المحاضرة بعنوان أسباب الهداية، وكانت بمسجد أبو بكر بن شيخ بالشحر 25 ربيع الأخر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تبين المحاضرة أن الهداية توفيق إلهي لا يناله العبد إلا بسؤال الله بإلحاح في كل صلاة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. وتفرق بين هداية التوفيق الإلهية وهداية الإرشاد النبوية، مؤكدة أن التوحيد والعمل الصالح من أعظم أسباب نيلها والثبات عليها.
يستعرض المقطع أسباب الهداية التي بينها القرآن والسنة كتدبر القرآن، وصحبة الصالحين، وحضور مجالس العلم، والتوبة، ومجاهدة النفس. ويؤكد على وجوب الأخذ بالأسباب العملية وعدم الاكتفاء بالدعاء فقط، مشيراً إلى مسؤولية الآباء في توجيه الأبناء.
يشدد المقطع على وجوب أمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر، مبيناً أن الهداية لا تنال إلا بالمجاهدة والأسباب كما أمر الله. ويوضح أن الهداية أعظم النعم والعبد مفتقر إليها في ماضيه ومستقبله، فلا بد من سؤال الله والسعي في أسبابها.
يؤكد المقطع أن الهداية تُطلب من الله وحده لا تُبتكر، مستدلاً بالحديث القدسي والآيات. ويبين أن أعظم أسبابها: الإلحاح في الدعاء، وتوحيد الله، والإيمان بالقدر، والأعمال الصالحة كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ضارباً المثل بدعاء أبي هريرة لأمه.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، بادئ ذي بدء، وقبل الشروع في المحاضرة، نشكر أهل هذا المسجد، وفي مقدمتهم إمامه، إذ أتاح لنا هذه الفرصة لإقامة هذه المحاضرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. سمعتم عنوان هذه المحاضرة، وأنها عن أسباب الهداية. وقد يسأل سائل ويقول: من في هذا المسجد قد وفق للهداية فأتى إلى هذا المسجد، وشرح الله صدره للصبر والجلوس في هذه المحاضرة، فلِمَ الكلام عن أسباب الهداية؟ والجواب: أولاً، أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بسؤال الهداية، فأنت في كل ركعة تقرأ فيها سورة الفاتحة وتقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، تطلب من الله سبحانه وتعالى الهداية في كل ركعة، وأنت تصلي لله. فإذن، لماذا أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بسؤال الهداية؟ الجواب: كما ذكر ذلك ابن القيم عليه رحمة الله، أن المؤمن بحاجة إلى الزيادة من هذه الهداية. كم نحن نجهل من عبادات ومن علوم ومعارف هي من الهداية، ولكننا إما جهلناها، وإما غفلنا عنها، وإما تكاسلنا عن أدائها. فأنت بحاجة إلى أن توفق إلى الزيادة من هذه الهداية. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾. زادهم هدى، إذن الهداية تزيد. فإذن لا بد من ذكر أسبابها كي يوفق المسلم للزيادة من هذه الهداية. وهناك كذلك توجيه آخر في طلب وسؤال الله عز وجل الهداية، وهو الثبات عليها، فلا تأمن أن تحرم هذه الهداية، أو أن تضعف هذه الهداية في سيرك وفي عبوديتك لله سبحانه وتعالى. فإذن قولك: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، أي: ثبّتني على هذه الهداية حتى الممات، حتى الممات، ولا تزغ قلبي عنها، وزدني من هذه الهداية. فمن يقرأ هذه الآية يستشعر هذه المعاني، يستشعر هذه المعاني: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، أي: زدني من هذه الهداية، وثبتني عليها، وثبتني عليها. وإلا فكم من شيخ كان على خير وهداية، فإذا به يرجع القهقرى، فترك أبواباً كثيرة من أبواب الهداية. نسأل الله وإياكم الثبات. أيها الإخوة، أيها الآباء والأبناء، الهداية توفيق من الله سبحانه وتعالى، فهي من عند الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾. وهذه هي هداية التوفيق، أن يوفقك الله عز وجل لنيل هذه الهداية والعمل بها. هذا من الله سبحانه وتعالى، لا يملك ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن من هو دونهم. فهي من الله سبحانه وتعالى: هداية التوفيق. وأما هداية الإرشاد والبيان، فهذا للأنبياء وأتباعهم، كما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾، إلى صراط مستقيم، أي: هداية الإرشاد والبيان. أما هداية التوفيق فهي من الله سبحانه وتعالى. فإذا، من أعظم وأجل أسباب الهداية: التضرع إلى الله وسؤال هذه الهداية من الله سبحانه وتعالى. ولذلك حث ربنا عز وجل على طلب الهداية منه: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. وهكذا جاء في السنة: كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو إمام المهتدين، عليه الصلاة والسلام، يطلب من ربه الهداية. في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». فبدأ بسؤال الله عز وجل الهدى. وكذلك كان يفتتح صلاة الليل، كما في حديث عائشة في الصحيح، بهذا الدعاء، والذي فيه طلب الهداية: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». ﴿ اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ﴾. هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو بهذا الدعاء، ويطلب من ربه التوفيق، وكذلك الهداية عند الاختلاف. فالهداية من الله، فأمرنا ربنا أن نطلبها منه. في حديث أبي ذر عند مسلم: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». أي: اطلبوا مني الهداية، فوعد ربنا عز وجل أن يعطيها من طلبها منه. ﴿ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ﴾، ﴿ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ﴾، أي: وفقكم إلى الهداية. وهكذا المؤمنون، عندما يمن الله عز وجل عليهم بالجنة، كان من شكرهم لهذه النعمة أن قالوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾، ﴿ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾. فالهداية من الله. فَتَضَرَّعْ إلى الله سبحانه وتعالى، وألح في طلبها، وسؤال الله عز وجل إياها. وهكذا من أسباب الهداية، بل من أعظمها: التوحيد والإيمان والعمل الصالح. فالتوحيد هو أصل الهداية. فمن وفق لتوحيد الله عز وجل فقد وفق إلى أصل الهداية. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾. ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أي: بشرك، كما جاء ذلك في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإذا أثبت الله عز وجل الهداية لأهل التوحيد والإيمان: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾، أي: بشرك، ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾. هذا من أعظم الهداية، يوم أن توفق إلى عبادة الله عز وجل وحده، لا تعلق قلبك بقبر، ولا ضريح، ولا حجر، ولا شيخ معظّم، ولا كبير، ولا عظيم من المخلوقين، وإنما تعظم الله سبحانه وتعالى وحده، وتعبد الله عز وجل وحده، وتخاف من الله وحده، وتذبح لله، وتنذر لله، وهكذا تستغيث بالله. فهذا من أعظم أسباب الهداية، من أعظم أسباب الهداية. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾. والإيمان بالله عز وجل يشمل الإيمان بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾. فَالْإِيمَانُ، فالإيمان سبب لهداية القلوب. فاحرصوا على تحقيق ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يمن عليكم بالهداية. وهكذا من أسباب الهداية: قراءة القرآن وتدبر آياته. فمن أسباب الهداية: العناية بالقرآن، قراءة وتدبراً. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾، يهدي للتي هي أقوم. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾. أي: القرآن، القرآن هدى وشفاء، لما فيه من المواعظ، ومن الزواجر، ومن القصص، ومن التوحيد. فكيف تريد الهداية وأنت هاجر للقرآن؟ لربما لا تفتحه في شهرك، أو تقرأه قراءة عابرة، أو قراءة قليلة. فاجعل لنفسك ورداً من القرآن، تقرأ في يومك جزءاً، يزيد أو ينقص، شيءٌ مهم، أن تعتني بالقرآن. فهذا من أسباب الهداية، ومن أسباب زيادة الإيمان. وهكذا من أسباب الهداية: الجلساء الصالحون. أن تختار لك الرفقة الصالحة التي تعينك على الهداية، وعلى الثبات عليها، وعلى السير عليها حتى الممات. فاختر لنفسك رفقة صالحة تعينك على الخير. فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فإن كنت مع أهل الهداية كنت من أهل الهداية، وإن كنت من أهل الشقاوة والعياذ بالله كنت من أهل الشقاوة. فاختر الرفقاء الصالحين الذين يعينونك على الخير، وعلى طريق الهداية. وهكذا من أسباب الهداية: حضور مجالس العلم والذكر. فإن هذه المجالس تزيد في الهداية. قال ربنا سبحانه وتعالى عن نبيه: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. وهكذا أتباعه يدلون الناس على طريق الهداية. فإذا كنت بعيداً عن مجالسهم، وعن حلقاتهم، فمن أين تنال الهداية؟ هل من شاشات التلفاز، أو من شاشات الجوالات، أو من المقاهي والطرقات؟ فتنال الهداية من مجالس العلم. ولذلك أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام هم من يدلون الناس على هداية البيان والإرشاد، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾. فأتباع الرسول هم ورثة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم العلماء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». من أسباب الهداية، فإذن لا تنال هذه الهداية إلا من مجالس العلم ومجالس الذكر. فاحرص عليها، ففيها تزداد علماً وفقهاً، فيها التذكير بالله، فيها كذلك نزول السكينة، التي هي سبب لزيادة الإيمان. ﴿ وَالَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. فهذه المجالس من أعظم أسباب الثبات على الهداية والاستمرار عليها. فلذلك من فارقها تجد استقامته وهدايته تضعف، لأنه فقد سبباً عظيماً من أسباب زيادة الهداية والثبات عليها. فلا تبتعد عن مثل هذه المجالس: مجالس العلم، مجالس الذكر، مجالس القرآن، مجالس التفسير، مجالس الحديث، مجالس العقيدة والتوحيد. هذه المجالس تنور القلوب، وتثبت العبد على الإيمان والطاعة والهداية. فاحرص عليها، ولا تفرط فيها، واجعل لك حظاً ونصيباً منها. وهكذا من أسباب الهداية: التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾، أي: من رجع وتاب. فأكثر من التوبة، فإن الإنسان ليس بمعصوم، فقد تستزله نفسه فيقع في شيء من المعاصي، في شيء من الذنوب. فبادر بالتوبة والرجوع، فهذا باب من أبواب الهداية: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾، أي: من رجع إليه وتاب. فأكثر من التوبة. وهكذا من أسباب الهداية: المجاهدة. أن تجاهد نفسك، فإن الجنة حفت بالمكاره، حفت بالمكاره. فلا تجنح إلى الراحة والدعة والكسل والقعود، بل جاهد نفسك. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. من جاهد نفسك، وفقه الله، وهداه الله إلى طرق الهداية. وكما تقدم، أن الهداية لها أبواب وأعمال كثيرة، وهذا المراد بالسبل في هذه الآية، ليس المراد بالسبل الطرق المختلفة، فإن سبيل الله واحد، وإنما المراد بالسبل في هذه الآية: أبواب الخير، وأبواب الأعمال الصالحة. فهي أبواب كثيرة، وكلما زدت من هذه الأبواب زدت هداية. ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾. فجاهد نفسك بالأعمال الصالحة والإكثار منها، والمحافظة على ما أمر الله سبحانه وتعالى. ربما تبتلى بشهوة، جاهد نفسك في تركها. تبتلى بمعصية، جاهد نفسك في تركها، والتخلص منها. فإن الله عز وجل يهديك إلى طريق الحق والرشاد. ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾. يهديك الله سبحانه وتعالى ولا بد. أيها المسلمون، من اتخاذ الأسباب للهداية: لو أن شخصاً جلس في بيته وقال: الرزق من الله، وعلى الله، ولم يتخذ الأسباب، من سيوافقه على ذلك؟ الكل سينتقده، الكل لا يوافقه على ذلك، لأنه لا بد من اتخاذ الأسباب. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾، اتخذوا الأسباب. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾. هذا في باب الرزق، كذلك في باب الهداية. لأن بعض الناس إذا رأيته بعيداً من الهداية، ونصحته وذكرته بالله، قال لك: الهداية من الله، والله ما وفقني للهداية، وهو بعيد عن أسبابها. فكيف ينال السعادة؟ كيف ينال الهداية وهو بعيد عنها؟ قل له: أنت الآن تخرج من الصباح الباكر من أجل وظيفة، أو من أجل صيد، أو من أجل زراعة، تتحمل البرد والريح والرياح الشديدة. فلماذا لا تجاهد نفسك في طاعة الله عز وجل؟ يقول لك: الأيام، هذا ما أقدر، ما أستطيع أقوم أصلي الفجر. لكن إذا كان عنده موعد، أو عنده ما شاء الله وظيفة، فإنه سرعان ما يستيقظ. اتخذ الأسباب في مسألة الرزق، لكن في مسألة الهداية ومجاهدة نفسه في طاعة الله عز وجل، يقول: الهداية من الله، رب ما هداني. أخي، اتخذ الأسباب. الله عز وجل جعل لكل شيء سبباً. فاستخذ الأسباب. أسباب الهداية تقع على عاتق الآباء أو أولياء الأمور، فتبين له ما عليه أولاده من الانحراف، من الضياع. يقول: رب يهديهم، رب ما هداهم. طيب، أنت ما دورك؟ فأب مسؤول عن هذا الولد. ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾؟ أمرك ربك أن تأمر أولادك بالصلاة، وهذا من اتخاذ الأسباب، أسباب الهداية. أمرك ربك أن تعلم أولادك، وأن تقيهم من نار جهنم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾. فاتخذ الأسباب في ذلك. تجد الأب ما شاء الله في الصف الأول، حريص على الصلاة، ويترك أولاده في البيت نياماً، لا يسأل عنهم، ولا يدري أين هم، ثم يقول: الله سيهديهم. كيف الله سيهديهم وأنت لم تتخذ الأسباب؟ لم تسأل عنهم؟ لم تأخذ بأيديهم؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»؟ قال العلماء: هذا الحديث ليس في الصلاة حسب، بل في الصلاة وفي غيرها من الأحكام الشرعية. يؤمر الأولاد، ويطلب منهم الاستقامة على شرع الله، وفعل أوامر الله، من هذا السن، السن السابعة، لأنه في الغالب سن التمييز. فإذا لم يستجب الأولاد، وبلغوا العاشر، ضربوا ضرب تأديب، حتى يعتادوا الاستقامة والهداية، ويألفون ذلك. فإذا لا بد من اتخاذ الأسباب، ولا بد من المجاهدة في نفسك، في أهلك. نعم، هذه الأعمال فيها شيء من المشقة والتعب، ولكن استحضر وتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حُفَّتِ الجنة بالمكاره». لا بد من تحمل هذه المكاره، ولا بد من الصبر على تربية الأولاد، وعلى تربية النفس، وعلى دفعها إلى الخير، وإلى الطاعة، وإلى الهداية، وإلى الاستقامة. لا بد من ذلك. وهذا من اتخاذ الأسباب. فإذا الهداية من الله، ولكن لا تنال إلا باتخاذ أسبابها، كما أن الرزق من الله، والولد من الله، والعلم من الله، وكل هذه الأبواب لا بد فيها من اتخاذ الأسباب. إنسان قال: أنا أريد أن أكون عالماً، وهو جالس في بيته، لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحضر عند العلماء، وعند طلاب العلم، ويقول: أنا أريد أن أكون عالماً. من سيوافق على ذلك؟ لا أحد. وهكذا في الهداية، لا بد من العمل بأسبابها. ولعل أكتفي بهذا، وقد سمعتم أن هذه المحاضرة سيشارك فيها كذلك الشيخان الفاضلان: أبو يوسف عبد المجيد الغيلي، وأبو هاشم جمال من سرور، حفظهم الله تعالى. فليتفضل أحدهما مشكوراً مأجوراً. وجزاكم الله خيراً. إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، إخواني في الله، فقد سمعتم من أخينا الفاضل، والشيخ الكريم، أبي معاذ، حفظه الله تعالى ورعاه، الشيء الكثير حول هذه المحاضرة، والتي بعنوان: أسباب الهداية. وهذا الموضوع، إخواني في الله، من المواضيع الملحة التي ينبغي أن تطرق بين الفينة والأخرى، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان الشبهات والشهوات والفتن، وتنوع الضلالات. الهداية، الهداية، إخواني في الله، أمرها عظيم، ولا يقدر قدرها إلا من عظمها. الهداية، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن العبد مفتقر إليها في كل أحواله، في كل أحواله. أنت محتاج إلى الهداية. ثم عبر رحمه الله تعالى عن هذه الأحوال، فذكر رحمه الله تعالى: عما وقع منك في الماضي، كم من أمور أتيتها على غير هداية، وعلى غير دراية، فأنت تحتاج الهداية فيها حتى تصحح ما مضى. وكم من أشياء لربما قد وفقت إلى أصولها، لكن فاتتك التفاصيل، فأنت تحتاج إلى الهداية فيها وفي تفاصيلها. وكم من أمور لربما علمت وجهاً منها، لكن فاتتك أوجه. فما يقع الكمال والتمام إلا بالهداية بالجميع. بل قال رحمه الله تعالى: وأنت محتاج للهداية فيما تستقبل، كما أنك احتجت للهداية فيما مضى، ففيما تستقبل تحتاج إلى الهداية فيه. ثم قال رحمه الله تعالى: وأموراً لم تفعلها قط، أنت محتاج لأن تهتدي إليها. قالوا: لهذا كله، فإن العبد يسأل ربه عز وجل في كل يوم في صلاته: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. نحتاج للهداية، إخواني في الله. ويعظم هذا الأمر، إخواني في الله، أن نعلم أنها من أعظم النعم، ومن أجل المنن، أن يهديك ربك جل وعلا بالهداية من بين الخلائق أجمعين، يصطفيك من بين الخلق، يجتبيك من بين الناس، فيجعلك من الهداة المهتدين. وكفى بها نعمة، والله، لا بحولك، ولا بنسبك، ولا بقوتك، حصلت على نعمة الهداية، فأصبحت من عباده الأخيار. وإنما هو فضل من الله، محض فضل من الله، محض، أعطاك الله إياه. قال ربنا جل في علاه: ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾. هداية، وهذه أعظم نعمة. لكن ما حيلتنا، إخواني في الله، من بعض الناس ما يعرف الهداية؟ بعض الآباء، للأسف، إذا من الله له بأولاد، وطبق منهم من كان من أهل الصلاة، ومن أهل العفة، لكنه قليل البضاعة، وقليل اليد. وآخرون من أولاده، لربما هم يشتغلون في البر وفي البحر، ولهم الأموال الكثيرة، لكنهم على شقاوة، وعلى ضلالة. فتجد من الآباء من لربما يمعن النظر في أولاده الدنيويين، منهم جلب له الدنيا، يستبشر بهم. وأما من كان من أولاد الهداية، من أولاد الصلاح، لا يلتفت إليهم. هذه عقوبة، يا عبد الله، والله ما ينفعك من أبنائك إلا من كان المهتدي منهم. ينفعون في حياتك إذا كبرت، وإذا هرمت، وأصبحت شيبة، فبقي سن من الموت، أو أدنى. لربما أصحاب الدنيا، وأولادك ممن تربى على الدنيا، ينفق للدنيا، وما يبقى معك إلا المهتدي. ما يبقى معك إلا أهل الصلاح، وأهل الفلاح، ممن يعينك، ويتعبد الله بالقرب منك. وإذا مت، يا عبد الله، وكنت تحت التراب، وتحت القبر، وتحت الأرض، فوالله ما ينفعك إلا أهل الرشاد، وأهل الهداية. ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾. عبادة يا عبد الله، شرف أن يجعلك الله من عباده المهتدين. كم من أهل ناس حرموا من الهداية، فهاهم يتخبطون في الدنيا. ذاك بين شركيات وكفريات، وآخر يتخبط بين المعاصي والحرمات، والمحرمات، والعظائم، والموبقات. وآخر يتخبط بالبدع والضلالات. وأنت يا عبد الله، جعلك الله على صراط المستقيم. كما سمعتم، إخواني في الله، وهذا فضل من الله وحده. الله هو الهادي، وكفى بربك هادياً ونصيراً. كفى به جل في علاه، هو الذي يهدي عباده، يهدي عباده إلى أحسن الأقوال والأعمال، وإلى أحسن الاعتقادات والسلوك والأفعال. ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾. من الذي هداهم؟ الله جل في علاه، هو الذي يأخذ بنواصي الخلق إلى كل ما يحبه ويرضاه. إخواني في الله، من هنا، كما سمعتم، كان ينبغي أن نطلب الهداية من الله. والهداية لها طرق: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾. جاهدوا، من الجهد، من المشقة. أمهل يا عبد الله، أسباب الهداية تتأتيك. لكن لنعلم، إخواني في الله، أن أسباب الهداية ما هي بالخيار بيني وبينك، نبتكرها، ندعي أموراً، وأنها عباد الله. يا من أردتم الصراط المستقيم، فهذه أشياء ابتكرناها، عندك هذا، وعندك هذا، لا. هذا ليس لي ولك أن نبتكر أعمالاً وأسباباً، ونزعم بأنها أسباب للهداية. ففي حديث أبي ذر: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته». وهذا الحديث كذلك فيه بيان خطورة هذا الموضوع، إذ أن الغالب من البشر هم من أهل الضلال. ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾. الكثير من الخلق، السواد الأعظم من البشر، هم من من حقت عليه الضلالة، هم من من حقت عليه الضلالة. فكان لا بد لكل واحد منا أن يفزع، أن يفزع على نفسه، وعلى أهله وأولاده، أن يكون من الفئة، لأنك إن لم تكن من المهتدين فأنت من الفاسقين، لا ثالث بينهما. ﴿ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾. وفي هذا الحديث، قال نبينا: «يا عبادي»، كان في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». هنا استفاد العلماء في قوله جل فعلا: ﴿ فَاسْتَهْدُونِي ﴾، قال علماء: من أوجه التكثير لقوله ﴿ فَاسْتَهْدُونِي ﴾، أي: أطلبوا الهداية مني. فالهداية تطلب من من؟ من الله، فهو المشرع لها سبحانه وتعالى. فحري بنا، إخواني في الله، ما علينا إلا نتتبع ما هي مواطن الهداية، ونعتصم بها، وندل غيرنا عليها. هذا الذي لنا. أما أن نبتكر أشياء، مثل من يفتح، ويفتح المجال لما يسميه بأساليب الدعوة، وأن أساليب الدعوة مفتوحة لكل أحد. هيا، فلان، فلان، فلان، طايع، ضايع، وفيه خير، نسحبه للصلاة. لماذا؟ شيلات، شيلات، هذه انتشرت وطمت، خير فيها، نعضيه، الشيلات هذه يسمعها، وهي قريب من الأغاني، علّ وعسى أن تلين قلبه، ويبعد سمعه من الأغاني، ونسحبه للمساجد. وآخر يغني بالأناشيد، بالتماثيل، وبالتمثيليات، والمسرحيات، وبالألعاب. لا يا عبد الله، ما يكون الرجوع إلى الله عز وجل بمفتكرات أبتكره أنا وأنت. وإنما الهداية: ﴿ فَاسْتَهْدُونِي ﴾، تريد لي، اطلبها من الله، ﴿ أَهْدِكُمْ ﴾، تأتيكم الهداية. وانظروا ذاك العابد العالم، عندما جاءه الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم جاءه، فكمل، وقتل العابد، فكمل المئة، ثم أتى العالم يسأله عن التوبة والهداية، فأرشد إلى التوبة، لكن ليس بأمر ابتكره من نفسه، وإنما أمر أن يلتحق بعباد الله الصالحين، فيعبد الله معهم، حين يكون من عباد الله الأخيار. وهكذا، فليكن يا معشر الدعاة، ليس لنا أن نخترع، أو أن نبتكر أعمالاً نجعلها من الهداية، وإنما ندل الناس على مواطن الهداية. من مواطن الهداية: الدعاء، الإلحاح بالدعاء. ولا تستهزئ يا عبد الله، ولا تقلل من شأن الدعاء. ادعو الله بالهداية لك، ولأهلك، ولعيالك. لو ربما ابتلاك الله بأمر في نفسك، من أمور تحيك في صدرك، من تتبع الشهوات والملذات، أو لو ربما ابتلاك الله بزوجك، وبأهلك، وبعيالك، وأردت لهم الهداية، تنجأ إلى الله يا عبد الله، ادعو الله لهم. كما سمعتم، كنبي يدعو الله: «اللهم أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وفي دعائه: «اللهم اهدني فيمن هديت». هذا نبيه، ومع ذلك، أمر نبينا أصحابه بضرورة الدعاء بأمر الهداية. هذا علي رضي الله تعالى عنه، مما علمه نبينا أن يدعو به، أن يقول: «اللهم اهدني وسددني». ادعو الله يا عبد الله بالهداية والسداد. وثبت في مسلم، في ذاك الأعرابي جاء يسترشد نبينا عليه الصلاة والسلام في دعاء، قال: يا رسول الله، قل لي قولا أقوله، أي: أدعو به. فعلمه نبينا ذكراً وورداً يأتي به، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، وسبحان الله كثيراً، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». بعد الأذان، نواصل حديث رسول الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ذكرنا، إخواني في الله، استئنافاً واستكمالاً لأسباب الهداية، من ذلك: اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. ومر معنا في حديث الأعرابي الذي قدم على نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، علمني قولا أقوله. قال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». فقال الأعرابي: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ الأعرابي طمع في الدعاء، وجد أن هذا الدعاء عبارة عن حق طرف لله عز وجل، ذكر، خالق لله، هو أراد شيء يعود عليه بالنفع. قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ فقال: «قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني». فدله، إخواني في الله، على طلب الهداية. اسأل الله يا عبد الله الهداية. وكما قلنا، لا تستحقر هذا الباب. فبعض الناس إذا سمع دعاء، يجعل دعاء في آخر المعطيات. ذكر الإمام البخاري في الصحيح، الأدب المفرد، أو في الأدب المفرد، وذكره الشيخ الألباني في صحيح الأدب، في أمره مع أمه، وكيف أن أمه كانت مشركة، وكان يتخذ مع الأسباب، الأسباب التي تدعوها للإسلام، لكنها تأبى، تأبى. فما كان إلا أن ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر من أمر أمه، فقال: ادعو الله لها، ادعو الله لها. فدعا لها، دعا لها نبينا بأن يشرح الله صدرها للإسلام. فما إن رجع أبو هريرة إلى بيته، إلا وجد الباب قد انجفل، فقالت أمه من خلف الستر: يا أبا هريرة. قالت له: إني أسلمت، إني أسلمت. لماذا؟ بالدعاء. فَعَالِيَانِي في الله، بالدعاء، فلا تستحقر الدعاء. التجأ إلى الله، وأنت في سجودك، وأنت في جنح الظلام، وأنت في خلواتك، وفلواتك، ارفع، ارفع كف الضراعة إلى الله، واسأل الله الهداية لك، ولأهلك، ولعيالك. فربما تستجاب دعوة في ساعة الإجابة. وهكذا، إخواني في الله، كما سمعتم، من أسباب الهداية: الإيمان بالله جل وعلا، ويدخل في الإيمان بالله: التوحيد، ويدخل في الإيمان بالله: الإيمان بالقضاء والقدر، ويدخل في الإيمان: العمل الصالح. الأعمال الصالحة تعينك يا عبد الله على الهداية والاستمرار عليها. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. أولئك على هدى من ربهم. من هؤلاء؟ هؤلاء الذين أقاموا الصلاة، وحافظوا على شعائر الإسلام. فلما كانوا من المصلين، وصمهم الله، ووصفهم