المحاضرة بعنوان الغفلة أسبابها وعلاجها، وكانت بمسجد باخليفة بالخور ٢٧ محرم ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحدد الخطيب الغفلة بأنها سهو عما يجب تذكره، محذراً من كونها مصيبة عظمى تؤدي لهلاك الأمم. ويستعرض أسبابها الجذرية كالانقطاع عن ذكر الموت، والإقبال على الدنيا، والركون إليها.
يؤكد المتحدث أن تذكر الموت والآخرة والوقوف بين يدي الله هو أنجع علاج لإزالة الغفلة عن القلوب. وينبه إلى ضرورة استحضار اليوم الآخر وأهواله باستمرار لأن الغفلة عنه من أعظم المخاطر.
يبيّن المقطع أن العلاج يكمن في الإكثار من ذكر الله، والمداومة على تلاوة القرآن بتدبر لا مجرد سرعة لفظية. كما يؤكد أن مجالس العلم والذكر هي علاج للقلوب ومصدر للسكينة والرحمة.
يحذر المقطع من الغفلة بوصفها مرضاً خفياً يبعد القلب عن الله، ويقلل أجر العبادات كصلاة ودعاء، ويمنع إجابة الدعاء. مستدلاً بأقوال ابن تيمية وابن القيم على خطورتها الدنيوية والأخروية.
يحذر من مجالس اللهو واللغو التي تبعد عن ذكر الله وتورث الحسرة يوم القيامة. مشددًا على العناية بالقلب لأنه محل نظر الله، ومبيّناً أن الإعراض عن مجالس العلم يؤدي إلى قسوة القلب والغفلة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فالغفلة أيها المسلمون عباد الله، فسرها العلماء في اللغة بأنها سهو عن الشيء، فتقول: غفلت عنك، أي سهوت عنك. وعرفها الإمام المناوي رحمه الله بأنها فقد الشعور عما حقه أن يشعر، فقد الشعور فيما حقه أن يشعر. فهذه هي الغفلة: أن تغفل عن ما يجب أن تذكره. ولذلك فإن الشخص إذا غفل عن نفسه أو عن ماله أو عن تجارته أو عن بيته، يلومه اللائمون ويعاتبه المعاتبون، ويبرز له الناصحون؛ لأنه غفل عن شيء لا ينبغي له أن يغفل عنه لأن به ضياعه. ألا فعلموا أيها المسلمون أن المصيبة العظمى والداهية الأطم أن يغفل المسلم عن ربه سبحانه وتعالى، أن يغفل عن دينه، أن يغفل عن صلاته، عن ذكره لله، أن يغفل عن قراءته للقرآن، عن تربيته لأولاده. هذه هي المصيبة العظمى والطامة الكبرى التي ينبغي للمسلمين أن يحاسب نفسه عليها، والذي ينبغي للمسلمين أن يعاتبوا بعضهم بعضًا عليه، وأن يناصحوا بعضهم بعضًا عليه. ولذلك نهى ربنا عز وجل نبيه عن الغفلة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، ولا تكن من الغافلين. وهذا النهي نهي للأمة جميعًا. وكذلك نهى ربنا عز وجل من اعتنى بأمور الدنيا أن يغفل عن أمور الآخرة، فقال عز وجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. وكذلك حذر ربنا عز وجل من الغفلة في آيات كثيرة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، إن الغفلة سبب لهلاك الأخيار والأمم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. انتقم الله عز وجل منهم لأنه أرسل إليهم الآيات الواضحات البينات فأعرضوا عنها وغفلوا عنها، فكانت هذه العاقبة. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. فالله الله عز وجل ينزل علينا الآيات وينزل علينا العبر والدلالات لنعتبر ونبتعد عن الغفلة. أيها المسلمون عباد الله، إن الغفلة لها أسباب كثيرة ينبغي للمسلم أن يتجنبها حتى يسلم من هذا الداء العضال، ألا وهو داء الغفلة. فمن أعظم أسباب الغفلة الانقطاع عن كثرة زيارة القبور وعن تذكر الموت والآخرة. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. إذا زرتم المقابر تذكرتم ذلك، وأما في هذه الدنيا فإنكم منشغلون بجمع الأموال وبهذه الدنيا فألهكم عن تذكر هذا المصير الذي يصير إليه كل إنسان. