التعليق على شرح الأربعين النووية  31

التعليق على شرح الأربعين النووية 31

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث البر والإثم: حسن الخلق وما حاك في الصدر

يفسر الشيخ ابن عثيمين حديث النواس بن سمعان بأن البر هو حسن الخلق الذي يتضمن سعة البالي وانشراح الصدر وطمأنينة القلب وحسن المعاملة مع الله والناس. أما الإثم فهو ما حاك في الصدر من ضيق وتردد وكره أن يطلع عليه الناس، وهذا الميزان ينطبق على أهل الاستقامة والصلاح.

علامات الإيمان واستفتاء القلب في معرفة البر والإثم

يبيّن المقطع أن من علامات الإيمان ضيق صدر المؤمن بالإثم والمعاصي بخلاف الفاسق الذي يجاهر بها، ويستعرض حديث وابصة بن معبد حيث أمر النبي ﷺ باستفتاء القلب لمعرفة البر والإثم. ويشير إلى أن هذا الخطاب موجه لأهل الاجتهاد والعلم، وأن البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وتردد فيه، مع تأكيد فضيلة حسن الخلق كأعظم أسباب دخول الجنة.

معايير البر والإثم وفرق المؤمن عن الفاجر في ستر العيوب

يوضح المقطع أن الإثم ما حاك في النفس وكره الإنسان اطلاع الناس عليه، وأن المؤمن يستحي من كشف عيوبه بخلاف الفاجر المجاهر بالمعصية. كما يبين أن البر ما اطمأنت إليه النفس السوية المطمئنة، وأن المجتهد المتمكن لا يعدل عن اجتهاده إلى تقليد غير أهل العلم.

