الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 147، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن النار باقية لا تفنى مستدلاً بالقرآن والسنة، ويقسم أهل النار إلى كفار مخلدين لا يموتون ولا يحيون، وعصاة من الموحدين يعذبون مؤقتاً ثم يخرجون، ويذكر حديث ذبح الموت بين الجنة والنار دليلاً على بقائهما الأبدي.
يسرد المقطع نداء الخلود في الجنة والنار وتأثيره، ثم يعرض شبهة القائلين بفناء النار مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ويرد أهل السنة بمنهج رد المتشابه إلى المحكم، مستعرضين قولين: الأول أن الاستثناء راجع لعصاة الموحدين وهو الراجح عند السلف وابن جرير، والثاني أنه راجع للمدة السابقة على دخول النار، ويُقاس على ذلك آية الخلود في الجنة.
يؤكد المقطع أن نصوص القرآن والسنة قاطعة بثبوت بقاء الجنة والنار للأبد وعدم فنائهما، ويختتم الدرس بالاكتفاء بهذا القدر من البيان حول خلود الدارين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ عبد الرحمن الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، وفي سياق كلامه على السؤال مئة واثنين وثلاثين، وفي سياق كلامه على بقاء الجنة والنار وأنهما لا يفنيان أو لا تفنيان أبداً، ذكر من أدلة الكتاب، ثم ذكر من أدلة السنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهلها، أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون». والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري. ووجه الشاهد من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «في جميع ما ذكر في هذا اللفظ: أما أهل النار الذين هم أهلها»، أي أن النار لها أهل من أهلها؟ الكفار المخلدون فيها، فلذلك قال: «فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون»، فهو مطابق لقول الله عز وجل فيما تقدم: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وقوله: «الذين هم أهلها»، هذا فيه أن أهل النار قسمان، أن أهل النار قسمان. القسم الأول: هم أهلها، وهم الخالدون فيها، وهم الكفار المشركون المنافقون، فهؤلاء لا يخرجون منها، فهم أهلها الدائمون الباقون فيها. وأما القسم الثاني من أهل النار: هم العصاة الذين هم من أهل التوحيد، لكنهم فعلوا كبائر، دخلوا بها النار دخولاً مؤقتاً، ثم يخرجون منها، ثم يخرجون منها. ولذلك جاء في تمام هذا الحديث: «ولكن أناساً أصابتهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم، فأماتهم فيها إماتة». يعني العصاة كما تقدم معنا أنهم يعذبون في النار حتى يتفحمون فيها، وهم يسمون حممة الجهنميين، ثم يخرجون من النار فيغش عليهم من الماء فينبتون كما سيأتي في الحديث: «كما ينبت حميل السيل الحب». نعم، فهؤلاء هم العصاة، فإن الله سبحانه وتعالى يعذبهم في النار مدة يشاؤها سبحانه وتعالى، ثم إنهم يموتون فيها، حتى إذا صاروا فحماً أمر بهم فأخرجوا ضبائر ضبائر. ومعنى ضبائر: أي جماعات متفرقة. ثم يلقون على أنهار الجنة، ويقال لأهل الجنة: «أفيضوا عليهم»، أي رشوا عليهم من الماء، فيفيضون عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. ومعنى «في حميل السيل»: يعني تكون هذه الحبة محمولة مع السيل، يحملها السيل، فلما ينتهي ماء السيل تبقى في الوادي فتنبت هذه الحبة. فكذلك هؤلاء الذين يخرجون من النار عندما يفاض عليهم من ماء أنهار الجنة ينبتون، يعني يحيون، وكذلك يذهب ما بهم من أثر حرق النار، ثم يدخلون الجنة، ثم يدخلون الجنة. فهذا فيه دليل على أن النار باقية لأن لها أهلاً لا يموتون فيها ولا يحيون. وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت» في رواية: «على صورة كبش»، قال: «حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، يذبح هذا الموت». قال: «ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت». فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم. وفي لفظ: «كل خالد فيما هو فيه». وفي لفظ: «لما ينادي المنادي فيشرئبون». ومعنى يشرئبون: يعني يرفعون أعناقهم ينظرون لخبر، سواء كان أهل الجنة وأهل النار. ثم يقال: هكذا يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، لماذا؟ لأنهم يتيقنون أنهم باقون في سعادة وراحة إلى ما لا نهاية، إلى ما لا نهاية، لأنه لا موت في الجنة ولا موت في النار. إذن ماذا؟ يصير أهل الجنة خالدين فيها أبداً، ويصير أهل النار خالدين فيها أبداً. ولذلك كذلك يزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم، لأنهم يتيقنون أن ما هم فيه من النكال والعذاب لا ينتهي. فهذا دليل على بقاء النار كذلك. قال: «وفي رواية: ثم قرأ». والحديث المتقدم في الصحيحين، حديث ذبح الموت في الصحيحين عن ابن عمر، والرواية: «كل خالد فيها بما هو فيه»، هذا لفظ مسلم. قال: «وفي رواية: وهذه الرواية في الصحيحين عن أبي سعيد، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾». أي والله إنها أعظم حسرة حين يسمع من في النار أن يقال: لا موت، لا موت. فهو لك أن تستشعر، ولك أن تتصور عظيم الحسرة التي يكون عليها أهل النار، والعياذ بالله. فسمي يوم القيامة بيوم الحسرة لكثرة حسرة المفرطين والمقصرين في جنب الله سبحانه وتعالى. قال: «وهي في الصحيح كما تقدم، إما في الصحيحين وفي أحدهما». قال: «وفي ذلك أحاديث غير ما ذكرنا». وهنا شبهة قد ترد على بعضكم، وهذه الشبهة مما يستدل بها القائلين بفناء النار، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. وأيضاً في الآية الأخرى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فهؤلاء يقولون: هذا استثناء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، فإذن يدل هذا الاستثناء على أنهم خالدون إلا المدة التي يشاؤها الله سبحانه وتعالى، وهي حال، وهي حال ما إذا خربت النار وخمدت النار. قالوا: إذن تفنى النار، وكذلك أهلها لا يكونون خالدين فيها. هكذا استدلوا بهاتين الآيتين. وقد ردّ أهل العلم من أهل السنة على هذه الشبهة بعدة أجوبة. الجواب الأول: جواب مجمل، جواب مجمل. وهذا في كل شبهة كما نبه على ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كشف الشبهات"، أن من يرد عليك شبهة أولاً ترد عليه رداً مجملاً، وهو أن كلام الله لا يمكن أن يتناقض، ولا يمكن أن يعارض بعضه بعضاً. فأهل السنة يأخذون بجميع النصوص، فيؤلفون بينها ويجمعون بينها، ويؤمنون بها جميعاً، يؤمنون بها جميعاً. فأهل السنة يؤمنون بالكتاب كله، ويعاملون النصوص معاملة النص الواحد، فيردون المتشابه إلى المحكم، يردون المتشابه إلى المحكم، ويقولون: ﴿كُلٌّ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. هذا أولاً: الرد المجمل. أما الرد المفصل فذكر أهل العلم عدة ردود، أقواها وكذلك أحسنها: الرد الأول: أن هاتين الآيتين الاستثناء فيهما عائد إلى عصاة الموحدين الذين دخلوا النار، يعني الذين شاء الله إخراجهم من النار، فيخرجون من النار، فيعذبون في النار مدة يشاؤها الله سبحانه وتعالى، ثم يخرجون منها، إما بشفاعة الشافعين، وإما بمحض رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى. يعني قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، أي فيمن يدخل النار من عصاة الموحدين. فهذه الآية ليس لها علاقة بالكفار الخالدين في النار الذين لا يخرجون منها. وهذا من أقوى الردود، ولذلك ذهب ورجح هذا القول جماعة من السلف كقتادة والضحاك، ورجح ذلك شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. هذا هو الرد الأول مما رد به أهل العلم على هذه الشبهة. أما الرد الثاني: أن يقال إن هذا الاستثناء راجع إلى المدة التي سبقت دخولهم، سبقت دخولهم النار. يعني قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أو ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، أي أنهم يعني يبقون خارج النار في هذه المدة ما شاء الله، ثم ربنا سبحانه وتعالى يدخلهم النار. هذا معنى هذا الرد: أن الاستثناء راجع إلى المدة التي سبقت دخولهم النار. فهم خالدين فيها، يعني في النار، ما دامت السماوات والأرض، فهي باقية قبل دخولهم النار، قبل دخولهم النار. قيل: هي المدة التي من البعث إلى دخولهم الجنة أو النار، لأنها جاء أيضاً في الجنة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، أي قبل دخولهم إلى الجنة، فإنهم يمتعون بنعيم الجنة بأرواحهم، لكن بأجسادهم فإن الله عز وجل يجعل لهم هذه المدة، فإذا انتهت هذه المدة التي شاءها الله سبحانه وتعالى دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار. فقيل: هذه المدة هي من البعث إلى دخولهم الجنة والنار. وقيل: هذه المدة التي كانوا فيها في البرزخ، يعني حال موتهم. نعم، فأرواح أهل الجنة، أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في سجين، فيعذبون بذلك، وتعرض عليهم مدة يشاؤها الله، ثم بعدما تنتهي هذه المدة يدخلون النار، فيخلد أهل الجنة في الجنة، ويخلد أهل النار في النار. هذا قيل، ورد آخر. والرد الأول هو أقوى، وهو كذلك أحسن. وأما في أهل الجنة فيقال كذلك: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، أي فيمن يخرج من النار، فيمن يخرج من النار، فإنه لا يدخل الجنة من أول أمره، وإنما يمكث مدة في النار يشاؤها الله، ثم بعد ذلك يدخل إلى الجنة، يدخل إلى الجنة. فالقول الأول هو الأقرب والأحسن، والله تعالى أعلم. أي الوجه الأول، والوجه الثاني كذلك أقرب، كذلك فيمن قال به، والله تعالى أعلم. فالخلاصة: أن الأدلة ظاهرة وواضحة في بقاء الجنة والنار، وأنهما لا تفنيان بأدلة كثيرة كما سمعت من الكتاب ومن السنة. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم.