أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 150

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 150

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 150، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أقسام الشفاعة وشروط المثبتة والمنفية

يوضح المقطع مفهوم الشفاعة في يوم القيامة، ويميز بين الشفاعة المثبتة المشروطة بإذن الله ورضاه، والشفاعة المنفية الباطلة. وتبيّن أن الشفاعة المثبتة لا تنفع المشركين بينما المنفية هي الأكثر وروداً في القرآن لدفع التوهمات.

أنواع الشفاعة المنفية واستقلال الشفعاء

يبيّن المقطع أن الشفاعة ملك لله وحده، وأن اعتقاد استقلالية الشفعاء أو شفاعتهم بلا إذن هو شرك. ويستدل بآيات قرآنية ومثال النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يشفع حتى أذن الله محذراً من الخرافات.

الشفاعة المنفية للكفار وموقف أهل السنة

يبيّن المقطع أن شفاعة الكفار منفية إلا شفاعة النبي في عمه أبي طالب لتخفيف العذاب. ويوضح موقف أهل السنة الوسط بين المعتزلة والخوارج والصوفية مشروطاً بالإذن والرضا الإلهيين.

خاتمة مقدمة بحث الشفاعة

يُشير المتحدث إلى أن ما سبق يُعد مقدمة لبحث موضوع الشفاعة بالتفصيل. ثم يعلن الوقف عند هذا الحد مختتماً الحديث بحمد الله والثناء عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأقول: الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال: مئة وأربعة وثلاثون: ما دليل الإيمان بالشفاعة، وممن تكون، ولمن تكون، ومتى تكون؟ انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى موقف آخر من مواقف يوم القيامة، ألا وهي الشفاعة. وموضوع الشفاعة موضوع عظيم، قد ضلت فيه أفهام، وزلت فيه أقدام، وأخطأ كثير من الناس في فهمه. وهذا الخطأ لا شك أنه يؤثر على عقيدة المسلم، فلذلك فهم هذه المسألة فهماً خطأ أدى إلى وقوع كثير من المسلمين في الشرك، والعياذ بالله. والشفاعة هي طلب الخير للغير، أو جلب الخير للغير. وهي المراد بها هنا الشفاعة الأخروية؛ لأن الشفاعة قد تكون في الدنيا، لكن هذه الشفاعة فيما يتعلق بأمور الدنيا فيما يكون بين المخلوقين، ويدل عليها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: 85]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء». فهذا شأنها آخر، وهي جائزة في الدنيا. أما المراد بالشفاعة هاهنا، فالشفاعة التي تكون في يوم القيامة، وهي الشفاعة الأخروية. والشفاعة في القرآن جاءت مثبتة ومنفية، جاءت مثبتة ومنفية. فالمثبتة ضابطها أنها الشفاعة التي تكون بإذن الله عز وجل في من رضي عنه، فهي التي اجتمع فيها شرطان. الشفاعة المثبتة هي التي اجتمع فيها شرطان: الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، فلا يمكن أن يتقدم أحد بالشفاعة بين يدي الله سبحانه وتعالى إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل. أما أن يشفع ابتداء دون أن يأذن الله عز وجل، فهذه من الشفاعة المنفية. فالشفاعة المثبتة أولاً: أن تكون بإذن الله عز وجل. والشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه ممن رضي الله عنه، ليس كل أحد يشفع فيه، وإنما تكون الشفاعة في من رضي الله سبحانه وتعالى عنه. والله إنما يرضى عن أهل التوحيد، ولا يرضى عن أهل الكفر والشرك، فلا تنفع المشرك ولا الكافر الشفاعة يوم القيامة، بقول الله عز وجل: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]. فالمراد