الدرس في كتاب الأيمان والنذور 4، ألقاها
النذر هو إلزام المكلف نفسه شيئًا لله تعالى، وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. حكمه ابتداءً مكروه وغير مستحب.
النذر مكروه في الإسلام لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويختلف العلماء في حكمه بين الكراهة والتحريم والإباحة. يُعتبر غير مستحب لأنه يلزم الإنسان نفسه بشيء لم يلزمه الله به.
يشترط في الناذر أن يكون بالغا عاقلا مختارا، وينعقد النذر بألفاظ صريحة أو غير صريحة إذا قصد بها النذر. يترتب على النذر أحكام معينة في الشريعة الإسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثاني من كتاب الأيمان والنُذور، الباب الثاني: النُذور، وفيه مسائل. أي أن هذا الباب مدخل للكلام على أحكام النُذور ومسائله. وقد تضمَّن هذا الباب، أي باب النذر، المسائل. المسألة الأولى: تعريف النَّذر ومشروعيته وحكمه. أولًا: تعريف النَّذر. النَّذر لغةً: الإيجاب، تقول: نَذَرْتُ كَذَا إِذَا أَوْجَبْتُهُ عَلَى نَفْسِكَ. فهو في اللغة بمعنى الإيجاب، نَذَرَ بمعنى أَوْجَبَ. وَشَرْعًا: إِلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ نَفْسَهُ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى. وكما مَرَّ مَعْنَا مِرَارًا أنَّهُنَاكَ عِلَاقَةَ بَيْنَ التَّعْريف اللَّغَوِي وَالتَّعْريف الشَّرَعِي، إِلَّا أَنَّ التَّعْريف الشَّرَعِي يَكُونُ أَخَصْ من التَّعْريف اللَّغَوِي. فهو يُخَصِّصُ ما كان عامًا أو يُقَيِّدُ ما كان مُطْلَقًا لُغَةً. فكما تقدم أن النذر لغةً هو الإيجاب، وشرعًا: إلزام مُكَلَّفٍ نَفْسَهُ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى. فالإيجاب معنى الإلزام، ومُكَلَّفٌ خَرَجَ ما ليس بمُكَلَّفٍ. وقولهم: إلزام مُكَلَّفٍ، دل على أن الإيجاب والإلزام في النذر إنما هو إلزامٌ بإلزام الإنسان نفسه ذلك الشيء، فيكون ذلك الشيء الذي ألزم به نفسه وأوجبه على نفسه هو، باعتبار أصل الشرع، ليس بواجب. إنما هو الذي أوجبه على نفسه وألزم به نفسه. فَكَمَا ذُكِرَ، تَعْرِفُ شَرْعًا: إِلْزَامٌ، أي إيجاب مُكَلَّفٍ. وَالْمُكَلَّفُ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا مِرَارًا، هو العاقِل البالغ. فقولهم: مُكَلَّفٌ، خَرَجَ مَا لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، مثل الصبِيِّ ومثل المجنون، فإن نذرهم لا ينعقد؛ لأنهم ليسوا من أهل التكليف. وهل يخرج به الكافر؟ بمعنى: هل يشترط الإسلام أم لا يشترط الإسلام في النذر؟ الجواب: أنه لا يشترط الإسلام في النذر، بل لو نذر كافر نذرا وجب عليه أن يفي به، سواء كان قبل إسلامه أو بعد إسلامه. يدل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في البيت الحرام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوفي بنذرك. وكذلك جاء هذا المعنى من حديث حكيم بن حزام، أي أنه نذر نذرا في الجاهلية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفي بنذره. فدل هذا على أن النذر ينعقد ولو من غير المسلم، ويجب عليه الوفاء. هذا من حيث الدليل، ومن حيث التعليل: أن الكفار، على القول الصحيح الذي عليه الجمهور، أنهم مخاطبون بفروع الشريعة. أما من حيث العبادات، كما هو معلوم، فإنها لا تصح منهم إلا بشرطها، وشرطها الإسلام. إذن، إلزام المكلف، قلنا: المقصود المكلف ها هنا العاقل البالغ، فخرج المجنون والصبي. وقولهم: مختار، خرج المكره؛ لأنه ليس بمختار. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان، وما استكره عليه». وقولهم: مختار نفسه، إلزام المكلف مختار نفسه، خرج ما لو ألزم غيره. بمعنى أنه لا ينعقد، أي: لو قال إنسان مثلا: نذر علي لو اعتقنا رقبة فلان، وهو لا يملكها، فإن هذا النذر لا ينعقد. أو يقول: نذر علي مثلا لأذبح الناقة فلان، هذا كذلك نذره لا ينعقد؛ لأنه لا يملك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نذر فيما لا يملك». «لا يملك ابن آدم»، أي: لا نذر له فيما لا يملك ابن آدم، أي: لا نذر له في معصية، ولا نذر له فيما لا يملك. إذن، إلزام مكلف مختار نفسه، فخرج ما لو ألزم غيره، فإنه لا ينعقد ذلك النذر. يعني لو قال إنسان كذلك مثلا: نذر علي لتصومن يا زيد. واضح. جماعة: نذر علي لتصومن يا زيد، فهل ينعقد هذا النذر؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يملك. طيب، قولهم: إلزام مكلف مختار نفسه شيئا، شيئا نكرة في سياق الإطلاق، في سياق الإثبات، تفيد الإطلاق. فمعناه: أي شيء ألزم نفسه به، فإنه يكون ذلك نذرا. فقولهم: شيئا، يدخل فيه ما كان طاعة أو لم يكن طاعة. وما لم يكن طاعة، إما أن يكون مباحا وإما أن يكون محرما. فكل ذلك يسمى نذرا. ثم من حيث الوفاء من عدمه، سيأتي الكلام على ذلك. من حيث الوفاء: أي هل يلزمه أن يفي بكل نذر أم لا؟ سيأتي الكلام على ذلك بإذن الله جل وعلا. وقولهم: لله تعالى، دل على أن النذر المنعقد ما كان لله جل وعلا. وأن ما لم يكن لله جل وعلا، كان يكون نذرا لولي، لسيد، لشيطان، والعياذ بالله، هذه نذر لا تنعقد؛ لأنها نذر شركية. فيشترط في النذر الشرعي أن يكون نذرا لله جل وعلا. فخرج ما كان من النذر لغير الله جل وعلا. وقوله: لله تعالى، فيه دلالة على أن النذر قصد بنذره التقرب لله جل وعلا بإلزام نفسه ذلك النذر. فدل على أن النذر عبادة؛ لأن المقصد بها التقرب والتعبد. فإذا كانت لله جل وعلا، فهي عبادة. وإذا كانت لغير الله جل وعلا، فهي من الشرك بالله، والعياذ بالله. الأمر الثاني: مشروعية النذر وحكمه. النذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي ذكره من الأدلة على ذلك. وأما حكم النذر ابتداء، وهو الأمر الثالث، كذلك كان ينبغي لهم أن يرقموه؛ لأن العادة رقم واحد: تعريفه، رقم الثاني: مشروعية النذر. قالوا: حكمه، فأدرجوا ضمن المشروعية. طيب، وأما حكم النذر ابتداء، فإنه مكروه، غير مستحب. فإنه مكروه، غير مستحب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج من الشحيح» -أي: البخيل- كما جاء في بعض الألفاظ: «وإنما يستخرج من البخيل». ولأن النذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشارع، فيحرج نفسه ويثقلها بذلك. ولأن مطلوبهم -ولأنهم مطلوب من المسلم- فعل خير بلا نذر. حاصل هذا أن النذر، على ما ذكرها هنا، بأنه مكروه. وهذا قول للعلماء رحمهم الله تعالى في المسألة. وقول آخر للعلماء: بأن النذر محرم. وقول ثالث: بأنه مباح. وقد يرتقي إلى الاستحباب إذا كان لله عز وجل. وبعض أهل العلم فصل وفرق بين النذر الذي فيه معنى التعليق، وبين النذر المعلق بالشرط. فجعلوا النذر المعلق بالشرط هو المكروه. وأما النذر المطلق، فليس بمكروه. والأظهر، والله أعلى وأعلم، القول بأن ابتداء النذر، سواء كان نذرا مطلقا أو نذرا معلقا، ابتداءه الأصل فيه بأنه مكروه. يدل على هذا ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما جاء في حديث ابن عمر: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر». هذا عام. «نهى عام». «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر». والألف واللام في النذر تفيد العموم. فيدخل فيه عموم وأنواع النذر. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج من البخيل». هذا فيه زيادة كراهة في هذا الوصف، أي: فيمن اشترط في نذره، كان يقول: يا رب، لئن شفيت ولدي، لا تصدقن بكذا وكذا، أو لا أصومن كذا وكذا. لئن فعلت لي كذا، لا أفعلن كذا وكذا. فهذا مكروه. بل مال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى التحريم؛ لما فيه أولا: لظاهر الناهي. لقوله صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عمر: «نهى رسول الله، نهى عن النذر». والأصل في الناهي: أنه للتحريم. الأمر الثاني: أن فيه شيء من عدم أو قلة الأدب مع الله جل وعلا؛ لأنه يقول: يا رب، إن فعلت لي كذا، سأفعل لك كذا. كأنه يقول: وهذا لا يليق من العبد مع الكبير الفاضل، فضلا مع الله رب العالمين جل وعلا. الإنسان مثلا لو خاطب أميرا فقال له: يا أمير، لئن فعلت لي كذا، لأفعلن لك كذا وكذا. أل هذا من الأدب؟ ليس من الأدب. فكيف مع الله رب العالمين جل وعلا؟ أن يقول لله رب العالمين جل وعلا: يا الله، يا رب، إن شفيت ولدي، أو إن رزقتني الولد، أو إن يسرت لي الحج أو العمرة، لا أفعلن كذا وكذا. لا أتصدقا، لا أصوما، أو ما شابه ذلك. ففيه معنى من معاني ماذا؟ شيء من قلة أو ضعف الأدب مع الله جل وعلا. ومن حيث المعنى أيضا، كما تقدم: أنه إلزام لنفسه بشيء لم يلزمه الله جل وعلا به. ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض روايات الحديث: «إنه لا يأتي بشيء». «إن النذر لا يأتي بشيء»، أي: ليس له أثر في تغيير القدر. ولا كذلك ليس له فائدة، كذلك من الجهة الشرعية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. فدل على أنه شرعا ابتدائه لا ليس بمحبوب. وكذلك قدرا: أنه لا يأتي بخير. «إن النذر لا يأتي بخير». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». لا يأتي بخير، أي: لا يعلق الإنسان قلبه بأنه إذا نذر سيحصل مراده. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، أو بيّن أن هذا لا يكون. نهى عن النذر، أبين أن ذلك الشيء المشروط المعلق لا يكون بالنذر. إنما هو قضاء الله جل وعلا وقدره، يكون كما أراد الله جل وعلا. لا أثر للنذر في وجود شيء أو في عدمه. قال رحمه الله تعالى: إلا أنه إذا نذر فعل طاعة، وجب عليه الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]. وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]. وهاتان الآيتان، وما كان في معناهما، من أهل العلم من قال: بأنها بمعنى النذر، أي: النذر الذي هو إلزام الإنسان نفسه بشيء لله تبارك وتعالى. ومنهم من قال: بأن النذر هاهنا في الآيات المذكورة بمعنى: أنهم يوفون بما ألزمهم الله جل وعلا به، أي: بأصل الشرع، أي: من الواجبات. فأهل الطاعات يوفون بما ألزمهم الله جل وعلا به. فالنذر، كما تقدم، معناه هو: الواجب أو الإيجاب. فمعنى