الدرس في التعليق على كتاب العلم 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن هذا المحور أن من أعظم فضائل العلم أن أهله هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية القائمة على أمر الله، مستدلاً بأقوال الإمام أحمد والقاضي عياض. ويؤكد أن علاج الأمة لا يكون إلا بالعلم، وأن هذه الطائفة هم أهل السنة والحديث دون غيرهم.
يستعرض المحور حديث أبي موسى الأشعري الذي شبه فيه النبي صلى الله عليه وسلم العلم بالغيث النافع وأصناف الأرض بقلوب المتلقين. ويوضح أن من فقه في الدين ونفع به فهو كالأرض الطيبة، ومن لم يقبل الهدى فهو كالأرض القيعان، وأن طلب العلم طريق موصل إلى الجنة.
يجمع هذا المحور النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة الدالة على فضائل العلم العظيمة لتحفيز المسلمين على الجد في طلبه. ويختتم بالتأكيد على أن الفقه في الدين علامة على إرادة الله بالخير للعبد، داعياً الله أن يفقه في الدين ويعلم التأويل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، وهو يعدد فضائل العلم: سادسًا: أن أهل العلم هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة. ويستدل لذلك بحديث معاوية رضي الله عنه، يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله معطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله». رواه البخاري. وقد قال الإمام أحمد عن هذه الطائفة: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم». وقال القاضي عياض رحمه الله: أراد أحمد أهل السنة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. وهذه منقبة وفضيلة عظيمة من فضائل العلم؛ أنك أخي المسلم إن وفقت إلى هذا الطريق، طريق العلم، فأنت في سلك الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وقد ذكر واستدل العلامة ابن العثيمين بهذا الحديث على ما ذكر، وهو حديث معاوية، وجاء من حديث غيره. والشاهد منه: «ولن تزال هذه الأمة»، وفي رواية: «ولا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله». وقد فسر العلماء هذه الطائفة بأهل العلم وأهل الحديث، كما سمعت عن الإمام أحمد، وكذلك عن القاضي عياض فيما أراد الإمام أحمد من قوله ذلك. بل قد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث فيه إشارة إلى أن هذه الطائفة هم أهل العلم. ما هي هذه الإشارة؟ أول الحديث: فما هو أول هذا الحديث؟ «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». فبدأ هذا الحديث بالثناء على أهل الفقه وأهل العلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، ثم في آخر هذا الحديث: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق». فدل ذلك على أن تفسير العلماء لهذه الطائفة بأهل العلم إنما هو مأخوذ من سياق هذا الحديث. فليست هم أهل الجهل، ولا أهل التحزب، ولا أهل السياسة، ولا أهل البدع، ولا أهل الأهواء، إنما هم أهل العلم، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. وتعجب من بعض الحركيين الذين يتنقصون من أهل العلم، ويقسمون العلماء بزعمهم إلى أقسام ثلاثة. فبعضهم يقول: العلماء منهم من هو عالم بالعلم وبحفظ العلم، لكنه جاهل بواقعه - زعموا -. فهم يريدون بهذا أهل الحديث، ويقولون بزعمهم: إن طائفة وقسما من العلماء من هو عالم بواقعه، فهؤلاء هم الممدوحون عندهم، المقدمون عندهم. وهذا تناقض منهم في الحقيقة. لماذا؟ لأنهم إن لم ينشغلوا بالعلم ويهتموا بأمر العلم، فأنى لهم أن يعالجوا أمر الأمة، وأن يضعوا الدواء على الداء؟ فبأي شيء يعالجون أمراض هذه الأمة وواقع هذه الأمة، وهم في منأى وبعد عن العلم؟ فهذا تناقض. بل بعض الحاقدين على هذه الدار، لما قرأ هذا الحديث: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق»، وذكر كلام الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أهل الحديث»، يقول للناس ويخاطبهم: «انظروا، قال الإمام أحمد: أهل الحديث، ما قال: دار الحديث». انظروا إلى الحقد والجهل! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهل الحديث»، ما قال: «دار الحديث»، من باب التنقص والازدراء والسخرية. وإذا نظرت إلى عمله فهو تارة في الساحات العامة، وتارة في وسط أهل الفتن، وإلى غير ذلك. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فليعلم الجميع أن هذه الطائفة هم أهل العلم، وهم أهل الحديث، وهم أهل السنة، وهم من يعتقد مذهب أهل الحديث، لا من يعتقد مذهب الخوارج وإثارة الناس على حكامهم وعلى أولياء أمورهم. فهذا من الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. فالحاصل أن من فضائل العلم: أن أهل العلم هم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية، وهو لقب واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر: فرقة ناجية وطائفة منصورة، وكل ذلك بتمسكها بهذا الدين. سابعًا: يعني من فضائل العلم، قال سابعًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرغب أحدا أن يغبط أحدا على شيء من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين: إحداهما: طالب العلم والعمل به، والثانية: التاجر الذي جعل ماله خدمة للإسلام. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». وهذا الحديث متفق عليه في البخاري ومسلم. جاء من حديث عبد الله بن مسعود، وكذلك جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذه أيضا منقبة عظيمة لطلب العلم. النبي صلى الله عليه وسلم لم يرغب أحدا من أن يغبط أحدا، والغبطة هي: أن تتمنى ما عند أخيك من نعمة، لكن لا تتمنى زوالها ولا تسعى في إزالتها منه؛ لأن هذا يكون الحسد المذموم، وهو أن تتمنى زوال النعمة من أخيك وأن تكون هذه النعمة لك أو ليست لك، والمهم أن أخاك تفقد منه هذه النعمة. فهذا الحسد المذموم. أما الحسد الذي بمعنى الغبطة فهو: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك المسلم من نعمة، ولا تتمنى زوالها ولا تسعى في زوالها. فلم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الغبطة بهذا المعنى إلا في خصلتين اثنتين: الأولى: طلب العلم والعمل به، ورجل آتاه الله حكمة. والمراد بالحكمة هنا العلم؛ لأن بالعلم توضع الأمور مواضعها. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. فالعلماء أيضا استدلوا بالآية على فضل العلم، وعلى أن خير ما يؤتاه العبد حكمة، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وهكذا في هذا الحديث: «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها»، يعني: يعمل بها، ويحكم بها، ويعلمها، وينشرها، ويدعو إليها. فهذه أيضا مزية عظيمة من مزايا طلب العلم. «ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق»: آتاه الله مالا فأنفق هذا المال فيما يحب الله ويرضى، من النفقات الواجبة ومن النفقات المستحبة. نفقات الواجبة: من إخراج الزكاة، من النفقة على الزوجة، من النفقة على الوالدين، من النفقة على الأهل والأولاد والأقارب والأرحام، من النفقة على ابن السبيل، إلى غير ذلك. فهذه نفقات واجبة. ونفقات مستحبة: من النفقة على الفقراء والمساكين من باب الصدقة لا من باب الزكاة، أو بناء المشاريع الخيرية التي ينتفع بها المجتمع، أو إلى غير ذلك. فهذا يقبط على هذه النعمة. فنعم المال الصالح للرجل الصالح. والشاهد من هذا الحديث: «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». ثامنًا: أي من فضائل العلم، ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به عز وجل من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلما، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». والحديث ليس في البخاري فحسب، بل في البخاري ومسلم، من حديث أبي موسى الأشعري. ووجه الشاهد من هذا الحديث، وقبل هذا معنى هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرب لنا هذه الفضيلة من فضائل العلم بضرب هذا المثل. ولا شك أن الأمثال تقرب المعنى وتجعله واضحا جليا لدى السامع. فمثل النبي عليه الصلاة والسلام من علم وعلم، وعمل بعلمه، وانتفع بهذا العلم، كالأرض الطيبة التي ينزل عليها الغيث. والغيث هو مطر رحمة؛ لأن المطر قد يكون رحمة وقد يكون عذاب، فقد عذبت أمم بنزول المطر، وذلك نقمة. لكن الغيث يأتي معناه بمعنى الرحمة، نزول المطر بمعنى الرحمة. فهذه أرض طيبة نزل عليها الغيث، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، هذه الأرض الطيبة فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. والكلأ: النبات، والعشب الذي ينبت حول موضع الماء. وأما النبات الذي ينبت في غير هذا الموضع، يعني في الأرض جميعا، يسمى نبتا. ووصف هذا العشب بأنه كثير؛ لأن هذه الأرض طيبة. وكان منها أجادب، ومعنى