بالظلم هاهنا ظلم الشرك، الظلم الذي هو بمعنى الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهذه هي الشفاعة المثبتة التي تكون يوم القيامة. وأما الشفاعة المنفية، فهي الأكثر وروداً وذكراً في القرآن، وقد ذكرت نحو عشرين في عشرين موضعاً في القرآن، وهي أكثر من ذكر الشفاعة المثبتة. وقد ذكر أهل العلم الحكمة في ذلك، وهو أن الشفاعة المنفية هي التي أنكرها كثير من الناس، أو من أجل دفع ما يتوهم الناس فيها مما هو ليس بصواب، مما ليس بصواب. فهذه هي الشفاعة المنفية، ولها ثلاث صور. الشفاعة المنفية لها ثلاث صور: الصورة الأولى: الشفاعة التي تطلب من غير الله. الشفاعة تطلب من غير الله، فيقول المخلوق للمخلوق: اشفع لي. فهذا المخلوق لا يملك الشفاعة، فطلبها من غير الله هذا من الشفاعة المنفية، من الشفاعة المنفية. فمن ظن أن الشافع حر يشفع في من يريد، ويشفع لمن يريد، فهذا قد وقع في الشرك بالله عز وجل؛ لأن هذه الشفاعة لا يملكها إلا الله، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. فلا أحد يملكها، ولا أحد يتصرف فيها إلا كما تقدم: إذا أذن الله سبحانه وتعالى. وهذا الذي أوبق المشركين قديماً وحديثاً، ووقعهم في الشرك العظيم؛ فإنهم يظنون أن الأولياء والصالحين هم الذين يملكون هذه الشفاعة، يملكون هذه الشفاعة، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. ولذلك يتقربون إليهم، يتقربون إلى هؤلاء الذين ظنوا أنهم شفعاء، فذبحوا لهم، وخافوهم، ولجأوا إليهم، واستغاثوا بهم. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]، أي ليشفعوا لنا، ليشفعوا لنا. فاتخذوهم شفعاء، فهذا من معنى جعل الشفاعة لغير الله، وطلب الشفاعة من غير الله. فهذا نوع من أنواع الشفاعة المنفية. وأما الصورة الثانية من صور الشفاعة المنفية: الشفاعة التي يظن أنها تكون بلا إذن من الله. فمن ظن ذلك فقد وقع في الشفاعة المنفية، وهذا من أبطل الباطل، من أبطل الباطل. فهذه من الشفاعة المنفية. فمن انتقاص مقام الربوبية باعتقاد وظن أن الله سبحانه وتعالى... أن الله سبحانه وتعالى يعطي الشفاعة من غير إذنه، فهذا أمر كما تقدم خاص بالله عز وجل، وملك لله سبحانه وتعالى، فلا أحد يستطيع أن يتصرف فيه. فلا أحد يتقدم بالشفاعة حتى يأذن الله عز وجل إذنا كونيا له. مهما بلغ هذا الإنسان من المقام، ومن القرب من الله عز وجل. هذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الرحمن، وهو أفضل الخلق عند الله عز وجل، ومع هذا لما طلبت منه الشفاعة في ذلك المقام العظيم في عرصات يوم القيامة، ما قال لهم: قد شفعت لكم. ذهب وطلب الإذن من الله سبحانه وتعالى، فسجد لله، وأثنى على الله ثناء عظيماً، حتى يأذن الله عز وجل له، فأذن الله سبحانه وتعالى له. فكيف هؤلاء يقولون: إن أولياءنا لهم جاه عند الله، فهم سيشفعون لنا، كأنهم أخذوا الضمانة من هؤلاء أنهم سيشفعون لهم؟ بل بعضهم يقول: نحن من أصحاب الغدفة، يعرفون الغدفة، يعني أن جدهم يأتي بإزار أو بثوب فيغدف، بمعنى يرمي بهذا الثوب، فمن دخل فيه فقد نجى، وصار من أهل الجنة، مثل ما يغدف صياد الشبك في البحر، ها يغدف الشبك فيطلع الصيد فيه. فهذا من طلع، من دخل في هذا الكساء، فهو من أهل الشفاعة، ومن من ينجو من عذاب الله. هذا مسطر في كتبهم. فهذا من أنواع الشفاعة المنفية: أن يظن أن أحداً من الخلق يشفع من غير إذن من الله سبحانه وتعالى. فالشفع اثنان: شافع من بعد إذن