التعليق على كتاب العلم  12

التعليق على كتاب العلم 12

الدرس في التعليق على كتاب العلم 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الحكمة كخُلق سابع من آداب طالب العلم

يشرح الشيخ الحكمة بوصفها الخُلق السابع لطالب العلم، معرفاً إياها بإنزال الأمور منازلها دون إفراط ولا تفريط، ومحذراً من توظيفها ذريعة للتنازل عن الثوابت الشرعية. ويؤكد أن الحكمة الحقيقية تقتضي مراعاة أحوال المدعوين وسياقات البلدان، والالتزام بمنهج القرآن في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

تطبيق النبي ﷺ للحكمة في تعليم الجاهلين آداب المسجد

يستعرض المقطع أمثلة عملية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل بالحكمة مع الجاهلين، كالأعرابي الذي بال في المسجد ومعاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة، حيث علمهما بلطف دون تعنيف. ويبين أن هذا الأسلوب الرفيق تطبيق لقوله تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ».

ضوابط الحكمة في الدعوة إلى الله ومراعاة المصالح

يبيّن المقطع أن الحكمة في الدعوة هي وضع الأمور في مواضعها بأسلوب أنفع دون إفراط في التنازل عن الثوابت ولا تفريط في مراعاة المصالح، مع مراعاة أحوال المدعوين وسياق البلد. ويؤكد أن تحقيق ذلك لا يتم إلا بالعلم والفقه في الدين، مستدلاً بآيات القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي باب ذكره لآداب طالب العلم: "الأمر السابع: الحكمة، أن يكون متحليًا بالحكمة، حيث يقول الله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. والحكمة أن يكون طالب العلم مربيًا لغيره بما يتخلق به من الأخلاق، وبما يدعو إليه من دين الله عز وجل، بحيث يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله. وإذا سلكنا هذا الطريق حصل لنا خير كثير، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. والحكيم هو الذي ينزل الأشياء منازلها، لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام، وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته. فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون حكيماً في دعوته. فالحكمة كما ذكر رحمه الله: أن توضع الأمور مواضعها، وأن تنزل الأشياء منازلها. والناس في الحكمة طرفان ووسط بين إفراط وتفريط. فبعضهم أفرط في باب الحكمة، فجعل الحكمة في كل شيء، حتى في أمور قد تؤدي به إلى التنازل عن ثوابت دينه، بل وعن أصول معتقده، وعن كذلك بعض الأحكام الشرعية، بحجة أنه يريد استخدام الحكمة. فمثلاً: بعض الناس يقول: ليس من الحكمة أن تقوم من مجلس، وهذا المجلس فيه شيء من البدع، من الحكمة أن تجلس حتى يحبك الناس. لا، هذا ليس من الحكمة، لأن البدع والجلوس فيها ينافي شرع الله، وينافي قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. فهذا ليس من الحكمة. وربما بعضهم يقول: ليس من الحكمة أن لا نشارك في المعترك السياسي، فمن الحكمة أن ندخل في البرلمان في الانتخابات كي نزاحم العلمانيين، وكي نزاحم كذلك المبطنين، فيرى أن هذا من الحكمة. وهذا ليس من الحكمة، لأن من فعل ذلك تنازل عن ثوابت دينه. فهذا إفراط في استخدام الحكمة. وهناك تفريط: فبعض الناس غلا، فبعض الناس تساهل في باب الحكمة، فلذلك تجده لا يبالي بالمصالح والمفاسد، ولا يبالي بعواقب الأمور. ودين الله وسط، فالحكمة أن تنزل الأمور منازلها من غير تنازل عن حق، أو عن واجب، أو عن ثابت من ثوابت هذا الدين، أو إلى غير ذلك. فالمهم: الحكمة أن يكون طالب العلم حكيماً في معاملاته وفي دعوته، فيأتي بالأسلوب الأمثل الأنفع من غير إفراط ولا تفريط. فهذه هي الحكمة. فمن الحكمة أن تراعي أحوال المدعوين: فعامة الناس يخاطبون مخاطبة ليست كمخاطبة طلاب العلم والمستفيدين، وكذلك الرجال لا يخاطبون مخاطبة النساء، فكل ذلك من الحكمة. كذلك مراعاة حال البلد: فالبلد التي قد ظهرت فيها السنة وانتشرت واشتهرت، لا تدعى بمثل تلك البلاد التي السنة فيها غريبة وأهل السنة فيها مغمورون. هنا فرق، فذاك لهم أسلوب، وهؤلاء لهم أسلوب آخر، فذلك من الحكمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن، ماذا قال له؟ قال له: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب». لماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟ كي يتأهب ويستعد معاذ رضي الله تعالى عنه في اختيار الأسلوب الأمثل في دعوة هؤلاء. فأهل الكتاب يدعون ليس كدعوة غيرهم من المشركين أو من الكفار، لأن أهل الكتاب أهل رسالة، وأهل كتب أنزلت إليهم، فيخاطبون مخاطبة تناسبهم. فهذا من الحكمة. من الحكمة كذلك: اختلاف الأسلوب في الدعوة إلى الله عز وجل بين البلد المسلم والبلد الكافر. كذلك في المناصحة تكون هناك فروق بين مناصحة من هو معك على الطريق وعلى السنة، وبين ذاك الذي هو في طريق آخر غير طريق السنة. فكل ذلك من الحكمة. وهذا لا يتأتى إلا بماذا؟ بالعلم. ولذلك فُسِّرت الحكمة بالعلم والفقه، ووضع الأمور مواضعها. وكل ذلك لا يتم إلا بالعلم. كيف تستطيع أن تضع الأمور مواضعها وأن تجهل؟ كيف تستطيع أن تسايس أمور دعوتك وأن تجهل؟ فإذن لا بد من العلم. قال: وقد ذكر الله مراتب الدعوة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وذكر الله تعالى مرتبة رابعة في جدال أهل الكتاب، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. ففي هاتين الآيتين ذكر لنا ربنا عز وجل مراتب الدعوة: فالأصل في الدعوة بالموعظة، بالحكمة والموعظة الحسنة، بالرفق واللين، بالتذكير بآية أو حديث، هذا هو الأصل في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ثم إذا لم ينفع ذلك، والمدعو أراد الجدال، وهو من الجدال الممدوح الذي ليس على سبيل المغالبة ولا على سبيل الهوى، إنما على سبيل الوصول إلى الحق، ينتقل بعد ذلك إليها، وتكون بالتي هي أحسن. ثم بعد ذلك إذا أبى المدعو يترك، وإن كان هناك دولة وقوة وشوكة لأهل الإسلام، طلب من أهل الكتاب الجزية، دعوة إلى الله عز وجل وعرض للإسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». دعوة إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال. وأما الداعي إلى الله عز وجل، فالذي يملكه أن يدعو إلى الله بالموعظة، بالحكمة والموعظة الحسنة، لإقامة الحجة. ومن أراد المجادلة وعرف منه معرفة الحق والوصول إلى الحق، جودل بالتي هي أحسن. فإن اتخذ هواه وجادل بالباطل، ترك، وترك، واستمر الداعية إلى الله عز وجل في دعوته. قال: فيختار طالب العلم من أساليب الدعوة ما يكون أقرب إلى القبول، وقال: بغير تنازل عن دين الله عز وجل، أو عن شيء من دين الله. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول: «إننا لسنا بمفوضين في دين الله، لسنا بمفوضين في دين الله». ما معنى قوله ذلك؟ معناه: أننا مأمورون بالاستقامة على دين الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾. هذا الذي أمر الله عز وجل به أهل الإسلام. ولست مفوضاً في دين الله تحلل ما حرم الله، أو تحرم ما أحل الله، أو تترك شيئاً مما أوجب الله عز وجل عليه، بحجة مصلحة الدعوة، أو اتخاذ الحكمة، أو إلى غير ذلك. فهذا كله غير مقبول. ولكن اتخاذ الحكمة فيما يكون أقرب إلى القبول، ومن غير تنازل ولا مخالفة شرعية. وبالأساليب يتضح هذا، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حكيماً في دعوته. فالحكمة: أن يعرف الداعية متى يقدم ومتى يحجم، متى يتكلم ومتى يسكت، متى ينكر ومتى لا ينكر، وإلى غير ذلك. وكما تقدم في أول قراءتنا لهذا الأدب، أمثل على ذلك، أو توضيح لذلك. قال: ومثال ذلك في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: جاء أعرابي فبال في جهة من المسجد، فقام إليه الصحابة يزجرونه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. انظر تصور هذا المنظر: الصحابة في المسجد، وكان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من الحصباء، فجاء أعرابي وبال في المسجد الذي يصل فيه الصحابة ويقرؤون فيه القرآن ويذكرون الله عز وجل فيه، فغضب الصحابة، قام الصحابة يزجرون هذا الأعرابي، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام. في رواية أنه قال لهم: «لا تزرموه»، يعني: لا تقطعوا عليه بوله. وذكر أهل العلم مصالح كثيرة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة في أن يزجروا هذا الأعرابي. فمن ذلك قالوا: لو زجره الصحابة لانتشر البول في بقع كثيرة من المسجد، ولصارت المفسدة أعظم، بدلاً من أن يكون البول محصوراً في بقعة واحدة محصورة، قام هذا خوفاً من أن يضرب فانتشر البول في بقعة كثيرة. هذا أمر. وذكروا أيضاً: لو زجره الصحابة لتضرر هذا الأعرابي، تضرر وكان سبباً في انقطاع في مرضه، أو إلى غير ذلك. فأمر ثالث وهو أعظم: حتى لا ينفر هذا الأعرابي عن دين الله. فلذلك جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم، فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، نادى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فانظر إلى هذه الكلمات: لأنه جاهل، ما يعرف الحكم، ما جاء متعمداً ومعانداً، وإنما أعرابي في البادية ما يدري أن هذا مسجد محترم، وأنه ما يجوز البول فيه، وأن كذا... ما هو متعلم، ما يعرف هذه الأحكام، جاهل. فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام. انظر إلى هذا الأسلوب الأمثل: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». قال الشيخ العثيمين: «أرأيتم أحسن من هذه الحكمة؟» فهذا الأعرابي شرح صدره واقتنع، حتى إنه قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً». والحديث هذا في صحيح مسلم من حديث أنس. وظاهر بعض الروايات أن الأعرابي قال هذا: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً» قبل أن يبول في المسجد، رفع صوته بذلك ثم بال في طائفة المسجد. ولذلك أخذ بعضها للعلم بظاهر ما جاء في هذا الحديث من أن قول الأعرابي: «اللهم ارحمني ومحمداً» إلى آخره، كان قبل أن يبول، والله تعالى أعلم. المهم: الشاهد من هذا الحديث كيف أن هذا الأعرابي... كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم استخدم الحكمة مع هذا الأعرابي وعلمه بالتي هي أحسن، وهذا من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة. قال: وقصة أخرى عن معاوية بن الحكم السلمي. قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله». لأن الذي عطس حمد الله، وهذا يجوز فقط للعاطس أن يقول: الحمد لله في الصلاة، استدلالاً بهذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على العاطس، إنما أنكر على المجيب، أنكر على المجيب. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن العاطس إذا عطس في الصلاة لا بأس أن يحمد الله، ولكن لا يرفع بها صوته، وإنما يسمع نفسه. فالمهم: هذا الرجل عطس وقال: الحمد لله. قال معاوية: فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، بأنه لا يقال ذلك في الصلاة، لا يجاب على من عطس في الصلاة، وهو لا يدري، جاهل بهذه المسألة، فأنكر عليه الصحابة، لكن ليس بألسنتهم لأن هذا ما يجوز لهم، وإنما بأبصارهم، كالمنكرين عليه. فرماه الصحابة بأبصارهم. قال: فقلت: «وا ثكل أمياه»، يعني دعا على نفسه أن تثكله أمه، أن تثكله أمه. ما شأنكم تنظرون إلي؟ لماذا أنتم تنظرون إلي؟ كل هذا يتكلم في الصلاة، لأنه ما يدري أن هذا الكلام ما يجوز في الصلاة، جاهل. ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم هكذا، وهو مستمر في الكلام. قال: فلما رأيتهم يصمتون... ني، لكني سكت. يعني لما رأى ضرب الأيدي على أفخاذهم سكت. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً بعده أحسن تعليماً منه. فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. عليه الصلاة والسلام ما قاله: «أنت يا جاهل، أما علمت أن الكلام في الصلاة ما يجوز؟» لم يقل له ذلك. ما كهره، يعني ما زجره، وما ضربه، ولا شتمه أبداً. وإنما ماذا قال له؟ قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». ومن هنا نجد أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالحكمة كما أمر الله عز وجل، لأن هذا جاهل. معاملة الجاهل تختلف عن معاملة المعاند الذي يعلم لكن يعاند، كما سيأتي في ضرب مثال آخر، أو كما جاء في السنة في بعض أمثلة مما النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم شد فيها على بعضهم، لما كان الحكم يختلف في شأنه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي باب ذكره لآداب طالب العلم: "الأمر السابع: الحكمة، أن يكون متحليًا بالحكمة، حيث يقول الله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. والحكمة أن يكون طالب العلم مربيًا لغيره بما يتخلق به من الأخلاق، وبما يدعو إليه من دين الله عز وجل، بحيث يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله. وإذا سلكنا هذا الطريق حصل لنا خير كثير، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. والحكيم هو الذي ينزل الأشياء منازلها، لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام، وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته. فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون حكيماً في دعوته. فالحكمة كما ذكر رحمه الله: أن توضع الأمور مواضعها، وأن تنزل الأشياء منازلها. والناس في الحكمة طرفان ووسط بين إفراط وتفريط. فبعضهم أفرط في باب الحكمة، فجعل الحكمة في كل شيء، حتى في أمور قد تؤدي به إلى التنازل عن ثوابت دينه، بل وعن أصول معتقده، وعن كذلك بعض الأحكام الشرعية، بحجة أنه يريد استخدام الحكمة. فمثلاً: بعض الناس يقول: ليس من الحكمة أن تقوم من مجلس، وهذا المجلس فيه شيء من البدع، من الحكمة أن تجلس حتى يحبك الناس. لا، هذا ليس من الحكمة، لأن البدع والجلوس فيها ينافي شرع الله، وينافي قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. فهذا ليس من الحكمة. وربما بعضهم يقول: ليس من الحكمة أن لا نشارك في المعترك السياسي، فمن الحكمة أن ندخل في البرلمان في الانتخابات كي نزاحم العلمانيين، وكي نزاحم كذلك المبطنين، فيرى أن هذا من الحكمة. وهذا ليس من الحكمة، لأن من فعل ذلك تنازل عن ثوابت دينه. فهذا إفراط في استخدام الحكمة. وهناك تفريط: فبعض الناس غلا، فبعض الناس تساهل في باب الحكمة، فلذلك تجده لا يبالي بالمصالح والمفاسد، ولا يبالي بعواقب الأمور. ودين الله وسط، فالحكمة أن تنزل الأمور منازلها من غير تنازل عن حق، أو عن واجب، أو عن ثابت من ثوابت هذا الدين، أو إلى غير ذلك. فالمهم: الحكمة أن يكون طالب العلم حكيماً في معاملاته وفي دعوته، فيأتي بالأسلوب الأمثل الأنفع من غير إفراط ولا تفريط. فهذه هي الحكمة. فمن الحكمة أن تراعي أحوال المدعوين: فعامة الناس يخاطبون مخاطبة ليست كمخاطبة طلاب العلم والمستفيدين، وكذلك الرجال لا يخاطبون مخاطبة النساء، فكل ذلك من الحكمة. كذلك مراعاة حال البلد: فالبلد التي قد ظهرت فيها السنة وانتشرت واشتهرت، لا تدعى بمثل تلك البلاد التي السنة فيها غريبة وأهل السنة فيها مغمورون. هنا فرق، فذاك لهم أسلوب، وهؤلاء لهم أسلوب آخر، فذلك من الحكمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن، ماذا قال له؟ قال له: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب». لماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك؟ كي يتأهب ويستعد معاذ رضي الله تعالى عنه في اختيار الأسلوب الأمثل في دعوة هؤلاء. فأهل الكتاب يدعون ليس كدعوة غيرهم من المشركين أو من الكفار، لأن أهل الكتاب أهل رسالة، وأهل كتب أنزلت إليهم، فيخاطبون مخاطبة تناسبهم. فهذا من الحكمة. من الحكمة كذلك: اختلاف الأسلوب في الدعوة إلى الله عز وجل بين البلد المسلم والبلد الكافر. كذلك في المناصحة تكون هناك فروق بين مناصحة من هو معك على الطريق وعلى السنة، وبين ذاك الذي هو في طريق آخر غير طريق السنة. فكل ذلك من الحكمة. وهذا لا يتأتى إلا بماذا؟ بالعلم. ولذلك فُسِّرت الحكمة بالعلم والفقه، ووضع الأمور مواضعها. وكل ذلك لا يتم إلا بالعلم. كيف تستطيع أن تضع الأمور مواضعها وأن تجهل؟ كيف تستطيع أن تسايس أمور دعوتك وأن تجهل؟ فإذن لا بد من العلم. قال: وقد ذكر الله مراتب الدعوة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وذكر الله تعالى مرتبة رابعة في جدال أهل الكتاب، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. ففي هاتين الآيتين ذكر لنا ربنا عز وجل مراتب الدعوة: فالأصل في الدعوة بالموعظة، بالحكمة والموعظة الحسنة، بالرفق واللين، بالتذكير بآية أو حديث، هذا هو الأصل في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ثم إذا لم ينفع ذلك، والمدعو أراد الجدال، وهو من الجدال الممدوح الذي ليس على سبيل المغالبة ولا على سبيل الهوى، إنما على سبيل الوصول إلى الحق، ينتقل بعد ذلك إليها، وتكون بالتي هي أحسن. ثم بعد ذلك إذا أبى المدعو يترك، وإن كان هناك دولة وقوة وشوكة لأهل الإسلام، طلب من أهل الكتاب الجزية، دعوة إلى الله عز وجل وعرض للإسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». دعوة إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال. وأما الداعي إلى الله عز وجل، فالذي يملكه أن يدعو إلى الله بالموعظة، بالحكمة والموعظة الحسنة، لإقامة الحجة. ومن أراد المجادلة وعرف منه معرفة الحق والوصول إلى الحق، جودل بالتي هي أحسن. فإن اتخذ هواه وجادل بالباطل، ترك، وترك، واستمر الداعية إلى الله عز وجل في دعوته. قال: فيختار طالب العلم من أساليب الدعوة ما يكون أقرب إلى القبول، وقال: بغير تنازل عن دين الله عز وجل، أو عن شيء من دين الله. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول: «إننا لسنا بمفوضين في دين الله، لسنا بمفوضين في دين الله». ما معنى قوله ذلك؟ معناه: أننا مأمورون بالاستقامة على دين الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾. هذا الذي أمر الله عز وجل به أهل الإسلام. ولست مفوضاً في دين الله تحلل ما حرم الله، أو تحرم ما أحل الله، أو تترك شيئاً مما أوجب الله عز وجل عليه، بحجة مصلحة الدعوة، أو اتخاذ الحكمة، أو إلى غير ذلك. فهذا كله غير مقبول. ولكن اتخاذ الحكمة فيما يكون أقرب إلى القبول، ومن غير تنازل ولا مخالفة شرعية. وبالأساليب يتضح هذا، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حكيماً في دعوته. فالحكمة: أن يعرف الداعية متى يقدم ومتى يحجم، متى يتكلم ومتى يسكت، متى ينكر ومتى لا ينكر، وإلى غير ذلك. وكما تقدم في أول قراءتنا لهذا الأدب، أمثل على ذلك، أو توضيح لذلك. قال: ومثال ذلك في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: جاء أعرابي فبال في جهة من المسجد، فقام إليه الصحابة يزجرونه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. انظر تصور هذا المنظر: الصحابة في المسجد، وكان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من الحصباء، فجاء أعرابي وبال في المسجد الذي يصل فيه الصحابة ويقرؤون فيه القرآن ويذكرون الله عز وجل فيه، فغضب الصحابة، قام الصحابة يزجرون هذا الأعرابي، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام. في رواية أنه قال لهم: «لا تزرموه»، يعني: لا تقطعوا عليه بوله. وذكر أهل العلم مصالح كثيرة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة في أن يزجروا هذا الأعرابي. فمن ذلك قالوا: لو زجره الصحابة لانتشر البول في بقع كثيرة من المسجد، ولصارت المفسدة أعظم، بدلاً من أن يكون البول محصوراً في بقعة واحدة محصورة، قام هذا خوفاً من أن يضرب فانتشر البول في بقعة كثيرة. هذا أمر. وذكروا أيضاً: لو زجره الصحابة لتضرر هذا الأعرابي، تضرر وكان سبباً في انقطاع في مرضه، أو إلى غير ذلك. فأمر ثالث وهو أعظم: حتى لا ينفر هذا الأعرابي عن دين الله. فلذلك جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم، فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، نادى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فانظر إلى هذه الكلمات: لأنه جاهل، ما يعرف الحكم، ما جاء متعمداً ومعانداً، وإنما أعرابي في البادية ما يدري أن هذا مسجد محترم، وأنه ما يجوز البول فيه، وأن كذا... ما هو متعلم، ما يعرف هذه الأحكام، جاهل. فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام. انظر إلى هذا الأسلوب الأمثل: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». قال الشيخ العثيمين: «أرأيتم أحسن من هذه الحكمة؟» فهذا الأعرابي شرح صدره واقتنع، حتى إنه قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً». والحديث هذا في صحيح مسلم من حديث أنس. وظاهر بعض الروايات أن الأعرابي قال هذا: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً» قبل أن يبول في المسجد، رفع صوته بذلك ثم بال في طائفة المسجد. ولذلك أخذ بعضها للعلم بظاهر ما جاء في هذا الحديث من أن قول الأعرابي: «اللهم ارحمني ومحمداً» إلى آخره، كان قبل أن يبول، والله تعالى أعلم. المهم: الشاهد من هذا الحديث كيف أن هذا الأعرابي... كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم استخدم الحكمة مع هذا الأعرابي وعلمه بالتي هي أحسن، وهذا من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة. قال: وقصة أخرى عن معاوية بن الحكم السلمي. قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله». لأن الذي عطس حمد الله، وهذا يجوز فقط للعاطس أن يقول: الحمد لله في الصلاة، استدلالاً بهذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على العاطس، إنما أنكر على المجيب، أنكر على المجيب. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن العاطس إذا عطس في الصلاة لا بأس أن يحمد الله، ولكن لا يرفع بها صوته، وإنما يسمع نفسه. فالمهم: هذا الرجل عطس وقال: الحمد لله. قال معاوية: فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، بأنه لا يقال ذلك في الصلاة، لا يجاب على من عطس في الصلاة، وهو لا يدري، جاهل بهذه المسألة، فأنكر عليه الصحابة، لكن ليس بألسنتهم لأن هذا ما يجوز لهم، وإنما بأبصارهم، كالمنكرين عليه. فرماه الصحابة بأبصارهم. قال: فقلت: «وا ثكل أمياه»، يعني دعا على نفسه أن تثكله أمه، أن تثكله أمه. ما شأنكم تنظرون إلي؟ لماذا أنتم تنظرون إلي؟ كل هذا يتكلم في الصلاة، لأنه ما يدري أن هذا الكلام ما يجوز في الصلاة، جاهل. ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم هكذا، وهو مستمر في الكلام. قال: فلما رأيتهم يصمتون... ني، لكني سكت. يعني لما رأى ضرب الأيدي على أفخاذهم سكت. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً بعده أحسن تعليماً منه. فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. عليه الصلاة والسلام ما قاله: «أنت يا جاهل، أما علمت أن الكلام في الصلاة ما يجوز؟» لم يقل له ذلك. ما كهره، يعني ما زجره، وما ضربه، ولا شتمه أبداً. وإنما ماذا قال له؟ قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». ومن هنا نجد أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالحكمة كما أمر الله عز وجل، لأن هذا جاهل. معاملة الجاهل تختلف عن معاملة المعاند الذي يعلم لكن يعاند، كما سيأتي في ضرب مثال آخر، أو كما جاء في السنة في بعض أمثلة مما النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم شد فيها على بعضهم، لما كان الحكم يختلف في شأنه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.