الترجيح بين الأدلة والاستقلال بالرأي الفقهي

يؤكد المقطع أن من يقدر على ترجيح الأدلة يجب أن يتبع ما ترجح لديه بعد البحث والنظر، ولا يلتفت إلى فتوى شخص معين. ويختتم الشرح بالحديث مشيراً إلى أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بعد أن انتهينا من شرح الحديث السادس والعشرين، وإن شاء الله الآن نقرأ ما تيسر من شرح الحديث السابع والعشرين. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البر حسن الخلق». قال: «البر» كلمة تدل على الخير وكثرة الخير، هذا معنى البر، يعني معنى الحديث: الخير وكثرته تكون بحسن الخلق. الخير وكثرته تكون بماذا؟ بحسن الخلق. قال: وحسن الخلق يعني أن الإنسان واسع البالي، منشرح الصدر، مطمئن القلب، حسن المعاملة. فهكذا فسر العلامة ابن عثيمين حسن الخلق. ومنهم من جعل حسن الخلق كل ما يكون فيه معاملة حسنة مع الله ومع خلقه. هذه لفظة عامة، فيدخل في هذا سعة البال. يقول: إنسان باله واسع، ما يتضجر من أي كلمة، ولا من أي تصرف ومعاملة، وإنما يوسع صدره. وهكذا يكون منشرح الصدر، ومطمئن القلب، ما ينزعج من أي تصرف. وهكذا يعامل الناس معاملة حسنة في البيع، في الشراء، في المخاطبة، وكذلك المزاملة والمصاحبة، وفي الأخذ والعطاء، وفي البحث والمناظرة، وفي المعاملة مع الوالدين، ومع الأرحام، ومع الجيران، ومع الأصحاب. وكل هذا يدخل في المعاملة الحسنة مع الخلق. قال: فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن البر حسن الخلق». فإذا كان الإنسان حسن الخلق مع الله ومع عباد الله، حصل له الخير الكثير. وإن شرح صدره للإسلام، واطمأن قلبه بالإيمان، وخالق الناس بخلق حسن، فهذا هو البر، وهذا هو الخير للإنسان: أن يتعامل مع الناس بالأخلاق الحسنة الفاضلة. قال: وأما الإثم فبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه ما حاك في صدرك. ومعنى ما حاك في صدرك: يعني أصبت بضيق وتردد، وكظم وكتم في النفس، بعكس البر؛ فإن بالبر تشعر بالاطمئنان، وبالراحة، وبالسكينة. فهذا معنى ما حاك في صدرك: يعني شعرت بضيق، وهم، وغم بسبب هذا الأمر الذي أنت قادم عليه. قال: والنواس بن سمعان صحابي جليل، فإذا حاك في نفسه وتردد في نفسه، ولم تطمئن نفسه أنه ليس بإثم، فغيره من باب أولى. قال: ولهذا قال: «ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس». قال: وأما أهل الفسق والفجور، فإن الآثام لا تحيك في نفوسهم، ولا يكرهون أن يطلع عليها الناس، بل بعضهم يتبجح ويخبر بما يصنع من الفجور والفسوق. ولكن الكلام يقع مع الرجل المستقيم؛ فإنه إذا هم بسيئة حاك في نفسه، وكره أن يطلع عليها الناس. بل على ذلك، وهذا الميزان الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما يكون مع أهل الخير والصلحاء. وهذا من علامات الإيمان: أن المؤمن يعرف الشر، ويعرف الإثم، فتجده يتضايق منه، ويحك في صدره، بخلاف الفاسق والفاجر؛ فإنه ربما يتبجح ويفرح بما يعمل من إثم وخطيئة. أما المؤمن، فإنه يضيق صدره ذرعاً بالإثم، وبالشبه، وبالمعاصي. فلذلك قال الشيخ هنا: وإنما يكون هذا مع أهل الخير والصلحاء. أما مع أهل الشر والفساق والكفر والطغيان، فإنهم ربما يتبجحون بهذا، يعمل الإثم، ويخبر بما عمل: البارحة فعلت كذا وكذا، وعملت كذا وكذا، يتظاهر، وهكذا يجاهر بالإثم والمعصية، والعياذ بالله. قال: وأما حديث وابصة بن معبد -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «تسألني عن البر؟» قلت: نعم. قال: «استفت قلبك». يعني: لا تسأل أحداً، واسأل قلبك، واطلب منه الفتوى. وليس معنى هذا أن كل إنسان يفتي نفسه ويمشي على هذا، لا، وإنما المراد هذا خطاب للمجتهد. هذا خطاب للمجتهد، كما سيبين الشيخ ابن عثيمين في أخذ الفوائد من هذا الحديث. فقوله: «استفت قلبك»، أي: إن كنت من أهل الاجتهاد، إن كنت من أهل الاجتهاد، وهو يخاطب صحابياً جليلاً من أهل العلم والفضل، فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «استفت قلبك». يعني: لا تسأل أحداً، واسأل قلبك، واطلب منه الفتوى. البر: ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. فمتى وجدت نفسك مطمئنة، وقلبك مطمئناً إلى شيء، فهذا هو البر، فافعله. وهذا قلنا في حق المجتهد. وليس معنى هذا أنك تستفتي قلبك في مسألة عليك، هل تعمل أو لا تعمل؟ تقول: والله النفس اطمأنت أنني أعمل هذا، دون الرجوع إلى سؤال أهل العلم، وسؤال أهل الذكر. نعم، إن كنت منهم، من أهل الذكر والعلم، فلا شك أنك ستجتهد، وستفتي نفسك. قال: فهذا هو البر، فافعله. والإثم: ما حاك في صدرك، في النفس، وتردد في الصدر. فإذا رأيت هذا الشيء حاك في نفسك، وتردد في صدرك، فهو إثم. قال: «وإن أفتاك الناس وأفتوك». يعني: إن أفتاك الناس بأنه ليس فيه إثم، وأفتوك مرة بعد أخرى. فالأول: أفتاك مرة واحدة، وأفتوك: يعني تتابعت منهم الفتوى. قال: وهذا يقع كثيراً، تجد الإنسان يتردد في الشيء، ولا يطمئن إليه، ويتردد فيه، ويقول له الناس: هذا حلال، وهذا لا بأس به، ولكن لم ينشرح صدره بهذا، ولم تطمئن إليه نفسه. فيقال لمثل هذا: إنه إثم، فاجتنبه. وهذا قلنا في حق من هو أهل لأن ينظر في المسائل، في أن ينظر في المسائل. قال: وفي الحديث فوائد: منها فضيلة حسن الخلق، حيث جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حسن الخلق هو البر. فحسن الخلق فضله عظيم، وهو أول ما يدخل الجنة، وأول ما يدخل الجنة، وأكثر ما يدخل الجنة: حسن الخلق. فإن شاء الله يتحلى، خصوصاً طالب العلم، بالأخلاق الفاضلة، سواء أكان مع إخوانه، مع مدرسيه، مع آبائه وأمهاته، مع أجداده، مع جيرانه، مع أرحامه، مع جميع الناس. قالوا: ومنها أن ميزان الإثم أن يحك في النفس، لا يطمئن إليه القلب. نعم، وهذا كما ذكرنا: إذا اشتبه عليك الأمر، أو كذلك اختلف العلماء في مسألة ما، فأنت تنظر في الأدلة. فيقال: الإثم الذي يحك في نفسك، وتكره أن يطلع عليه الناس، لأن كراهيتك اطلاع الناس عليه دليل على قبحه، دليل على قبحه. قالوا: ومنها أن المؤمن يكره أن يطلع الناس على عيوبه، بخلاف المستهتر الذي لا يبالي، لا يهتم إذا اطلع الناس على عيوبه. فالمؤمن لا يعني يتجرأ أن يقول للناس: أنا البارحة سرقت، أنا البارحة نظرت إلى فيلم فيه نساء، وفيه كذا، أنا البارحة فعلت فاحشة كذا، أو فاحشة كذا. ما يتجرأ المؤمن، يستحي من ذلك، يكره أن يطلع عليه الناس. أما الفاجر الفاسق، فإنه يتظاهر بذلك. النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». يعني: الذين يجاهرون بالفسق والعصيان. قال: ومنها فراسة النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتى إليه وابصة، فقال: «جئت تسألني عن البر؟» دون أن يعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بما أراد وابصة -رضي الله تعالى عنه-. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «جئت تسأل عن البر؟» فهذا من فراسة النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو كذلك من اطلاع الله عز وجل على ما يريد وابصة -رضي الله تعالى عنه-. قال: ومن أن حكم الشيء إلى النفس المطمئنة التي تكره الشر وتحب الخير، لقوله: «البر: ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب». وليس كل نفس... قد مثلاً يأتيك فاسق فيقول: والله نفسي اطمأنت إلى أن الزنا مباح، اطمأنت نفسي إلى هذا. يقول: لا، لا، لا، نفسك خبيثة، لو نفسك طيبة ما تطمئن إلى هذا الشيء. فهذا معنى قوله: أن النفس المطمئنة تكره الشر وتحب الخير. فلا يمكن لنفس مطمئنة خيرة أن تحب الشر وأن تكره الخير. قال: ومن أن الإنسان ينبغي له أن ينظر إلى ما يكون في نفسه، دون ما يفتيه الناس به. فقد يفتيه الناس الذين لا علم لهم بشيء، لكنه يتردد فيه ويكرهه. فمثل هذا لا يرجع إلى فتوى الناس له، إنما يرجع إلى ما عنده، إذا كان الناس ليسوا من أهل علم. أما إذا استفتيت أهل العلم، وأتوك بالأدلة، فتأخذ بكلام أهل العلم، أو كنت أنت من أهل العلم المجتهدين، فتأخذ بما ترجح لديك. قال: ومن أنه متمكن الاجتهاد، فإنه لا يعدل إلى التقليد، لقوله: «وإن أفتاك الناس وأفتوك». إذن هذا فيه إشارة إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام: «وإن أفتاك الناس وأفتوك» هذا للمجتهد. لأن ابن عثيمين هنا يقول: أنه متمكن الاجتهاد، فإنه لا يعدل إلى التقليد. فإن استطعت أن ترجح بين الأدلة، وتأخذ بالراجح منها، فلا تنظر إلى من أفتاك، وإنما انظر إلى ما ترجح لديك، وإلى ما وصلت إليه بعد بحث ونظر، بعد بحث ونظر. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من شرح هذا الحديث، وبه ننقطع إلى هنا، والله تعالى أعلم.