الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل السعدي تفصيل قصة أصحاب الكهف مؤكداً أن الله يقصها بالحق، وأن الفتية كانوا قلة آمنوا بربهم فزادهم الله هدى وعلماً وعملاً صالحاً جزاء لإقبالهم عليه. وتبرز هذه المقدمة مكانة القصة كدليل على عناية الله بأوليائه.
تبين الهداية تتفاوت بحسب إقبال العبد على الله، وقد ثبت الله قلوب أهل الكهف وألقى فيهم السكينة رغم فراقهم لأهليهم وأموالهم. كما أنزل سكينته على رسوله والمؤمنين في مواطن الشدة كالحُديبية وحنين، وهذا من لطفه المميز للمؤمنين.
يوضح المقطع كيف استدل فتية الكهف بتوحيد الربوبية (إقرارهم بأن الله خالق السماوات والأرض ورازقهم) على وجوب توحيد الألوهية وإخلاص العبادة لله وحده. مستشهدين بآيات تبين أن من لا يخلق ولا يرزق لا يستحق العبادة، وأن دعوة غير الله شطط وباطل.
يُبرز المقطع كمال معرفة فتية الكهف بربهم وما آتاهم الله من هدى وثبات، فآثروا العزلة في الكهف على البقاء بين المشركين الذين يعبدون مع الله غيره. مظهرين تضحية عظيمة في سبيل العقيدة وفراراً بدينهم إلى الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة الإمام المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره لذكر قصة أصحاب الكهف في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: هذا شروع في تفصيل قصتهم، ما ذكر بالأمس إجمالاً لما ذكر في قصتهم. وذكرنا أن ذكر الإجمال ثم التفصيل أسلوب من أساليب التعليم. فهذا الآن شروع في تفصيل قصتهم، وأن الله يقصها على نبيه بالحق والصدق: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾، ومن أصدق من الله حديثاً، ومن أصدق من الله قيلاً. فهذا القصص القرآني لأنه من الله فهو حق وصدق، الذي ما فيه شك ولا شبهة بوجه من الوجوه. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾. وهذا من جموع القلة، يعني: فتية، فتية من جموع القلة. ومعنى القلة: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ما يزيد على ذلك تسمى جموع القلة، لها أوزان ولها تصاريف معروفة في علم التصريف. فقوله هنا: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾، قال: هذا من جموع القلة، يدل ذلك على أنهم دون العشرة، فهم قلة، هؤلاء أصحاب الكهف ما يتجاوزون العشرة. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾: آمنوا بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان زادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾. فقوله: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، كما تقدم: عرفوا الله عز وجل، وعلموا أنه لا يستحق العبادة أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن قومهم كانوا يشركون بالله، كانوا يشركون بالله سبحانه وتعالى. فلما آمنوا وعرفوا ربهم زادهم الله هداية. فمن أقبل على الله فالله سبحانه وتعالى يزيده من فضله، يزيده من فضله، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. وفي الآية التي ذكرها: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾. والهداية مثل الإيمان تتفاوت بين الناس، تتفاوت بين الناس، فكلما أقبل العبد على الله عز وجل بالإيمان والعمل الصالح زاده الله عز وجل هداية وإيماناً، هداية وإيماناً. ونحن نقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتطلب من الله الزيادة من الهداية في كل ركعة، وتطلب من الله عز وجل الثبات على هذه الهداية. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾: أي صبرناهم وثبتناهم. الربط على القلب بمعنى الثبات، الشيء المحكم القوي الذي لا يمكن أن ينفك أو أن يضعف. فمعنى ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾: أي صبرناهم وثبتناهم. خرجوا من بين أهاليهم، تركوا أموالهم، وتركوا ديارهم، وتركوا مساءهم، وأقبلوا على الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى ربط على قلوبهم، أي: صبرهم وثبتهم. قال: وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة، خوف من أن يظفر عليهم عدوهم، وكذلك وحشة بخروجهم من بين أهاليهم، فلا ولد ولا زوجة ولا قريب، ولا كذلك مال ولا شيء من ذلك. فهذه حال لا شك أنها مزعجة، لكن الله عز وجل ألقى في قلوبهم السكينة والطمأنينة، ألقى في قلوبهم السكينة والطمأنينة. قال: وهذا من لطفه تعالى بهم وبره، أن وفقهم للإيمان والهدى والصبر والثبات والطمأنينة. فالمؤمن، المصائب التي تنزل عليه، الله سبحانه وتعالى يلطف به، ومن لطف الله عز وجل بعبده أن يخفف عنه هذه المصائب، وأن يلقي في قلبه الطمأنينة والسكينة. الصحابة رضي الله عنهم في مواضع عدة أنزل الله عز وجل عليهم السكينة. ولو نظرت في هذه المواضع لرأيت أنها مواضع مزعجة. في قول الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا في يوم الحديبية، في يوم الحديبية. كذلك في يوم حنين: ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ﴾. انظر في هذا الموضع المزعج، فإذا بالله عز وجل ينزل سكينته على قلوب، على قلب نبيه عليه الصلاة والسلام، على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم. وهكذا في غيرها من المواضع. فهذا من لطف الله عز وجل، وبهذا تعلم الفرق بين مصائب، بين المصائب التي تنزل على أهل الإيمان والمصائب التي تنزل على غيرهم. فتجد أهل الإيمان على ثبات وعلى طمأنينة وعلى سكينة عند نزول تلك المزعجات. ثم قال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي خلقنا ورزقنا وربانا، هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام التي لا تخلق ولا ترزق ولا تملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا كثير في القرآن، الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. بمعنى أن العبد إذا آمن بأن الله هو الرازق وهو المحيي وهو المميت وهو الخالق، فيلزم من إيمانه ذلك أن يقر لله عز وجل بالعبادة. ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. فالذي يخلق ويرزق هو الذي يستحق العبادة. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾. إذا كان هذه الأصنام لا تملك لكم رزقاً ولا ترزق أنفسها، فمن الذي يرزقكم؟ الله عز وجل. فالذي يرزقكم هو الذي يستحق العبادة. ففي هذه الآيات هذا المعنى: استدلالهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. قال: فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ولهذا قالوا: ﴿لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾. أولاً أثبتوا الخلق، خلق السماوات وخلق الأرض لله سبحانه وتعالى، ثم قالوا: ﴿لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾. الدعاء من توحيد الربوبية أو الألوهية؟ من توحيد الألوهية. فكأنهم قالوا: الذي خلق السماوات والأرض هو الذي ندعوه، لا ندعو غيره، لا ندعو غيره، ﴿فَلَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾، لأن الإله الآخر غير الله عز وجل لا يخلق، لا يخلق شيئاً. ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. أي: لقد قلنا إذن، أي: إن دعاءنا، إن دعاءنا معه آلهة بعدما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له، شطط. إذا دعونا غيره قلنا شطط. والشطط: أي ميلاً عظيماً عن الحق وطريقاً بعيدة عن الصواب. هذا هو الشطط، هذا هو الشطط: الميل عن الحق وعن الطريق المستقيم وعن الدين القويم. قال: فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل. وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم وزيادة الهدى من الله لهم، ولذلك ثبت هذا الثبات، وضح هذه التضحية العظيمة، وآثروا العزلة على المكوث بين ظهراني أولئك المشركين الذين يدعون مع الله إلهاً آخر. نكتفي بهذا. أولئك المشركين. ترجمة نانسي قنقر