أجادب: أي أرض جافة لا تنبت ولا تشرب الماء، يعني: ما تنبت ولا تشرب الماء، تمسك الماء فقط. أرض صلبة تمسك الماء ولا تنبت الكلأ ولا كذلك العشب. فهذه ينتفع بها الناس في أخذ الماء فقط، تحبس لهم الماء، تخزن لهم الماء فيأخذون منه الماء. شبه العلماء هذه الأرض بالحفاظ الذين ينهل منهم الطلاب من حفظهم، ومن كذلك إتقانهم للحفظ. وقال: «وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان». القيعان: قيل هي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت، ما هي صالحة للزراعة، ولا تمسك الماء. الماء يخور منها وينزل، ولا تمسك شيئا، ولا تنبت شيئا، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فلا ينتفع منها أحد لا بزرع ولا بماء. قال: «فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلما». فهذا هي الطائفة الأولى. والثانية ممدوحة، ولا شك أن الأولى أفضل. الأولى أفضل، لكن الثانية كذلك فيها شيء من الفضيلة. «ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». وهذه الأرض الثالثة التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء. فهذا مثل واضح: أن القلوب قلوب العباد كأنواع الأرض عند نزول الغيث عليها. فكما أن الأرض أصناف وأنواع، كذلك القلوب أصناف وأنواع. فأفضل هذه القلوب: من يأخذ العلم ويعمل به وينتفع به وينتفع به. هذا أفضل وأكمل. فلا شك أن هذه فضيلة عظيمة. تاسعًا: أنه طريق الجنة، أي العلم، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». رواه مسلم. ووجه كون طلب العلم طريقا إلى الجنة، قال أهل العلم: وذلك لأن المتعلم يعرف الاعتقاد الصحيح، والاعتقاد الصحيح هو طريق إلى الجنة. المتعلم وطالب العلم يعرف كيف يعمل العمل اليسير وينال الأجر الكثير؛ لأنه مطلع على الكتاب والسنة وعالم بهما. طالب العلم يعرف السنة من البدعة، يعرف التوحيد من الشرك، يعرف الطاعة من المعصية، فيأتي ما هو خير ويذر ما هو شر. بخلاف الجاهل، ربما يقع في الشرك، ويقع في البدع، ويقع في المعصية، فيتخذ أسباب دخول النار لا أسباب دخول الجنة. فلذلك جاء في هذا الحديث: أن من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة؛ لأنه يتنور بنور العلم، يتنور بنور العلم. وهذا واضح. عاشرًا: ما جاء في حديث معاوية رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». مفهوم المخالفة: من لم يرد الله به خيرا لا يفقه في الدين. فإن هذا الحديث له مفهوم وله منطوق. فمنطوق الحديث: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، هذا منطوقه، يعني لفظه الظاهر. ومفهومه: أن من لم يرد الله به خيرا لا يفقه في الدين. قال: أن يجعلوا فقيها في دين الله عز وجل. قال: والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المقصور عند أهل العلم بعلم الفقه فقط، كما هو عند الأصوليين. يعني: ليس المراد بالفقه فقه الصلاة، فقه الوضوء، الحج، الصيام. هذا شيء من الفقه، لكن المراد بالفقه هنا ما هو أعم من ذلك، ما هو أعم من ذلك. ولذلك قال: ولكن المقصود به هو علم التوحيد وأصول الدين، وما يتعلق بشريعة الله عز وجل. يعني: فقه هذا الدين من جميع جوانبه، في العقيدة، في أصول الدين، من الأركان العظام التي بني عليها هذا الدين، من الإسلام والإيمان والإحسان، وإلى غير ذلك، وكل ما يتعلق بهذه الشريعة. فهذا كله داخل في معنى الفقه. قال: ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم، لكان كاملا في الحث على طلب علم الشريعة والفقه فيها. أليس كل أحد يحب أن يكون متصفا بهذا الوصف، وهو أن الله أراد به خيرا؟ كل أحد لو سألته لكان جوابه: نعم. إذا جئت عند أي أحد قلت له: يا أخي، هل تريد أن الله عز وجل يريد بك خيرا؟ هل تحب ذلك؟ يقول: نعم، أريد أن الله عز وجل يريد بي خيرا. فإذا ما هو الطريق الذي تصل به إلى هذه المنقبة؟ هو طلب العلم والفقه في الدين. «من يريد الله به خيرا يفقه في الدين». كما قال الشيخ: لو لم يكن من فضائل العلم إلا هذا الحديث لكان كاملا في الحث على طلب العلم. فكيف وقد جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على فضائل العلم؟ فهذا لا شك يدفع الجميع إلى الجد والاجتهاد في طلب العلم، وإلى المثابرة والحرص. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا التأويل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.