الآية، في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، هذه واضحة. لكن في قول الله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، منهم من قال: بأنها كذلك آية في الباب. ومنهم من قال: بأن النذر هاهنا بمعنى الواجبات. يوفون بالواجبات، أي: يقومون بالواجبات التي هي واجبة بأصل الشرع، أي: التي أوجبها الله جل وعلا عليهم، من التوحيد، من الصلاة، من الصيام، إلى غير ذلك من الواجبات التي أمرهم الله جل وعلا بها. والقاعدة عند العلماء -أي: علماء التفسير-: أن الآية إذا احتملت أكثر من معنى، وليس بينهما تعارض ولا تضاد، حملت عليهما؛ لأن القرآن: اللفظة أو العبارة أو الآية الواحدة، تدل على أحكام متعددة. وهذا من هذا الباب. والله أعلى وأعلم. قالوا: ولحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه. ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه». وهذا حديث رواه البخاري وغيره. وشاهد منه: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، أي: فليفي بنذره. «ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه». فدل هذا على أن النذر ينعقد ولو كان في معصية، لكن لا يجوز له الوفاء به. يعني لو قال إنسان مثلا: نذر علي لا أقطع رحمى. هل ينعقد النذر أم لا؟ الجواب: ينعقد النذر، لكن هل يجب عليه الوفاء؟ الجواب: لا يجب عليه الوفاء. قال: فقد مدح الله عز وجل الموفين بالنذر، وأثنى عليهم، وأمر صلى الله عليه وسلم بالوفاء به. فدل ذلك على أن النهي المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو للكراهة لا للتحريم. وأن المنهي عنه والمكروه هو ابتداء النذر والدخول فيه. وأما الوفاء به وإنجازه لمن لزمه، فهو واجب وطاعة لله سبحانه وتعالى. وهذه من العبادات -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى-: التي خرجت عن نظائرها. بمعنى أن الأصل في العبادة: أن في ابتدائها وأثنائها وانتهائها أنها تكون ماذا؟ مستحبة أو واجبة. قالوا: والنذر خرج عن هذا الأصل؛ إذ أن ابتداء النذر، كما سمعتم: قيل بأنه مكروه، وقيل بأنه محرم، وقيل بأنه مباح، وقيل غير ذلك. الشاهد على القول المشهور: بأنه مكروه يكون ابتداؤه مكروها. لكن إن نذر، وجب عليه الوفاء. فابتداؤه مكروه، والوفاء به ماذا؟ واجب. إذا كان مباحا أو في طاعة، فهذا كما سمعتم من الأحكام التي خرجت عن نظائرها. قال رحمه الله: والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى؛ كما تقدم. لماذا؟ لأن مقصد الناذر هو التقرب والتعبد. فإذا كان لله جل وعلا، كان فيه هذا المعنى: التعبد لله جل وعلا، فكان عبادة. وإذا كان ذلك النذر لغير الله جل وعلا، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو وليا من الأولياء أو شيطانا من الشياطين أو غير ذلك، كل ذلك من الشرك بالله جل وعلا، والعياذ بالله. فمن نذر لقبر ولي أو نحوه، لقبر نبي، فمن نذر لقبر أو ولي ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى شركا أكبر، والعياذ بالله؛ كما تقدم؛ لأنه صرف شيئا من العبادة لغير الله جل وعلا. صرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك أكبر؛ لأن العبادة حق لله جل وعلا. والشرك حقيقته: تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا، بما يستحقه الله جل وعلا. كما قال الله عز وجل عن أهل النار من الكافرين من مشركين: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. فحصلت تسوية منهم لآلهتهم بالله رب العالمين جل وعلا. فكانوا من أهل النار المخلدين فيها؛ بسبب شركهم بالله جل وعلا، وبسبب تسويتهم لغير الله بالله جل وعلا، فيما هو من خصائص الله، ومن حقوق الله جل وعلا. المسألة الثانية: شروط الناذر وألفاظه. شروط الناذر: لا يصح النذر إلا من شخص بالغ عاقل مختار؛ كما تقدم. اشترط في الناذر أن يكون من البالغ، فخرج الصبي. وأن يكون من عاقل، فخرج المجنون. وكذلك من مختار، فخرج المكره؛ كما تقدم. فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون، ولا من المعتوه. والمقصود بالمعتوه ها هنا: المعتوه المطبق. أما من كان يفيق تارة ويجن أخرى، فإنه في وقت عقله يكون معتبرا نذره، وفي وقت جنونه لا يكون معتبرا نذره؛ كغيره من الأحكام. أي: يفرق بين المجنون المطبق، وبين المجنون الذي يفيق تارة ويجن أخرى. ولا المكره كذلك. المكره على قسمين، كما مر معنا: مكره إكراها ملجئا، أي: معتبرا، مضطرا لأن يقول ما لا يريد؛ دفعا للإكراه. وبين مكره غير مكره إلى حد الإطراء واليقين، أو غالب الظن، بأن يقع فيه أو به الضرر. فالإكراه الملجئ معتبر. فإذا نذر، يكون نذره غير معتبر. والإكراه غير الملجئ، غير معتبر، أي: شرعا، أي: لا ينفع ولا يسقط عن إنسان الأحكام. بخلاف الإكراه الملجئ، فإنه يسقط عنه الأحكام، ولا سيما إذا كان فعل ذلك إكراها، ودفعا للإكراه، لا رضا بذلك الشيء الذي قاله أو فعله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة». وقد تقدم معنا مرارا: «الشيء يرفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق». فدل ذلك على أنهما لا ينعقد نذرهما. وكذلك النائم، لو أن إنسانا نائما، وهو نائم، يقول: نذرته عن الشيء، فعلي كذا وكذا. هل ينعقد نذره؟ الجواب: لا. لماذا؟ أيضا لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وعن النائم حتى يستيقظ». وأيضا من حيث التعليل والمعنى: أن النائم لا قصد له ولا إرادة. وأيضا بالنسبة للمكره، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمة عن الخطأ والنسيان، وما استكره عليه». الحديث قد تقدم مرارا. أي: هذين الحديثين. الأمر الثاني: ألفاظ النذر. صيغة النذر وألفاظه: أن يقول: لله علي أن أفعل كذا، أو علي نذر، أو علي نذر كذا. ونحو ذلك من ألفاظ التي يصرح فيها بذكر النذر. وعلى صحيح من أقوال العلماء: أن النذر لا يشترط فيه التصريح بالنذر. بل كل لفظ أفاده معنى النذر، وقصد به النذر، ودل على النذر، فإنه يكون نذرا. يعني لو قال مثلا: علي لأصومن كذا وكذا. يعني مثلا يقول: لو أن الله -يا رب- لو شفيت ولدي، فعلي كذا وكذا، دون أن يقول: نذر. دون أن يقول: نذر. يا رب، أو يا الله، لئن شفيت ولدي، لا تصدقنا بمئات درهم. لا أذبحن شاة لك يا رب، تقربا إليك. لأصومن ثلاثة أيام، تقربا إليك. ولو لم يقل: نذرت. واضح. جماعة. فإنه ينعقد ماذا؟ النذر. هذا على الصحيح، كما مر معنا في ألفاظ مثلها في ألفاظ النكاح، وفي ألفاظ الطلاق، وما شابه ذلك. فيقال كذلك في هذا الباب، أي: في باب ألفاظ النذر. كذلك: أن كل ما دل على النذر، وقصده قائلهم، فإنه يكون نذرا، تنعقد به أحكام، ينعقد به النذر، وتترتب عليه أحكامه. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.