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي ويصححه العلامة الألباني: «أكثروا ذكر هادم اللذات»، أكثروا تذكروا الموت، فإنه من أعظم الأسباب التي به تزال الغفلة عن القلوب. إذا علم المسلم أن الموت سيفاجئه في كل لحظة، في كل لحظة، هل سيغفل عما ينفعه في آخرته من التزود بالأعمال الصالحة؟ لو قيل لك يا عبد الله: ما بقي من حياتك إلا ساعة واحدة ثم ستموت، هل ستنشغل للدنيا؟ هل ستغفل عن ذكر الله؟ هل ستغفل عن طاعة الله؟ فلماذا لا يكون هذا الشعور ملازمًا لنا في كل لحظة؟ نتذكر هذا الموت فيبعدنا عن الغفلة. ولذلك حث نبينا عليه الصلاة والسلام على زيارة القبور بأنها تذكر الموت، كما في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». زيارة القبور مشروعة، لكن الزيارة الشرعية لا الشركية أو البدعية. الزيارة الشرعية أن تزور القبور لا في زمن معين ولا في يوم معين تخصصه من أيام أسبوعك أو من أيام شهرك أو من أيام سنتك، وإنما تزور القبور متى ما شعرت بغفلة وقسوة، فهذه زيارة شرعية يكون الغرض منها انتفاعك بها وكذلك انتفاع الميت، وذلك بالدعاء له لا بدعائه والاستغاثة له. تزور هذه القبور تسلم على أهلها: «السلام عليكم أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». تدعو لهم، وهكذا تتذكر الموت وأنه في يوم من الأيام ستكون مكانهم، وستكون في هذه الحفرة التي هم فيها، فهم الآن مرزوقون بأعمالهم، وأنك ستكون مثلهم. تذكر الموت، فإن هذا من أعظم أسباب زوال الغفلة عن القلوب. وكذلك أيها المسلمون عباد الله، تذكر اليوم الآخر وما فيه من الأهوال وما فيه من الأمور العظام، تذكر الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى. هل أحد منا في يوم أو في ليلته قرأ القرآن فمر على آيات الآخرة التي فيها وصف لذلك اليوم العظيم؟ هل وقف عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾؟ من تذكر هذه الآية هل سيعمل السوء إذا علم أنه يتمنى يوم القيامة أن يكون بينه وبين هذه السيئات مسافة بعيدة؟ كيف له في هذه الدنيا يقترف هذه السيئات؟ تذكر الآخرة، تذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل يوم يُعطى الناس كتبهم، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه ومنهم من يأخذ كتابه بشماله. تذكر قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. نعم، تيقن أنه ملاق حسابه فعمل الأعمال الصالحة وأزال الغفلة عن قلبه. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. تذكر هذه الآيات، أتحب أن تكون من هذا الصنف؟ فوالله إن هذا التذكر لمن أعظم الأسباب في زوال الغفلة من القلوب. لما غفلنا عن ذلك اليوم وسهونا عنه واشتغلنا بغيره كانت الغفلة على القلوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون عباد الله، ومن أسباب الغفلة كذلك الإقبال على الدنيا، الإقبال على الدنيا وعلى ملذاتها وشهواتها. وقد بين ربنا عز وجل أن الدنيا من أعظم أسباب الغفلة، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، والذين هم عن آياتنا غافلون. فما وجه الربط بين هؤلاء الذين ركنوا إلى الدنيا وبين ذكر الغفلة؟ لأن الركون إلى الدنيا سبب لغفلة القلوب، سبب لغفلة القلوب. ولذلك جاء عند الترمذي من حديث ابن عباس، وأصححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «من سكن البادية جفا، ومن تتبع الصيد غفل». قال العلماء: المراد بالصيد هنا صيد البر، ولا يمنع أن يدخل في ذلك فكل من أشغل عن ذكر الله عز وجل فكان سببًا للغفلة كان سببًا للغفلة. تتبع الصيد: أي ذهب في البوادي في الجبال في السهول يتتبع الصيد، وهكذا يصطاد الصيد، فيكون هذا الانشغال سببًا لغفلته، سببًا يكون هذا التتبع سببًا لغفلته. وقال عليه الصلاة والسلام: «ومن تتبع الصيد غفل»، يعني انشغل به عن ذكر الله وعن طاعة الله سبحانه وتعالى. فيقاس على ذلك كل ما أشغل عن ذكر الله فإنه يسبب الغفلة في القلوب، يسبب الغفلة في القلوب. وهذا هو حال الناس اليوم، انظر كم من إنسان منهك في أمر دنيا، مستعد أن يضيع صلاة الجماعة من أجل هذه الدنيا، يغفل عن قراءة القرآن، عن التسبيح والتهليل والتحميد من أجل هذه الدنيا، يغفل عن طلب العلم، عن مجالس الذكر من أجل هذه الدنيا. تدعوه: أنا مشغول، مشغول، إلى متى أيها الإخوة ونحن مشغولون إلى أن يأتي الأجل؟ ما هذه الغفلة أيها المسلمون؟ ينبغي علينا أن نتفقد أنفسنا، وينبغي علينا أن نحذر من هذه الدنيا أن تجرنا وأن تفتننا. وقد حذرنا الله عز وجل من ذلك فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. لا تشغلكم هذه الدنيا عن ذكر الله، عن إقام الصلاة، عن كذلك أداء الواجبات، لا تشغلكم هذه الدنيا فتغفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيها المسلمون عباد الله، من أسباب الغفلة الانقطاع عن ذكر الله سبحانه وتعالى، سواء كان قراءة القرآن أو ذكر الله عز وجل بالتسبيح والتهليل والتحميد والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأذكار الشرعية. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. إذا أردت أن تقترب من ربك فأكثر من ذكره. يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في الوابل الصيب، يقول رحمه الله تعالى: «بقدر ما بعد العبد عن ذكر الله سبحانه وتعالى، بقدر ما بعد عن الله عز وجل». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام وهو يبين لنا أن ذكر الله من أعظم الأسباب في إزالة غفلة القلب، في إزالة غفلة القلب، كما في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين». ذكر الجماعات المراد به الصلوات، والله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فمن أعظم الذكر أيها المسلمون أن يحرص المسلم على المحافظة على الصلوات، المحافظة على الصلوات أن يصليها بخشوع وتدبر، لا ينقرها نقرًا. كثير من الناس عنده الصلاة مثل الواجب اليومي، المهم أنه يتخلص منه من هذا الواجب اليومي، فينقر، ينقر الصلاة نقرًا، لا خشوع، لا طمأنينة، لا حضور، وإنما ينقرها نقرًا، فكيف لا يغفل قلبه؟ فإذن أيها المسلمون عباد الله، نكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، سواء كان من المحافظة على الصلوات أو من المحافظة على كذلك قراءة القرآن، فإنه من الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. كيف لا يغفل من يمر عليه يوم لا يقرأ فيه القرآن؟ يمر عليه يوم لا يقرأ فيه القرآن، كيف سيكون قلبه؟ القرآن شفاء القلوب. الصحابة عاتبهم ربهم سبحانه وتعالى بعد إسلامهم ونزول هذه الآية بأربع سنين، كما في حديث ابن مسعود، في قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين نزول هذه الآية إلا أربع سنين. عاتبهم الله بهذه الآية: لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، تركوا الكتاب الذي أنزل عليهم فهجروه. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. هجر القرآن يكون بترك تلاوته وتدبره والعمل به والاستشفاء به، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فلا نغفل أيها المسلمون عباد الله عن قراءة القرآن، أن يكون لنا ورد يومي نجلس فيه مع كتاب الله، نجلس فيه مع كتاب الله، فإنه من أعظم أسباب زوال الغفلة. هذا الكتاب الذي يذكرك بالله، يذكرك باليوم الآخر، يذكرك بالجنة والنار، يذكرك بمآل المتقين ومآل الكفار المجرمين، يذكرك بكل خير ويحذرك من كل شر، كيف لا يبعد عنك الغفلة وفيه تلك المواعظ العظيمة التي لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، كما قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فاحرصوا