مصدر، لكنه هنا لم يكن منصوبا بكونه مفعول له لأن الفاعل هنا اختلف. ففاعل الحدث وهو العرو: من الذي قام به؟ هزة. «تعرو» هزة. واضح. «تعرو» هزة. وأما «لذكراك» فنعم، قام بها هذا الذي وقعت منه هذه الذكرى. هذه الذكرى قام بها المتكلم. أما العرو وهو الهزة وهو النزول، فمن الذي قام به؟ الهزة. لأنه هو الفاعل. هو الفاعل. فهنا اختلف ماذا؟ اختلف الفاعل. الذي قام بالحدث: الهزة. والذي قام بالمفعول لأجله: المتكلم. فاختلف هنا الفاعل. فلذلك يجب هنا الجر، ولا يجوز النصب. وهذا جر بحرف التعليل، وهو اللام. يعني: «تعرو هزة» ها إذا ذكر هذا المتكلم معشوقته أو محبوبته أو نحو ذلك. فالفاعل... الفاعل هنا ماذا اختلف؟ الفاعل محبوبته. ها، الفاعل الذكرى... والمحبوبة... أي نعم. لا، «تعروني»... «وإني لتعروني»... «تعرو» أصل كل هذا الفعل، والياء... النون... مفعول به. «تعروني» أنا. نعم، عائد على الياء. «تعروني» أنا. فامتثل فهو ليس الفاعل هنا. ليس الفاعل. ليس الذي قام... هو المفعول به هنا. الفاعل: هزة. لذلك تعربها ماذا؟ «إني» هنا: «إن» من أخوات «إن»، واسمها... واللام مزحلقة. «تعرو» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة لأنه معتل الآخر. «تعرو» والنون للوقاية، والياء مفعول به. واللام حرف جر، و«ذكرك» مجرور، و«هزة» فاعل لـ«تعرو». فالهزة هي التي تعرو، هي التي نزلت، هي الفاعل. فهمتم هذا الآن؟ لم يقم بها المتكلم النزول، لم يقم به المتكلم. صح؟ ما قام به... ما هو الذي فعل الهزة؟ ما هو الذي فعل النزول؟ النزول فعلته الهزة. فهمتم هذا الآن؟ «تعروني هزة»... «هزة» هو الفاعل. فهنا اختلف الفاعل: هو قام بالذكر المتكلم، لكن الهزة لم يقم بها المتكلم، أو العرو لم يقم به المتكلم. فهمتم؟ ومما فوق: إذا شرط الاتحاد... الوقت... ما ذكره هنا من هذا البيت: قال: «فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابُهَا لَدَى السِّتْرِ إِلَّا لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ». ومعنى البيت: يقول: جئت إلى هذه المرأة وقد نضت ثيابها. ومعنى «نضت»: خلعت. وقد خلعت ثيابها. لماذا خلعت ثيابها؟ من أجل النوم. «لدى الستر» يعني: خلاص ما في ستر، انتهى الستر. وزوجها... «إلا لبسة المتفضّل». ويقولون: «لبسة المتفضّل» ما تلبسه المرأة من ثوب واحد رقيق أو قصير لزوجها، ما يسمى بثوب النوم. طيب، فهذا هو معنى البيت. فتمعنوا معي الآن: هو قام بالمجيء. صح. «فجئت وقد نضت لنوم ثيابها». هي قامت بخلع ماذا؟ الثياب. وهي كذلك قامت بالمفعول لأجله: النوم. لأن لماذا خلعت الثياب؟ من أجل أن تنام. من أجل أن تنام. طيب، الآن: خلع الثياب والنوم في زمن مختلف. في زمن ماذا؟ مختلف. وهو ماذا؟ أن خلع الثياب وقع قبل النوم، ليس في زمن واحد. خلعت الثياب لأنه قال: «فجئت وقد نضت» يعني: قد خلعت الثياب. وهل وقع النوم؟ النوم ما وقع إلى الآن. صح؟ هي ما زالت منتبهة، هي ما زالت منتبهة، ما نامت. فلم يكن هناك الزمن واحد بين خروج وخلع الثياب وبين النوم. فهنا لما اختلف الزمن لا يكون هنا منصوب، يجب أن يجر بحرف الجر. فأنتم هذا الآن... هذا خلاصة هذا المتن الذي ذكره هنا. نقرأ إن شاء الله الشرح: قال: «هذا النوع الثالث من المفاعيل، وهو المفعول له، ويسمى المفعول لأجله ومن أجله». إذن له ثلاث أسماء، وكلها بمعنى واحد. «لأجله» يعني لأجل الحدث. «ولأجله» ومن أجله: من أجل الحدث. «ولأجله» بدلا من الضمير أتبع الاسم «لأجله» فـ«له» يعود على أجلي. فإن شئت أتيت بالضمير، وإن شئت أتيت بالاسم. قلت: «له» أو «لأجله» أو «من أجله». كل ذلك جائز. قال: «وقول المصنف: المفعول له، معطوف على قوله في باب المفعول: والمفعول منصوب، وهو خمسة: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول له». فهو يريد أنه معطوف على مرفوع، فهو مرفوع مثله في المتن. في المتن قال: «والمفعول له»، معطوف على... وهو خمسة: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول له. نعم. قال: «وقد عرفه بقوله: المصدر المعلل لحدث شاركه وقتا وفاعلا». فاعلا. ومثاله: «قمت إجلالا لك». فـ«إجلالا» مصدر. «أجله» و«أجلله» إجلالا: أي عظمه. ومعلل للحدث وهو القيام. وزمن الإجلال والقيام واحد، وفاعل القيام وفاعل الإجلال واحد أيضا. فيقوم مفعول له: أي فعل له الفعل، يعني من أجله. وحكم جواز النصب... شوف: جواز، ليس هنا واجب النصب. المفعول لأجله إذا توفرت الشروط لا يجب، لا يجب نصبه. فيجوز أن تقول: «قمت لإجلاله» لي. يجوز هذا. أو «من أجل»... أو تقول: نعم، «لإجلاله» لي. يجوز هذا. نجوز هذا. وسيأتي معنا أيضا في آخر هذا الدرس. قال: «وحكم جواز النصب إذا وجدت فيه هذه الشروط الثلاثة: الأول: أن يكون مصدرا، لقوله: وهو المصدر. والثاني: أن يفيد التعليل، لقوله: المعلل لحدث، بكسر اللام مشددة: المعلل، أو المعلل، أي الواقع علة. والثالث: أن يتحد المصدر مع عامليه في الوقت والفاعل، لقوله: شاركه وقتا وفاعلا، أي شارك المعلل الحدث فيهما، كما مضى بيانه. فإن فقد منها شرط وجب جره بحرف دال على التعليل: اللام أو من أو غيرهما». فمثال ما فقد المصدرية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فالمخاطبون في قوله «لكم» علة للخلق. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. يعني: من أجل هؤلاء المخاطبين. فهمتم هذا الآن؟ هو خاطبهم، قال: «هو الذي خلق» يعني: يقول للمخاطبين: «لكم ما في الأرض جميعا»، يعني: من أجلكم خلق هذا وسخره من أجلكم. فالمخاطبون في قوله «لكم» علة للخلق. يعني: خلق ما في الأرض، وليس ضميرهم مصدرا. لذا جر باللام. الضمائر ليست مصادر، فلذلك جر باللام. ومثال ما فقد الاتحاد في الفاعل: قول الشاعر: «وَإِنِّي لَتُعْرُونِي لِذِكْرَاكَ هَزَّةٌ كَمَن تَنَفَّضَ الْعَصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ». فقوله «لذكرك» مصدر مجرور باللام الدال على التعليل، وهو علة لعرو الهزة. لماذا نزلت الهزة؟ ما هو السبب؟ من أجل الذكرى. صح. فهو علة. وإنما جر لاختلاف الفاعل. لأن فاعل العرو: الهزة هي التي قامت بالفعل. وفاعل الذكرى: هو المتكلم. لأن المعنى: لذكرى إياكِ. فليس هو الذي قام به العرو، وإنما الهزة التي قامت بذلك. قال: «ومثال ما فقد الاتحاد في الوقت: قول الشاعر: فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابُهَا لَدَى السِّتْرِ إِلَّا لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ». قال: فقوله «لنوم» مصدر مجرور باللام الدال على التعليل، وهو علة لخلع الثياب. لماذا خلعت الثياب؟ من أجل أن تنام. وإنما جر لاختلاف الوقت. لأن زمن خلع الثياب سابق على زمن النوم. ما كان النوم وخلع الثياب في وقت واحد. قالوا: المفعول لأجل يكون مجردا من «ال» والإضافة، وهذا يكثر نصبه. نحو: ضربت ابني تأديبا. فـ«تأديبا» هنا ليس مضافا، وليس معرفا. وهذا الأكثر فيه النصب. ويجوز أن تقول: ضربت ابني للتأديب. ضربت ابني لتأديب، بدون ألف. «لتأديب» واضح. وقد يأتي معرفة بـ«ال»، وهذا يكثر جره. نحو: ضربت ابني للتأديب. أصلاً: ضربت ابني «التأديب» معرفة بالألف واللام، لكن الأكثر هنا يكون مجرورا، ليس منصوبا. لأن قلنا: نصب المفعول لأجله، وإن استوفى الشروط، ليس بواجب، إنما هو جائز. ليس بواجب، إنما هو ماذا؟ جائز. قال: «وقد يأتي مضافا، وهذا يستوي نصبه وجره». نحو: ضربت ابني تأديبه، أو لتأديبه. هذا على وجه الاستواء، على وجه الاستواء. يجوز هذا ويجوز هذا، بدون مرجح، أو بدون أكثر. لا يكثر من هذا، وإنما يستويان. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.