الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع حديث ابن مسعود أن الصدق يهدي إلى البر والبر إلى الجنة، بينما الكذب يؤدي إلى الفجور والنار. ويبين أن المداومة على الصدق ترفع العبد إلى مرتبة الصديقين التي تلي الأنبياء، مستشهداً بأبي بكر ومريم عليهما السلام.
يسرد المقطع كيف صدق أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الإسراء والمعراج فاستحق لقب الصديق. ويؤكد أن الصدق من أعمال الذين أنعم الله عليهم، بينما الكذب يكتب صاحبه كذاباً عند الله ويؤدي إلى النار.
يستعرض المقطع صوراً متعددة للكذب كالكذب للمزاح، وادعاء الرؤيا الكاذبة، والتمثيليات المخالفة للواقع، وسوء استغلال حديث الإصلاح، والكذب على الأطفال، واليمين الغموس، ونقل الأخبار دون تثبت. ويؤكد تحريم الكذب بكل صوره ويحذر من المشاركة في نشر الأكاذيب.
يؤكد المقطع أمر الله بالتحقق من الأخبار قبل تصديقها ونقلها مستشهداً بآية التبين. ويحذر من الأخذ بالأخبار على عواهنها مما قد يوقع الظلم بالآخرين ويؤدي إلى الندم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب الصدق، الحديث الأول: عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا». وفي لفظ: «عليكم بالصدق، وإياكم والكذب». وفي لفظ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا»، وهكذا: «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». فقوله: «عليكم بالصدق» أي: إلزموا الصدق. وقد تقدم معنا أن الصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد يكون بالقول، وقد يكون بالأركان أي بالفعل. فالصدق في القول هو مطابقة الخبر للواقع، فهذا باللسان. وبالأركان: مطابقة أعمال الجوارح لما في القلب، كأن يكون عمله موافقا لما في قلبه، فهذا هو الصدق. فقوله: «عليكم بالصدق» أي: إلزموا الصدق. ثم قال: «فإن الصدق يهدي إلى البر». البر هو كثرة الخير، كثرة الخير. ولذلك من أسماء الله عز وجل البر، أي: كثير البر والإحسان عز وجل إلى خلقه. فالبر هو كثرة الخير، كثرة الخير. والبر هو من نتائج الصدق، فالصادق يكون برا تقيا لأنه يخاف الله سبحانه وتعالى، فلا يخبر إلا بالصدق، فلا يخبر إلا بالصدق. هذه نتيجة الصدق. ثم بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن كذلك نتيجة البر أنه يهدي إلى الجنة. ومعنى «يهدي إلى الجنة» يعني: طريق وسبيل إلى الجنة. فبره يهديه إلى الجنة، والجنة حولها ندند، فهي غاية كل مطلب، فهي غاية كل مطلب. ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة وأن يستعيذ به من النار، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وقوله: «وإن الرجل» أو «ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». الصديق مرتبة علية من مراتب درجات الخلق. فأول مرتبة من المراتب الذين أنعم الله عليهم هم الأنبياء، ثم بعدهم الصديقون، كما قال الله عز وجل في سورة النساء: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. قال: من النبيين، ثم ماذا قال بعد ذلك؟ والصديقين. فمرتبة الصديقين بعد مرتبة النبوة، فهذا يدلك على عظم هذه المرتبة. فيا سعادة المرء حين يكتب عند الله صديقا، يكتب عند الله سبحانه وتعالى صديقا. وهذه الصديقية لا يختص بها الرجال، كذلك قد تكون للنساء، كما قال الله عز وجل: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. ولماذا سُمّي الصديق بهذا الاسم؟ لأنه صادق، وكذلك قابل لقول الصادق وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فلقب بالصديق. فأول من أسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر الصديق، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يحصل من أبي بكر تردد ولا توقف في قبوله للإسلام، بمجرد أن دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فصدق بهذا الخبر وقبل هذا الإسلام. وكذلك صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه عندما أخبرهم بحادثة الإسراء والمعراج، فقالوا: أي قومه، قالوا له: كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة، ثم تقول إنك صعدت إلى السماء، ونحن نضرب الليالي والأيام حتى نصل إلى بيت المقدس؟ فأصبحوا يتضاحكون، وجاءوا إلى أبي بكر الصديق وقالوا: أما علمت ما يزعم صاحبك؟ يعنون النبي عليه الصلاة والسلام. فقال لهم: ماذا قال صاحبي؟ قالوا: إنه يقول كذا وكذا. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «إن كان قد قال ذلك فقد صدق، إن كان قد قال ذلك فقد صدق». فمنذ ذلك اليوم لُقّب وسُمّي بالصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأنت كل يوم تدعو في صلاتك: «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم». صراط الذين أنعمت عليهم، من هم الذين أنعم الله عليهم؟ النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. فكن من هؤلاء، واعمل لأعمالهم. ومن أعمال هؤلاء: الصدق، الصدق، وكذلك الصلاح، والتحدث بالشهادة. كل هذا، كل هؤلاء ممن أنعم الله عز وجل عليهم. ثم قال: «وإياكم والكذب». «إياكم» يعني: احذروا الكذب. والكذب عكس الصدق، أي: الإخبار بما يخالف الواقع. قال لك إنسان: أين فلان؟ أنت تعرف أن فلان في البيت، قلت له: فلان في العمل. هذا كذب لأنه يخالف الواقع، الواقع أن فلان في البيت ليس في العمل. هذا يسمى الكذب بالقول. وأما الكذب بالقلب: فكمن يزعم الصلاح والإسلام ويبطن الكفر والنفاق في قلبه، وإنما يظهر ذلك حتى يعصم دمه وماله وعرضه. أو يصلي في الظاهر أنه يصلي لله، ولكن يصلي رياء حتى يراه الناس، أو يصلي لمقصد دنيوي، كأن يرجو أن يقبل في خطبة نكاح حتى يقال: إن فلان يصلي الآن، ما شاء الله أصبح صالحا، صالحا، صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام. هذا كذب، هذا كذاب في فعله، لأنه ما أراد حقيقة الصلاة وإنما له مآرب أخرى. فهذا هو الكذب في الأركان أي في الأفعال. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور». الفجور هو الخروج عن طاعة الله، الفجور هو الخروج عن طاعة الله. لأن الكذاب خرج عن طاعة الله، فالله عز وجل أمر بالصدق وحرم الكذب، وهذا ترك الصدق وفعل الكذب، فهو قد فجر، أي: خرج عن طاعة الله عز وجل. فالفجور يهدي إلى... أو الكذب يهدي إلى الفجور، يهدي إلى الفجور. وأعظم الفجور الكفر، أعظم الفجور الكفر. وقد يكون الفجور بالمعصية. قال الله عز وجل عن الكفر: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ الْفَجَرَةُ﴾، وقال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. فالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يكون بالكذب وبالمعاصي وبالنفاق وبالكفر ونحو ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الرجل لا يكذب». وفي لفظه: «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». الكذب من الأمور المحرمة، بل أوصل بعض أهل العلم الكذب إلى درجة الكبائر، أن الكذب من كبائر الذنوب. لماذا؟ لأن فيه وعيد. والقاعدة في ضابط الكبيرة: ما كان فيها وعيد بنار أو بعذاب أو بحد أو بلعنة أو نحو ذلك. فهذا فيه وعيد، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». فتوعده بأن يكتب عند الله كذابا، ومن كتب عند الله كذابا فقد توعده بالعذاب الأليم. ولذا قال: «يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار». فهو متوعد، والعياذ بالله، بالنار. والكذب له صور كثيرة، قد يتساهل بعض الناس فيها. فمن صور الكذب: ما يفعله بعض الناس بإضحاك الناس بالكذب، هذا لا يجوز. تأتي بكلام مضحك لكنه ملفق كذب، ليس له واقع وليس له حقيقة، فهذا يدخل في معنى الكذب. وهكذا من أنواع الكذب: أن ينام ثم يقوم ويقول: رأيت في المنام كذا وكذا، وهو يكذب. فهذا أيضا صورة من صور الكذب. من صور الكذب: ما يكون في التمثيليات وما يكون في الأفلام، هذا خلاف الواقع. وأما ما يستدل به بعض من يجيز التمثيليات التي تهدف في زعمهم، والتي تعالج الواقع ولو كان بالكذب، بحديث أم كلثوم بنت عقبة أنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا». فهذا يحمل على الإصلاح بين الناس، ليس على مثل هذه التمثيليات. الإصلاح بين الناس: تصلح بين اثنين، تصلح بين جماعتين، فلا بأس أن تأتي بكلام ولو كان ليس له حقيقة أو ليس مطابقا للواقع، لكن من أجل أن تتآلف القلوب ومن أجل أن يتحقق الصلح، فهذا لا بأس به لهذا المقصد. أما أن يعلم الناس جميعا أن هذا كذب، تأتي بتمثيليات، ربما بعضهم يمثل بامرأة، أو بعضهم يمثل أن فلان طبيب، أو أن فلان عالم، وهو ليس بطبيب وليس بعالم، والناس يعرفون ذلك. فهذا كذب، ما فيه مصلحة، وما فيه كذلك إصلاح، ما فيه إصلاح، وإنما فيه كذب صراح. فلو أردت أن تعالج قضية أو مشكلة، عندك الطرق الشرعية: عندك المنابر، عندك المساجد، عندك الكتابة، الرسائل، وسائل التواصل. تريد تعالج مشكلة؟ انشر هذا المقال. أما بهذه الطرق، فهذه الطرق ليست بمشروعة لما فيها من الكذب الصراح، ولما فيها من عدم ظهور المصلحة والنفع ونحو ذلك. فالكذب له صور كثيرة، يحذر المسلم. حتى الكذب على الأطفال لا يجوز. تقول للطفل: تعال سأعطيك حلاوة، أو سأعطيك مالا، ثم يأتيك الطفل ولا تعطيه شيئا، وإنما تريد أن يأتي إليك بهذه الحيلة. هذا يعد من الكذب، وهذا فيه تعليم هذا الطفل على الكذب، يترسخ في ذهنه وفي قلبه أن هذا الفعل ليس فيه شيء، لأن أباه أو أمه أو أخاه هو الذي فعل ذلك. فلا ينبغي أن يستخدم ذلك مع أي أحد، ومن باب أولى كذلك مع الأطفال، لأنها مرحلة ماذا؟ مرحلة تربية. وأشد شيء في الكذب: أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس. هذا أشد، فيحلف كذبا وزورا، وهي ما تسمى باليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف على يمين صبر هو فيها فاجر» يعني كاذب، «ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان». فالحاصل أن الكذب حرام، ولا يجوز للإنسان أن يكذب. ومن صور الكذب أيضا: نقل الكذب. هو ما يعني: ابتدأ بالكذب، لكن قرأ مقالا أو سمع كلاما فنقله، قال: وقع كذا وكذا. فلما قيل له: هذا كذب، قال: ما أنا إلا ناقل. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع». لا تحدث بكل ما تسمع، ولا تنشر كل ما تقرأ. لا تثبت، تثبت في الأقوال، لأنك الآن أنت ستشارك في هذا الكذب، وستعين على نشر هذا الكذب، وإن لم تنشأ أنت هذا الكذب وتبتد به، لكنك أعنت عليه، وكنت سببا في الفساد بسبب هذا الكذب. فلا يجوز. بعض الناس مثلا ينشر كذبا ثم يقول: منقول. أيش الفائدة؟ أنت الآن نقلت أيضا، أنت ناقل، أنت ناقل، إذن أنت مشارك في نشر الأكاذيب. هل تحب هذا أن تكون مشاركا في نشر الأكاذيب؟ فانتبهوا. ليس كل ما ينشر... ليس كل ما يقال يعني ينشر، وكذلك يذاع. والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فأمرنا الله عز وجل بالتثبت في النقل، والتثبت في التصديق، تصديق الأخبار، ولا نأخذها على عواهنها وببجرها وعجرها، وإنما نتثبت فيها. هذا ما تيسر ذكره عند هذا الحديث. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى شكرا.