أيها المسلمون على الاعتناء بالقرآن تلاوة وحفظًا وتدبرًا واستشفاءً، ففيه الشفاء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فاحرصوا أيها المسلمون على تلاوة القرآن وتدبر القرآن، فإنه من أعظم أسباب إزالة الغفلة من القلوب. وكذلك أيها المسلمون عباد الله، من أسباب الغفلة الانقطاع عن مجالس العلم وعن مجالس الذكر. ودليل ذلك قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا. فإذن، اصبر نفسك مع أهل العلم، أهل الذكر، مجالس العلم، فإنك تستفيد فوائد عظيمة منها، ومن أعظمها التغلب على داء الغفلة، التغلب على داء الغفلة. ولذلك حث ربنا نبيه أن يجلس مع أصحابه الذين انشرحت صدورهم لذكر الله، ويحذر من مجالسة أهل الغفلة، أهل الكلام الذي يقسي القلب ويبعد القلب عن الله سبحانه وتعالى. ولذلك هذه المجالس كونها سببًا لزوال الغفلة من عدة أوجه: أولاً، هذه المجالس تذكرك بالله، تذكرك بالله. مثل هذا المجلس، هذا المجلس فيه علاج لداء عضال استشرى أمره في هذه الأمة وهو الغفلة، لا شك أن من جلس في هذا المجلس سيعرف هذا الداء وسيعرف أسبابه وسيعرف علاجه، فينتفع من هذا المجلس ومن غيره انتفاعًا عظيمًا. وهكذا مجالس أهل العلم تعالج الأمراض المستشرية في المجتمع، سواء كان هذا المرض أو غيره من الأمراض. فأنت بجلوسك في مجالس العلم تعالج نفسك، مثل ما يكون عندك مرض في جسمك، في جسدك، تذهب إلى الطبيب. طبيب الأجساد والقلوب لا بد لها من طبيب، وطبيب القلوب هم أهل العلم، وهي مجالس العلم والذكر. هذه هي مجالس علاج القلوب، مجالس الذكر ومجالس العلم. فإذا عرضت عنها كما هو حال كثير من الناس، مستعد أن يجلس في مقهى الساعات الكثيرة، مستعد أن يجلس في شارع الساعات الكثيرة، مستعد أن يجلس أمام التلفاز أو الجوال الساعات الطويلة، لكن إن دعوته إلى مجلس علم تبرم واعتذر، وربما أتى بالأعذار الكثيرة. فالشاهد من ذلك أن هذه المجالس هي مجالس علاج القلوب، علاج القلوب، فلا غنى للمسلم عنها. ليست المحاضرات فحسب، بل كذلك الدروس العلمية: دروس التوحيد، دروس العقيدة، دروس كذلك الأخلاق والآداب، دروس الفقه، كل ذلك مما يعالج القلوب، يعالج القلوب. هذا وجه. ووجه آخر: إن هذه المجالس مجالس الرحمة والسكينة، كما في حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». تجد الفرق والبون الشاسع بين من يجلس بمجالس العلم وبين من ينفر من مجالس العلم، في انشراح الصدر، في ازدياد الإيمان، في الإقبال على العبادة، الإقبال على الله عز وجل، لأن هذه المجالس تنعش القلوب، تنعش القلوب. فاحرصوا عليها أيها المسلمون عباد الله، فإنها والله من أعظم الأسباب في سعادتكم، وفي كذلك انشراح صدوركم، وفي كذلك رفع الجهل عنكم، رفع الجهل عنكم. فأنت تسمع في هذه المجالس الأدلة الكثيرة في تحريم ما حرم الله، وفي تحليل ما أحل الله، تعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، فهذه من أسباب زوال الغفلة. وكذلك من أسباب زوال الغفلة أن تحذر من مجالس أهل الغفلة، المجالس الذي لا يذكر فيها الله، احذر منها، فإنها والله حسرة وندامة على أهلها، كما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي أو عند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «ما جلس قوم مجلسًا ثم يقومون منه ولا يذكرون الله إلا كان عليهم ترة». ما معنى ترة؟ يعني حسرة وندامة. وتكملة الحديث: «وما مشى رجل في طريق لا يذكر الله فيها إلا كان عليه حسرة». يتحسر يوم القيامة أنه ما ذكر الله في هذا المجلس، أو ما ذكر الله في هذا الانتظار، أو ما ذكر الله في هذا الفراغ الذي أنعم الله عز وجل به عليه. وقد سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. احذر أن تجلس مجالس اللهو واللغو واللعب، فإنها تصد عن ذكر الله، تصد عن ذكر الله، وتزيد من الغفلة، تزيد من الغفلة. فاحرصوا أيها المسلمون على مجالسة أهل الذكر وأهل الخير وأهل الصلاة، تحيا قلوبكم وتزداد إيمانًا مع إيمانها. ولا أحب أن أطيل عليكم، فكما هو معلوم أنه معنا في هذا المجلس وفي هذه المحاضرة أخ فاضل من إخواننا، ألا وهو أبو هاشم، حفظه الله تعالى، فليتفضل مشكورًا مأجورًا، وجزاكم الله خيرًا. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، بادئ ذي بدء نتوجه إلى أهل هذا المسجد عام وللقائمين عليه خاصة لإتاحة الفرصة بإقامة مثل هذه المحاضرات وهذه الكلمات التي الناس بحاجة إليها، وخاصة ونحن في زمن الفتنة والغفلة، فجزى الله خيرًا كل من ساهم وساعد وأعان وأتاح لإقامة مثل هذه الكلمات، وأسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وأيضًا من شارك بالحضور والوفود، فجزى الله جميعهم خيرًا، وأسأل الله عز وجل أن ما بذلوه وما قدموه وقدموه من خطوات للمضي إلى هذا المسجد لتكثير سواد أهل السنة، ويجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وأوجه بالشكر أيضًا إلى أخينا الفاضل أبي عبد الرحمن سعد على مقدمته وعلى ترحيبه بإخوانه، وهكذا الشكر واصل لأخينا الفاضل أبي معاذ، حفظه الله تعالى ورعاه، الذي طرق هذا الباب والذي جاء على مجمل ما يتعلق بهذا الموضوع المهم. وهذا الموضوع إخواني في الله، موضوع الغفلة، من المواضيع التي حقها أن تطرق بين الفينة والأخرى، وبعد فترة وبعد فترة، وذلك لأهميته. وتكمن إخواني في الله أهمية هذا الموضوع، موضوع الغفلة، من عدة أوجه: أولاها أن هذا المرض إخواني في الله يفتك بالقلب، يعتري القلب، كما مر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، فالغفلة تنطبع على القلب أول ما تنطبع. والقلب إخواني في الله من الأعضاء العظيمة، إذ أنها محل نظر الرب، الرب عز وجل كما جاء في صحيح مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». نظر الرب سبحانه وتعالى على القلب، على قلب العبد. القلب إخواني في الله الذي بصلاحه تصلح الأجساد، تصلح الأبدان، كما جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». القلب إخواني في الله هو المحط وهو المأوى لأمهات العبادات: اليقين، الاعتقاد، الخشية، الرغبة، الرهبة، التوكل، محبة العظيم، وأمهات الطاعات مكمنها هو القلب. فينبغي إخواني في الله أن نعتني بقلوبنا، نعتني بقلوبنا، وأن لا تبتلى بهذا المرض. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والقلوب تصدأ بأمرين». الصدأ إخواني في الله ليس فقط في الحديد والمعدن، الصدأ يأتي كذلك على القلب، القلب يغشاه الصدأ. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وصدأ القلوب بأمرين: بالغفلة والذنب، بالغفلة والذنب». فكلما زادت غفلة العبد كلما ازدادت قسوة القلب، تزداد قسوته. والعبد إخواني في الله إنما يدخل على ربه بقلبه، إنما أنت بقلبك، يوم ما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. احذر يا عبد الله من الغفلة، هنا تكمن الخطورة. الأمر الثاني إخواني في الله مما يدلك على خطورة هذا المرض أن هذا المرض من الأمراض الخفية، تخفى معالمه، لا تضح عند كثير من الناس. بدليل: من هذا الذي يعترف منا أنه غافل أو أنه على غفلة؟ نعم يوجد بعض الناس من يتنبه لهذا المرض أنه قد دب فيه، لكن الكثير من الخلق ما يعترف ولا يقر بأنهم من الغافلين. لو ربما يمر على عنوان المحاضرة "الغفلة"، دعا أصحاب الغفلة يحضرون، الحمد لله صاحب وأنا غافل، وهو بأم رأسه من أهل الغفلة، وما إعراضه وإعراضه إلا غفلة عن ذكر الله عز وجل. فهذا إخواني فيه من المرض الذي تخفى معالمه، لا تضح عند كثير من الناس، لكن بالتعلم يا عباد الله تعرف ما هي ملامحه، ما هي أعراضه، ما هي مؤشراته، حتى تعترف أنك يا عبد الله قد أصبت به، حين تستطيع أن تأتي بالعلاج إذا اعترفت أنك مصاب به أصلًا. النظر الثاني وهو الثالث: خطورة هذا المرض للأسف إخواني في الله أن هذا المرض عند بعض الناس يعامل بطرف الأصابع، فيقول بعض الناس: يقول أخي والله نحن في غفلة، وبعده يمشي في حياة غفلته عليه، لا يغير ولا يبدل، ولا يعير لهذا المرض اهتمامًا ولا بالًا، يقول: أنا في غفلة، ويمشي. يا عبد الله هذا المرض فتاك، هذا المرض إخواني في الله، متى ما استحكم بالعبد في قلبه، لربما أذهب عليك دينك ودنياك، وأخرى يغلبك في الدنيا قبل الآخرة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: «وجمع الشر في الغفلة والشهوة، وكلما غفل العبد عن ربه وعن اليوم الآخر، سد عليه باب الخير». فما ظنك يا عبد الله بعبد سدت عليه أبواب الخير؟ كيف فلاحه؟ والله لن يفلح، والله لن يفلح، كما قال: «جمع الشر في الذنب، في الشهوة والغفلة». ولا، جمع الشر أن العبد كلما غفل عن الله وعن اليوم الآخر سدت عليه أبواب الخير. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي: قال: «فإن العبد يعلم» وهذا إن كان معترفًا في نفسه، في قرار في قلبه، قال: «فإن العبد يعلم أن الغفلة والمعصية لهما أسبابًا تضره في دنياه وآخرته». هذا هو الصحيح، ما غبت يا عبد الله، الغفلة ليس فقط أنها شعور فقط، احتمال يزول، لا يا عبد الله، احتمال لا يزول، يبقى معك حتى تجد مضرة هذا المرض في الدنيا وفي الدين وفي الآخرة. إخواني في الله، هذا المرض الفتاك له أضرار ومظاهر، نذكر بعضًا منها إذا سمح مثل هذا المقام. ومن أعظم مظاهر وأضرار هذا المرض أنه يؤثر على القلب، وقد مضى هذا معنا، يؤثر على القلب. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن الغفلة تبعد القلب عن الرب». الغفلة تبعد القلب عن الرب، هذه مغبة يا إخواني في الله، فالأمر ليس بهذه السهولة أنك تقول: أنا غافل، ثم تمشي. يا عبد الله، لا، هذا مرض إذا احتاح إلى سفر، إلى مصر، سافر، مثل ما تعالج مرض القلب، وأصحاب الصمام، أصحاب الكلى، وأمراض السرطان، عافانا الله وإياكم منها. إذا كانت هذه أمراض يحسب لها أهلها ألف حساب، هذا كذلك الغفلة يا عبد الله تبعدك عن قلب، عن ربك، وماذا عساك أن ترجو من فلاح وأنت بعيد عن ربك سبحانه وتعالى؟ الغفلة يا عبد الله تؤثر حتى في العبادات، العبادات بشكل عام هي صلة بينك وبين الله عز وجل، فالعبادة تحتاج إلى تفكر، تحتاج إلى تأمل، تحتاج إلى يقظة، تحتاج إلى انتباه. وقد دلت الأدلة على أن العبد إذا فعل طاعات وعبادات من غير تأمل، من غير تفكر، وإنما تغلب عليه الغفلة، فإن العبادة تتأثر، تتأثر هذه العبادة. مثاله: انظر يا عبد الله في أمر الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليصلي الصلاة فلا يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها». تصلي الصلاة يا عبد الله وأنت تخرج بهذه الدرجات. طبعًا ما الذي جعل هذه الصلاة تنقص وتنقص وتنقص إلى هذا الحد؟ الذي أثر فيها الغفلة، مدى الإحساس، مدى الإدراك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: «ولا ريب أن الأجر ينقص بالغفلة». بعد الأذان إخواني في الله، نواصل، حفظكم الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإخواني في الله، مما يعد من أضرار الغفلة أنها تؤثر في باب العبادات، فلا يمكن لغافل أبدًا أن يؤدي العبادة كما أمره الله جل وعلا به أن يؤديها. فمثلا الصلاة، كما جاء في الحديث، يخرج المرء، لربما تؤدي الركوع، الناس ربما في الصف الواحد كلهم على شاكلة واحدة: قيامًا، ركوعًا، اعتدالًا، سجودًا، سلامًا، وخروجًا، لكن عند الله عز وجل تتفاوت الأجور. من أين يأتي التفاوت؟ يأتي على العقل، على التفكر، على مدى الغفلة، على قدر غفلتك يا عبد الله. أنت تفكر في البحر، تفكر في البر، تفكر في الصرف، تفكر في الفاتورة، تفكر، تفكر، هذا ينقص، ينقص من أجر الصلاة، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: «ولا ريب على أن الأجر على أن الأجر ينقص على قدر الغفلة، على قدر غفلتك من الصلاة». لا يستوي أبدًا، لو ربما ما بين المصليين ما بين السماء والأرض من الأجر، ذاك رجل لربما يتفكر في ذات العرش، يتفكر في الله، يضعهم، يتفكر إخواني في الله في القمام والزبال، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك التفاوت بين الناس في موضوع التأمل في أمر الصلاة. وهكذا يقول يا عبد الله في باب الدعاء، في باب الدعاء، الواحد منا لربما يأتيه شيء من ظنون السيئة في حق ربه، لي إخواني سنوات أدعو، أدعو الله سبحانه وتعالى ليل نهار، لكن ما أجد شيء من شيء من الإجابة. لعلك يا عبد الله تذكر ربك، أو قل: تدعو الله عز وجل وأنت في غفلة، وفي إيش؟ في هذا أن الغفلة إخواني في الله مانع، مانع من إجابة الدعاء. قال عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل، لا هين، إن الله لا يستجيب الدعاء أبدًا، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل». هذا هو الشاهد. لكن غافل، الواحد لو ربما يتمتم بكلمات، يتمتم بكلمات، ربك يكررها دائمًا، ربا، حتى لو ربما تريد أن تسمع، تسمع أحرف من غير كلمات مفهومة، هو نفسه ما يستذكر، فما يستحضر. لأن العبادة عن روتين، عادة، عادة، لا يا عبد الله، ربك لا يعاملك بالعادة، ربك يريد عبادة، العبادة تحتاج إلى استشعار، إلى استحضار: رب اغفر لي وارحمني وتب علي، اللهم ارزقني، اللهم عافني، إن سألت الله مالًا، اللهم أسألك رزقًا حسنًا، إن أردت بنين، أردت ذرية، اللهم هب لي من لدنك ذرية صالحة. استشعر، لتأتي بكلمات، أما ما ينفع إخواني في الله، هذه غفلة، هذه غفلة تعتري العبد، ما غبت، هذه الغفلة أن الله ما يستجيب دعائك، ما يستجيب دعائك. وهكذا يا عبد الله في قراءة القرآن، قال ربنا جل في علاه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. لا، أبو تحتاج إلى الله، ما أمر فقط بقراءة القرآن أن يقرأ هذًا كهذ الشعر، لا، هذا كتاب الله، كتاب رب العالم، هو وحي السماء، أنزله الله بين يديك، كيف أنت معه؟ لا تجعل تلاوة للسرعة أو التبجح بألفاظ فحسب، لا، يحتاج إلى تأمل، تفكر معانيه. وهكذا إخواني في الله، قس على ذلك سائر العبادات والطاعات، تحتاج إلى تأمل إخواني في الله. ومن هنا إخواني في الله نبين لمسألة، وإن قد جاءت في كلمة أخينا بمعاذ، وهي المواطن التي ينبغي أن لا تغفل فيها. الأصل أن دين الله من أوله إلى آخره، في كل أموره وشؤونه، في صغيرها وكبيرها، كلها ينبغي أن تكون خاليًا من الغفلة، حتى تؤديها كما أمر الله عز وجل. لكن هناك مواطن الشرع نبه عليها أن لا تكون فيها يا عبد الله، أن لا تكون في غفلة عنها، تحرص تستحضرها، تستحضرها بين الفينة والأخرى. من هذه المواطن إخواني: ما يتعلق باليوم الآخر، قال ربنا جل في علا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. الآخرة لا تنساها، اجعلها يا عبد الله نصب عينيك، لا تكون في غفلة عنها. استحضر يا عبد الله اليوم الآخر بما فيها من أهوال، بما فيها من كربات، من النفخ في الصور، ومن البعث والنشور، وما يكون من أهوال تشيب لها الولدان: ﴿يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. حرص يا عبد الله، هذا الموطن لا يملك أن يقفل عنه أحد من المسلمين، تكون