أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 195

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 195

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 195، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم الساحر الذي يتلقى السحر عن الشياطين

بيّن المؤلف أن الساحر الذي يمارس السحر بالتعامل مع الشياطين يعد كافراً لارتكابه أعمالاً كفرية. واستدل بآية البقرة التي برّأت سليمان عليه السلام مؤكدة كفر من يتعامل مع الشياطين.

أدلة كفر السحر من القرآن الكريم وسنة الصحابة

استعرض المقطع أدلة من سورة البقرة تثبت كفر السحر بتعليم الشياطين وتحذير الملكين. كما استدل بفعل عمر بن الخطاب بقتل السحرة مع التفريق بين سحر الشياطين والأدوية.

تفريق بين السحر الكُفري وسحر التخيل وخفة اليد

وضح المقطع أن سحر التخيل وخفة اليد محرم ولا يكفر صاحبه بخلاف سحر الشياطين الذي هو كفر أكبر. واستدل لجواز التخيل بآية يُخَيَّلُ إِلَيْهِ وَتُرك تقدير عقوبته لولي الأمر.

خاتمة الدرس وتلخيص أحكام النوعين

اختتم المتحدث بتلخيص تفصيل أهل العلم بين نوعي السحر وحكم كل منهما. وأعلن الاكتفاء بهذا القدر مع إحالة العلم لله وذكر ترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فقد وقفنا عند السؤال الرابع والسبعين بعد المئة من هذا المؤلف "إعلام السنة المنشورة"، وكان عن حكم السحر والساحر. وقد بيّن في هذا السؤال المؤلف رحمه الله ثلاث مسائل: المسألة الأولى: من حيث تحقق وجود السحر، وقد تقدم هذا في الدرس الماضي، وأن السحر متحقق وجوده وتأثيره، لكن مع مصادفة القدر الكوني كما مر معنا. ثم بيّن مسألة أخرى وهي حكم الساحر، فقال رحمه الله: "وأما الساحر، فإن كان سحره مما يتلقى عن الشياطين كما نصت عليه آية البقرة، فهو كافر". بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وقوله هنا: "وأما الساحر، فإن كان سحره مما يتلقى عن الشياطين، وما يسمى بسحر العقد، وكذلك التعامل مع الجن والشياطين"، لأن هذا النوع من أنواع السحر إنما يكون لالتقاء خبيثين: الخبيث الأول الساحر، فإنه ذو نفس خبيثة، والثاني هم الشياطين، فإنهم ذوات أنفس خبيثة. فتلاقيا وتضامنا بعض أولئك مع بعض، شياطين الإنس وشياطين الجن، فتعاونا واجتمعا، فحصل السحر. والشياطين لا تعين الساحر حتى يتقرب إليها أو يكفر بالله، كما قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. فالشيطان يستمتع بالساحر في أنه يكفر بالله، والساحر هذا يكفر بالله، فيأمره الشيطان بأعمال كفرية: ككتابة القرآن بالنجاسات، أو وضع القرآن في النجاسات، أو ترك الصلوات، أو سب الدين والرب، ونحو ذلك. فلا بد حتى يستجيب الشيطان لهذا الساحر أن يستجيب الساحر لهذا الشيطان. فالشيطان يستمتع بالساحر في كفر هذا الساحر، والساحر يستمتع بالشيطان في أخذ أموال الناس بالباطل. فلذلك لا شك ولا ريب أن هذا النوع من أنواع السحر كفر بالله سبحانه وتعالى، لأن الساحر سيقع في الكفر لا محالة طالما أنه يتعامل مع الشياطين. فلا شك ولا ريب أنهم ما يتركون له حالة حتى يكفر بالله العظيم. فلذلك كان هذا النوع من أنواع السحر من الكفر. واستدل المؤلف بهذه الآية التي في سورة البقرة، ووجه الاستدلال بها من عدة أوجه: الوجه الأول: قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وذلك لأن اليهود زعموا أن سليمان كان يتعاطى السحر، هكذا كانت تظن وتزعم اليهود أن سليمان كان يتعاطى السحر. فبرأه الله من ذلك، فلم يكن كافرًا. لماذا لم يكن كافرًا؟ لأنه لم يكن ساحرًا. فدل ذلك على أن سليمان - وحاشاه من ذلك - لو كان ساحرًا لكان كافرًا. فهذا الاستدلال واضح بهذه الآية. ووجه آخر أيضًا في قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، وماذا قال عقب ذلك؟ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. ومعلوم كما هو عند أهل الأصول أن ذكر الوصف عقب الحكم يشعر بالعلية، يعني يكون هذا الوصف علة للحكم المتقدم. فإذن قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، أي: سبب كفرهم جاء تعليله في الوصف الذي جاء بعد ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. إذن بسبب تعليمهم السحر كفروا. فهذا يدل على أن السحر كفر، إذا كان تعليمه كفر فتعلمه كذلك كفر. فهذا وجه آخر يقال في هذه الآية، فكأن قائل يقول: لم كفر الشياطين؟ فالجواب: لأنهم يعلمون الناس السحر. وجه ثالث أيضًا: قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. أي: بأي شيء يكفر؟ بالسحر. إذن لا تتعاطَ السحر حتى لا تكفر. لا تتعاطَ السحر حتى لا تكفر. فهذا أيضًا وجه آخر، أو وجه ثالث من أوجه الاستدلال بهذه الآية على أن السحر من الكفر. وكذلك الآية التي بعد هذه الآية، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. فقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾، إذن هؤلاء لما تعلموا السحر ما كانوا مؤمنين وما كانوا متقين. نفى الله عز وجل عنهم الإيمان: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. فطالما أنهم كفروا، أو أنهم تعلموا السحر، فليسوا بمؤمنين ولا بمتقين. فهذا أيضًا وجه آخر لكن من الآية التي بعد هذه الآية. فهذه الآية صريحة مع وجود الأدلة الأخرى من عمل السلف الصالح، كما سيأتي معنا، وذلك في قول عمر لما أمر بقتل كل ساحر وساحرة. ومعلوم أن دم المسلم معصوم، فعمر لا يحكم بهذا الحكم إلا وهو متقرر عند الصحابة أن السحر كفر، وأن صاحبه يستحق القتل. فالأدلة ظاهرة وواضحة في كفر السحر. وأما تقييد السحر الذي هو كفر بما يتلقى عن الشياطين، حتى يخرج أهل العلم السحر الذي لا يكون عن طريق الشياطين، وهو ما يكون مثلًا من تعاطي بعض الأدوية أو العقاقير، فتغير من عقل الشارب، فلربما يفعل الشيء ولا يريد أن يفعله بسبب هذه الأدوية أو تلك العقاقير التي يعطاها. وقد ذكر بعض أهل الطب - وهذه فائدة لربما جربها القدماء، الله أعلم - أن مخ الحمار إذا أكل يغير من عقل آكله. فهذا إذا كان في أكل، فكيف بالعقاقير؟ العقاقير يعني الأدوية التي يعقر بها الإنسان، أي تضرب في هذا الإنسان فتغير من تصرفاته. فهذا لا شك أنه ليس بسبب الشياطين. أو كذلك ما يسمى بخفة اليد، بعضهم مثلًا يسحر العقول أو يسحر الأبصار بفعله بعض الحركات السريعة، فيهمك مثلًا أنه خلع يده وهو ما خلعها، لكن يعمل حركة، فما تشعر إلا واليد هذه كأنها قد نزعت وقد قطعت، بحركات سريعة أو بأمور مدروسة يدرسها بعض الناس. فهذا أيضًا من السحر، لكن ما يصل إلى حد الكفر. وفي هذا الفعل فعل السحر، وهو ما يسمى سحر التخيل، ويستدل له بقول الله عز وجل: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. يعني سحر سحرة فرعون كان من هذا القبيل، من قبيل سحر التخيل، من قبيل سحر التخيل. فما حكم هذا السحر بالنسبة للحكم على صاحبه بالكفر؟ فلا، لا يكون صاحبه كافرًا. وعلى هذا يحمل قول من قال من أهل العلم: أن السحر ليس بكافر، يعنون بذلك السحر الذي سحره بغير التعامل مع الشياطين، كهذه الأنواع من أنواع السحر: كخفة اليد، أو تعاطي بعض الأدوية التي تغير من يعني تصرفات الإنسان. فمثلا ربما بعض الأدوية تكون سببًا مثلًا في الميول إلى شخص معين أو إلى جهة معينة، وليس فيه استخدام للشياطين، وإنما فيه استخدام لبعض العقاقير أو الأدوية. فإذا لم يكن فيه استخدام للشياطين، فهذا لا يحكم على صاحبه بالكفر، ولكن ينبغي للحاكم أن يعزر أمثال هؤلاء، أن يعزر أمثال هؤلاء، وإن رأى قتلهم، لأن في هذا خطورة على العقيدة وعلى الدين. هذا خطورة على العقيدة وعلى الدين، لأن في هذا الفعل خلخلة وزعزعة لعقائد الناس، لعقائد الناس، وأن هذا الساحر يفعل ما يفعله رب العالمين. فلربما يعني رد اليد إلى مكانها بعد أن خلعها، وهذا يكون بالتخيل. فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، أمر محرم، أمر محرم، لكن ما يصل إلى حد الكفر. وأما حكم هذا فيرجع إلى ولي الأمر، فيعزره بما يرى. فإذن نفرق بين السحر الذي يتلقى عن الشياطين، فهذا حكمه أن صاحبه كافر، لهذه الآية ولغيرها من الأدلة والتعليل. لأنه هنا أيضًا ذكر المؤلف تعليل الكفر: ما هو تعليل الكفر؟ لأن هذا يتلقى عن الشياطين، والشيطان كما تقدم لا يجعل هذا الساحر يتعاطى هذه المهنة إلا بعد أن يكفر بالله، بعد أن يكفر بالله سبحانه وتعالى. وهذا أمر مشاهد: كم من ساحر إما أنه تاب ثم بعد ذلك بين ما يفعله الشياطين بالسحرة، وإما أنه قبض عليه واكتشف أمره فاعترف بقوة السلاح وقوة السلطان بأشياء يفعلها الشيطان أو يأمره الشيطان بها، أشياء كفرية والعياذ بالله. فهذا أمر كذلك يؤكد أن هذا النوع من أنواع السحر لا شك أنه كفر بالله سبحانه وتعالى. وأما السحر الذي لا يتعامل فيه مع الشياطين، فهذا محرم ولا يجوز، لكن ما يصل إلى حد الكفر، ما يصل إلى حد الكفر. هذه هي خلاصة ما ذكر أهل العلم في التفصيل بين هذين النوعين وحكم كل واحد منهما. نكتفي بهذا اليوم إلى هنا، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر.