الدرس في كتاب الصداق من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حكم مهر المثل عند عدم تسمية الصداق، مبيناً أن كل ما يصح في البيع أو الإجارة يصح مهراً، وأن تأخير المهر جائز لكن الأفضل تسميته وتعجيله لقطع النزاع. يستدل بأحاديث التمسك بخاتم من حديد، وتزويج النبي ﷺ الصحابي بما معه من القرآن، ودرع علي رضي الله عنه لفاطمة.
يشرح المقطع حكم المتعة الواجبة على الزوج إذا طلق زوجته قبل الدخول بها ولم يسمّ لها مهراً، حيث تُقدر المتعة بحسب يسار الزوج أو إعساره، بينما إذا كان المهر مسمىً فلها نصف المهر المسمى فقط. كما يناقش خلاف العلماء في معنى "الدخول" هل هو مجرد الخلوة أم يشترط فيه الوطء.
يناقش المقطع قول الجمهور بأن المهر يستقر بالخلوة الصحيحة دون حاجة للوطء، مستدلين بأثر الخلفاء الراشدين وآية الإفضاء، مقابل قول المالكية والشافعية في الجديد باشتراط الوطء. ثم يبين الفرق بين المتعة الواجبة للمطلقة قبل الدخول وعدم فرض المهر، والمتعة المستحبة للمطلقة بعد الدخول، مع ذكر خلاف شيخ الإسلام ابن تيمية في وجوبها لكل مطلقة ورد الجمهور عليه.
يؤكد المقطع أن القول الراجح عند جمهور العلماء هو منع الخلوة بالمرأة الأجنبية حتى لو لم يحصل جماع. ويختم الدرس بالإشارة إلى أن مسألة الصداق ستؤخذ في الدرس القادم.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: "فإن تزوجها ولم يسمِ لها صداقاً فلها مهر المثل". هنا وقفنا. صح؟ هذا تكلمنا عليه. نعم، ذكرنا أن هذا من فوائد الحديث؛ لأنه قال: "التمس ولو خاتماً من حديد". من حديث... هذا الآن ثمن وأجره. تمام الحديث: لما قال له: "يا رسول الله لم أجد"، قال له: "زوجتكها بما معك من القرآن". هذه أجره. وذكرنا خلاف أهل العلم في ما يصح به المهر. قلنا: يصح به المهر. الصحيح أن أقل المهر... ما هو أقل المهر؟ جعلنا ضابطاً في هذا: ما هو أقل المهر؟ مئة أو مئتين أو كم؟ أقل المهر ما هو... لا حد لأقله، لكن له ضابط. ما هو هذا الضابط؟ كل ما يصلح في الأقد... كيف؟ لا أسمع... لا، في ضابط جعلنا: كل ما يصلح في الأقد. نعم، كل ما يصلح في البيع أو في الشراء فهو يصح أن يكون مهراً. كل ما صح العقد عليه بيعاً أو إجارة... بيعاً أو إجارة، صح أن يكون مهراً. هذا هو الضابط، هذا هو الضابط. ثم قال: "فإن تزوجها ولم يسمِ لها صداقاً فلها مهر المثل". ومعنى هذا الكلام: يعني لو تزوج امرأة على أن يكون الصداق مؤجلاً ولم يسمِ، قال: "خلاص مهرها عندي"، وخطبوا له... يجوز يعني أن يكون المهر مؤجلاً، تتزوج ثم بعد الزواج تعطي المرأة المهر. يجوز هذا. طيب، لو قال ذلك ولم يسمِ صداقاً، فماذا يعطيها بعد ذلك؟ يقول هنا المؤلف: "فلها مهر المثل". ومعنى لها مهر المثل: أي معتاد الناس أن يدفعوه لمثلها، أو لأمثال هذه المرأة من قريباتها مثلاً، أو من أهل بلدها. وهذه التي تسمى "المفوضة"، فوضت أمرها إلى ما اعتاد عليه الناس، ولم تحدد مهراً، فيكون لها مهر المثل. واضح؟ مثلاً على سبيل المثال: لو اعتاد الناس أقاربها، قريباتها، وجيرانها، وأهل بلدها أن المهر مثلاً مليون، قال: "خلاص نتزوج على هذه المرأة بمهر مؤجل"، وافقوا، وتم العقد، ودخل بها، جاء يريد يسدد المهر، أعطاها مئة ألف، قالت: "لا، هذا قليل"، وتم الخلاف. فهنا الحكم أن يعطيها ماذا؟ أن يعطيها مثل مهر قريباتها، أو جيرانها، أو أهل بلدها. كم عندكم المهر هذه الأيام؟ قالوا: مليون. قيل له: "إذن يلزمك أن تدفع لها ماذا؟ مليوناً، أن تدفع لها مليوناً". هذا معنى قوله: "فلها مهر المثل". فلها مهر المثل. والأفضل لا شك تسمية المهر، ولو كان مؤجلاً، بل وتعجيله إن كان موجوداً، هذا الأفضل. لكن إن وقع هذا، من حيث الجواز يجوز أن يكون المهر مؤخراً، ولو كان معلوماً، أو أن يكون المهر مؤخراً ولو كان غير معلوم. لكن الأفضل في المهر التسمية: "كم تريدون مني مهراً؟" قالوا: "مليون". قال: "خلاص، المليون حقكم، هذا عندي، أنا الآن ما عندي شيء، لكن بعد ما أتزوج ييسر الله إن شاء الله وأعطيها إياه". هذا يجوز، لا بأس بذلك. نعم، واستدلوا على أفضلية التسمية والتعجيل بالحديث المتقدم: "التمس ولو خاتماً من حديد". فقالوا: هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بتسمية المهر، وكذلك بتعجيله. ما قال له: "خلاص، خذ هذه المرأة على أن يكون المهر مؤجل". لا، ما زوجها إياه إلا بعد أن حدد له المهر وعجله. واضح؟ نعم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "عجله"، يعني في قول: "التمس ولو خاتماً من حديد"، "ولو خاتماً من حديد". أما فيما بعد ففيه تأجيل؛ لأن قال له: "زوجتكها بما معك من القرآن". الآن هذا المهر عاجل أو آجل؟ المهر هذا عاجل أو آجل؟ لما قال له: "زوجتكها بما معك من القرآن"، هذا آجل، ليس عاجل؛ لأن التعليم سيكون بعد الزواج. صح؟ لأنه قال: "زوجتكها الآن"، زوجها. هل وفى بهذا المهر؟ لم يوفِ بهذا المهر. وذلك يدل بهذا الحديث على جواز تأجيل المهر، على جواز تأجيل المهر. واستدل به أيضاً على جواز تعجيل المهر. ففي الأول قوله: "التمس ولو خاتماً من حديد"، هذا يريد أن يعجل في المهر. وقوله: "زوجتكها بما معك من القرآن"، هذا فيه تأجيل للمهر. وكذلك مما يستدل به على أفضلية تسمية المهر وتأجيله... ما جاء في الحديث أن علياً رضي الله عنه لما أراد أن يتزوج فاطمة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطيها شيئاً"، يعني مهراً. فقال علي: "ما عندي شيء يا رسول الله". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أين درعك الحطمية؟ أين درعك الحطمية؟" قال: "قلت هي عندي". قال: "فأعطيها إياها"، يعني كمهر لها. والدرع معروف: هو ما يلبس في الحرب. والأفضل تسمية المهر وتعجيله؛ لأنه أقطع للنزاع. خلاص، ما يكون هناك نزاع؛ لأنه قد يختلف الزوج مع زوجته إذا لم يسمِ، أو يصير خلاف مثلاً، ويطلق قبل أن يؤدي المهر، أو نحو ذلك، سيصير هناك خلاف ونزاع. فلا شك أن الأفضل تعجيل المهر، وأيضاً تحديد المهر؛ حتى لا يكون هناك أيضاً خلاف في المثل. مثلاً قد يقول: "أنا زوّجتك والمهر كان مليون، والآن المهر مليون ونصف". تقول: "لا، أنا أريد مهر هذا الوقت"، وكذا يحصل خلاف بينهما. فتعجيل المهر... فهذا لا شك أنه أقطع للنزاع، أقطع للنزاع. قال: "فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره". لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. قوله: "فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة"، يعني مثلاً: تزوج بامرأة وعقد عليها، لكن أخر الدخول عليها. وهذا يقع كثيراً، بعضهم ربما يتزوج يجلس شهر أو شهرين... نعم، ترفع يدك، ولا يدخل على زوجته. طيب، إذا مات هذا سيأتي معنا. طيب، إذا طلقها: قد عقد عليها وما دخل عليها وطلقها، فهنا يجب عليه المتعة. وما معنى المتعة؟ يعني يعطيها شيئاً غير مقدر. طبعاً هذا باعتبار أنها... ماذا؟ أن هذا الحكم لا بد أن يقيد بأمرين اثنين: أن يقيد بأمرين اثنين. الأمر الأول: كما جاء في الآية: "إذا طلقها قبل الدخول"، تمام. والأمر الثاني: إذا لم يحدد مهرها. لم يحدد المهر: تزوجها وعقد عليها، ولم يحدد لها مهراً، وما أعطاها إلى الآن شيئاً، مهر... سأسن المهر، يكون مؤجل. فهنا جمهور أهل العلم يرون بظاهر هذه الآية أنه يجب عليه المتعة. أيش معنى المتعة؟ معنى المتعة: أن يعطيها شيئاً من المال بحسب استطاعته. إن كان غنياً أعطاها شيئاً كثيراً، وإن كان فقيراً أعطاها شيئاً قليلاً. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، يعني لا حرج عليكم ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، يعني ما لم تدخلوا عليهن، ومنهم أنفسروا: ما لم تجامعوهن، وسيأتي معنى الخلاف في هذا. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، إذن هنا ذكر شرطين: عدم الدخول، وعدم فرض فريضة. الفريضة يراد بها هنا المهر. ومر معنى أن الصداق له عدة تسميات، ومنها الفريضة. من تسميات المهر: أيش الفريضة؟ فهنا قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، يعني تحددوا لهن صداقاً، تحددوا لهن صداقاً. ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، يعني إذا كان الحال هكذا، فإذا عليكم المتعة. ما هي هذه المتعة؟ لم يحددها الشرع، وإنما قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ﴾، الموسع يعني الغني الذي عنده مال كثير. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾، يعني الفقير المقتر. المقتر يعني الفقير. ﴿قَدْرُهُ﴾ يعني الشيء الذي يستطيعه. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. وذكروا للمتعة في هذا الموضع حكماً، منها: تعويضاً لها عما فاتها من المهر. والآن لم يعطيها مهراً، فهنا يفوت عليها المهر. بخلاف من إذا طلق زوجته ولم يدخل بها وحدد لها مهراً، فهذه تحصل من المهر كم تحصل من المهر؟ كم تحصل من المهر؟ ها، إذا تزوج عليها ولم يدخل بها وحدد لها مليون، كم تحصل من المهر؟ ها، نصف خمسمائة. لنص الآية الأخرى: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. طيب، هي التي سامحت، فهنا الأمر إليها لأنها تنازلت عن حقها. لكن إذا لم تتنازل عن حقها وحدد المهر، فلها كم؟ فلها نصف المهر. إذا الآن معنا مسألتين، ركزوا عليها: تزوج بامرأة، عقد... تزوج معنا عقد، مش خطبة. الخطبة ليس لها حكم في هذا. فرق بين الخطبة وبين العقد. الخطبة فقط مجرد... يعني اتفاق على أنني سأتزوج فلاناً، ولم أعقد بها بعد. واضح؟ أما العقد: عقدت عليها بشهود، برض الطرفين، بوجود الولي، شروط النكاحة التي مرت معنا، تمام؟ بوجود مهر. لكن هذا المهر لم يحدد. في الحالة الأولى: قلت لهم: "خلاص، أنا سأعطيها مهراً إذا تم الدخول مثلاً"، ولم تعطيها شيئاً. ففي هذه الحال إذا طلقها قبل أن يدخل عليها، فيمتعها وجوباً. هنا المتعة واجبة. إيش هذه المتعة؟ على حسب قدرة... ماذا؟ الزوج. إن كان غنياً أعطاها ما يقارب النصف. طيب، وإن كان فقيراً أعطاها ولو الربع، على حسب حاله. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾. هذه الحالة الأولى، واضح؟ الحالة الثانية: عقد بها وحدد لها مهراً، لكن ما دخل عليها؟ تزوج وقال لهم: "خلاص، المهر مليون". تمام، خلاص، المهر مليون. فرض لها فريضة. ثم بعد ذلك طلقها قبل أن يدخل عليها. فهنا بكم يمتعها؟ لها نصف المهر، لا يوجد متعة. هذا فريضة، الآن لها نصف المهر. إذا هو مليون تأخذ خمسمائة، مليون ونصف تأخذ سبعمائة وخمسين، مليونين تأخذ مليون، وهكذا. فهمتم هذا الآن؟ نعم. وهنا مسألة مهمة يذكرها أهل العلم، وهي مسألة الدخول: إيش المراد بالدخول؟ إيش المراد بالدخول؟ هل المراد بالدخول الخلوة بها ولو لم يمسها؟ يعني مثلاً: تزوج على امرأة، طيب، ثم أدخلوه عنده في الغرفة، هي وهو، بينه وبينها، لكن لم يجامعها، بس هكذا جلسوا هكذا وخرجت. فهل هذا يعد دخولاً، أو يشترط في الدخول الوطء؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين. تصورتم المسألة الآن: هل يشترط في الدخول الوطء، أو لا يشترط، وإن خل بها بإغلاق باب، أو بكذلك سدل ستار، أو نحو ذلك؟ معنى: ليس عنده أحد، خل بها. قلنا: هذه المسألة على قولين. القول الأول: أن لها المهر كاملاً، وإن لم يجامعها، طالما أنه خل بها، فلها المهر كاملاً، ولا تدخل في هذه الأحكام؛ لأن الله عز وجل قيد ذلك بالخلوة، هكذا قالوا. وهذا مذهب جمهور العلماء، بل نقل ابن قدامة إجماع الصحابة على ذلك، واستدلوا بآثار جاءت عن الصحابة، رواها البيهقي وغيره، مثل أثر زرارة بن أوفى، قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً أو أرخى سترا فقد وجب المهر، ووجبت العدة". واستدلوا أيضاً بالآية: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. كيف تأخذونه؟ وكيف تأخذوا منه شيئاً، وقد أفضى بعضكم... أيش الآية؟ ﴿قَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾، يعني المهر تأخذونه من المرأة. فقالوا: الإفضاء هو أن يخلوا بها، وإن لم يجامعها. أن يخلوا بها، وإن لم يجامعها. هكذا استدلوا بهذه الآية. وقالوا أيضاً: الجمهور لأن المرأة سلمت... أو سلمت المبدل، يعني هي الآن بدل... أيش؟ بدل المال. صح؟ فهي الآن سلمت المبدل حيث رفعت الموانع. خلاص، هي جاهزة لأن يستمتع بها هذا الرجل، ولذلك دخلت عنده، ولذلك دخلت عنده. فسعيها هذا يتأكد حقها في البدل. هي الآن بدلت نفسها، ووافقت على أن يستمتع بها هذا الرجل. فكونه لم يفعل شيئاً، هذا لا يلزم منه... لا يلزم منه عدم أخذ المهر، وهو البدل. لأن قالوا: وجوب إتمام المهر لا يتوقف على الاستيفاء، بل على التسليم. هي الآن سلمت نفسها، وإن لم يستوفِ الزوج ما له منها بالاستمتاع بها، فلا يلزم ذلك، لأن الطلاق منه، ليس منها. واضح؟ فهذا القول وجيه. وكذلك إن صح ما ورد عن الصحابة، خصوصاً الخلفاء، فقولهم حجة، بل سنة: "عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي". والقول الثاني: أنه لا يستقر المهر إلا بالخلوة مع الوطء، لا بد من الوطء. وهذا قول مالك، والشافعي في الجديد. أما في القديم، فالشافعي كان مع الجمهور، لكن في المذهب الجديد ذهب إلى هذا القول: أنه لا بد من الوطء. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. قالوا: والمراد بالمسيس هنا الجماع، المراد بالمسيس هنا الجماع. نعم، فإذا طلقها قبل أن يمسها... مطلق قبل المسيس، وهو قال في الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. فاستدلوا بهذه الآية على أنه يشترط... ماذا؟ يشترط الوطء. والأقرب، الله أعلم، قول الجمهور؛ لأن فيه فتوى للصحابة، خصوصاً الخلفاء، بل نقل ابن قدامة إجماع، ومذهب الحنابلة كذلك نقل إجماع الصحابة على هذه المسألة. فإذا صح هذا الإجماع، أو أثر الخلفاء الراشدين، فالعمل به أقوى، فالعمل به أقوى، والله تعالى أعلم. ثم هنا مسألة أخرى أيضاً تتعلق بهذا المبحث، وهي مسألة الحكمة. ذكرنا الحكمة من المتعة، ذكرنا الحكمة من المتعة، وأنها تعويضاً لها عما فاتها من المهر، وكذلك جبر لمصيبتها، وإحسان إليها. وسياتي معنا أن المتعة متعتان: متعة واجبة، ومتعة مستحبة. يعني ما يعطى المرأة مقابل الطلاق: متعتان. متعة واجبة، ومتعة مستحبة. المتعة الواجبة: ما مرت معنا الآن. تزوجها وعقد بها، لكن لم يدخل عليها، طيب، فطلقها. فهنا تجب عليه المتعة، لهذه الآية، لهذه الآية. وهنا متعة مستحبة، سيأتي ذكرها في آخر ما ذكره المؤلف، وهو: لكل مطلقة، إذا لم يدخل بها، إذا دخل بها... نعم، وكذلك فرض لها. فهذه متعة مستحبة. مثلاً: إنسان تزوج بامرأة، دخل بها، جلست معه سنة، سنتين، ثم طلقها. فقالوا: يستحب له أن يعطيها شيئاً، بقول الله عز وجل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وهذا قول جمهور العلماء: أن المتعة إنما تجب على المطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها. وذهب شيخ الإسلام إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، فرض لها أم لم يفرض لها، دخل بها أم لم يدخل بها، بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. لكن رد جمهور العلماء على قول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن المتعة مستحبة. أما قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، هذا قالوا: لو كانت واجبة، لما خص... خص بها المتقون، أو المحسنون، بل كانت حق على كل واحد. فقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، هذا فيه دليل على أن الحق هنا المراد به الاستحباب؛ لأن خص به طائفة دون أخرى. والواجب لا يعني يكون واجباً على طائفة دون أخرى، على طائفة دون أخرى. المهمة: الخلاصة في هذه المسألة، أن المتعة على قسمين: متعة واجبة، ومتعة مستحبة. ما هي المتعة الواجبة؟ المتعة الواجبة: أن تطلق المرأة... ها، ولم تدخل عليها، ولم تفرض لها، لم تفرض لها مهراً. فهنا واجب عليك أن تمتعها، على حسب حالك. وأما المتعة المستحبة: في المطلقة التي دخلت بها، التي دخلت بها. واضح؟ فإذا طلقتها، ليس عليك شيء واجب، ليس عليك شيء واجب. لو ما أعطيتها شيء، ما عليك حرج. لكن من باب حسن العشرة، ومن باب تطيب خاطرها، ومن باب ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، لا بأس أن تعطيها شيئاً، لا بأس أن تعطيها شيئاً، لقول الله عز وجل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. إذن انتهينا الآن من إيش؟ انتهينا الآن من مسألة المتعة في الطلاق، المتعة في الطلاق. وعرفنا أيضاً من تلك المسائل: ما المراد بعدم الدخول عليها؟ وأن الصحيح: عدم الخلوة بها، وإن لم يجامع. هذا هو قول جمهور أهل العلم. والانتهاء الوقت، إن شاء الله نكتفي بهذا، وقول: "ويتقرر الصداق"، هذا نأخذه في الدرس القادم، إن شاء الله تعالى.