الله، وشافع من دونه. وكل النوعين موجودان في القرآن: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. يأذن، لا بد إذن من الإذن. هذا هو الصورة الثانية من صور الشفاعة المنفية. الصورة الثالثة من صور الشفاعة المنفية: الشفاعة التي تطلب للكفار. فالمشرك والكافر ليست له شفاعة يوم القيامة، ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]. وما استثني من ذلك إلا شفاعة واحدة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي ليست شفاعة كاملة، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب، أن يخفف الله عز وجل عنه من العذاب في النار، وليست هذه الشفاعة أن يخرج من النار، وهي خاصة من نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا أحد يشفع في كافر، ولا تقبل الشفاعة في كافر. فمن يدعو من دون الله، ويستغيث بغير الله، فهذا لا تنفعه الشفاعة: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]. وقال عليه الصلاة والسلام: «لكل نبي دعوة مستجابة، وأخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً». انظر إلى هذا القيد: وهي نائلة، أي مصيبة، إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً. فمن أشرك بالله فلا تناله شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا معنى هذا الحديث. وأهل السنة والجماعة وسط في هذه المسألة بين طائفتين: فطائفة أنكرت الشفاعة، وهم المعتزلة والعقلانيون، فإنهم ينكرون الشفاعة، خصوصاً الشفاعة لأهل الكبائر، لأن المعتزلة... لأن المعتزلة يرون أن أهل الكبائر خالدون مخلدون في نار جهنم، ومثلهم الخوارج ينكرون هذه الشفاعة. ومن أجل ذلك ألف شيخنا كتابه الرائع الماتع، وهو "الشفاعة" رداً عليهم. والطائفة الأخرى ممن أثبت الشفاعة من غير خطام ولا زمام، فصار من أهل الإفراط في إثبات الشفاعة، فأثبتها لكل أحد، وغلا فيها، ولو من غير إذن، ولو ممن لم يرضَ الله عز وجل عنه. وهؤلاء الصوفية ومن نحا نحوهم، فإنهم أثبتوا الشفاعة من غير خطام ولا زمام، ولا قيود ولا شروط، فيذكرون من كرامات أوليائهم ما يدل على أنهم يملكون هذه الشفاعة، يملكون هذه الشفاعة. وأهل السنة وسط، جمعوا بين أدلة نفي الشفاعة وأدلة إثباتها، فقالوا: الشفاعة المثبتة تكون بعد إذن الله عز وجل، فيمن رضي الله عز وجل عنه، كما جاء ذلك مقيداً في إثبات الشفاعة في عدة آيات، كما تقدم: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]، ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وغيرها من الآيات التي تدل على إثبات الشفاعة بمثل هذه الشروط. ونفوا الشفاعة التي لم تتصف بهذه الشروط، وهي الشفاعة المنفية الواردة في القرآن، كقول الله عز وجل: ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]، وغيرها من الآيات. فقالوا: هذه الآيات في حق من لم يأذن الله عز وجل الشفاعة فيه، وفي من لم يرضَ الله عز وجل عنه، وهم أهل الشرك والكفر. فهذه المسألة واضحة، بينا، والمؤلف سيوضح ما ذكر من هذه المعاني بياناً واضحاً. وهناك شبه للقوم استدلوا بها على جواز الاستغاثة مطلقاً، وعلى تشبيه الخالق بالمخلوق، لعلنا في الدروس القادمة نتناول شيئاً من هذه الشبه، ويرد عليها بإذن الله سبحانه وتعالى. وأيضاً نتناول ما ذكره المؤلف من أدلة في هذا الباب. هذا كالمقدمة لموضوع الشفاعة، والانتهاء، الوقف، والانتهاء الوقت، فنقف إلى هنا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.