المحاضرة بعنوان الكنز المفقود، والتي كانت بمسجد عبدالرحيم بالشحر 13 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 15 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تستهل المحاضرة بتعريف القناعة بأنها الرضا بقسمة الله وعدم التطلع لما في أيدي الناس، مبينةً أنها كنز عظيم أثنى عليه القرآن والسنة. وتستدل على فضلها بغنى النفس الحقيقي، مستشهدةً بآية "حياة طيبة" وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبيات الإمام الشافعي.
يبيّن المقطع الثمار العملية للقناعة ك راحة البال، السلامة من الحسد، والبعد عن أكل الحرام، مع التوجيه بالنظر إلى من هو دوننا في النعم الدنيوية. كما يسرد أسباب اكتسابها من شكر النعم والدعاء بالغنى القلبي واستصغار الدنيا، مؤكداً أهميتها الخاصة لطالب العلم ليثبت على طريقه.
يختتم الدرس بالتركيز على مكانة طالب العلم وحاجته الماسة للقناعة، مستحضراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عيش إلا عيش الآخرة». ويحذر من الاغترار بالمال والمناصب، مبيناً أن من جعل الآخرة همه جمع الله شمله وأغناه، ضارباً المثل بطلبة العلم الذين صبروا وقنعوا ففتح الله عليهم بالرزق والكرامة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، فقد سمعتم عنوان هذه المحاضرة، وأنها بعنوان: "الكنز المفقود". الكنز، أي أن موضوع هذه المحاضرة كنز عظيم، هو أفضل وأنفس من الذهب والفضة، ومن اللؤلؤ والمرجان، ومن كل جوهر ثمين. ومفقود؛ لأننا في هذا الزمان نرى كثيرًا من المسلمين في بعده عنه، فقد فقدوا هذا الكنز وخسروه، وما تحلى به إلا القليل من المسلمين. هذا الكنز، إخواني في الله، هو القناعة. هو القناعة. فإن ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أثنى على المسلمين الذين تحلوا بهذا الكنز العظيم، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. فلقناعتهم ولعفتهم؛ فإنهم لا يظهرون فاقتهم ولا فقرهم. ومن هنا يتبين لنا معنى القناعة. القناعة، يا عباد الله، أن ترضى بما قسم الله عز وجل لك من النعم، وأن لا تتطلع إلى ما في يد غيرك. ولذلك قال العلماء: يتولد من القناعة العفاف. قالوا: والعفاف هو عدم تطلع النفس إلى ما في أيدي الغير، وعدم التشكي في الحال إلى غير الكبير المتعال. فهذا هو العفاف: لا تتطلع إلى ما في أيدي الناس، ولا تشتكي فقرك وحاجتك إلى غير ربك الكبير المتعال سبحانه وتعالى. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل التحلي بهذا الكنز الثمين سببًا للفلاح، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه». قد أفلح. حملت الشراح هذه العبارة على معنيين: المعنى الأول على ظاهرها، وهو الخبر، أي: تحقق فلاح من أسلم، ورزق كفافًا، والكفاف هو الرزق الذي لا زيادة فيه ولا نقص، وقنعه الله بما آتاه، أي: رضي لما قسم الله عز وجل له. فهذه الخصال الثلاث عماد الفلاح: الإسلام، والرزق الكفاف، والقناعة. ولذلك جاء في الصحيح أنه كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». قال العلماء: القوت هو بمعنى الكفاف، القوت بمعنى الكفاف، أي: الرزق الذي لا زيادة فيه ولا نقص. فنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع ثنائه على أهل القناعة، فهو عليه الصلاة والسلام من أهلها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا المعنى الأول، وهو أن هذه الجملة خبرية، أي أن الفلاح تحقق لهؤلاء من اتصفوا بهذه الصفات. والمعنى الآخر: «قد أفلح من أسلم» أنها جملة إنشائية بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء، أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو لمن اتصف بهذه الصفات بالفلاح، بالفلاح. وكما تقدم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان من أهل القناعة، بل هو القدوة الكبرى في هذا الباب. ونذكر بعض أحواله عليه الصلاة والسلام: جاء في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب دخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو نائم على حصير، ليس بينه وبين الأرض شيء، ما في الحصير فقط، قال: وهو متوسد بوسادة من أدم محشوة بليف، وسادة من جلد الأدم، وداخلها الليف. قال: وإن عند رجليه قرضًا مطبوخًا، أي: مجموعًا، وقرض وشجر تدبغ به الجلود. قال: وعند رأسه أَهَب معلقة، يعني: جلود، الأَهَب هي الجلود معلقة. قال: ثم رأى عمر أثر الحصير على جنب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبكى، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: يا رسول الله، كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ادعُ أن يوسع الله على أمتك، فقد وسع الله على كسرى وقيصر، وأعطاهم من الدنيا، وهم يعبدون غير الله». فقال النبي صلى الله عليه وآله في الحديث الأول لعمر: «أفلا ترضى يا عمر أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» وقال في الرواية الثانية: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم». فانظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام. وفي رواية جاء أن عمر نظر أعلى فوجد ثلاثة قِرَب معلقة، ولا شيء غيرها. فانظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام، انظر إلى قوله لعمر: «أترضى؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟». فيا من أنعم الله عز وجل عليك بالتوحيد والسنة والاستقامة والعلم والطاعة، أما ترضى أن تكون لك الآخرة، ولغيرك من الكفار والفساق والمجرمين الدنيا؟ فارضَ بما قسم الله عز وجل لك، ولا تنظر إلى ما في أيدي غيرك. وهكذا جاء في حديث عائشة في الصحيح أنها قالت: «إنه ليَغْرُ الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة، ولا يوقد في أبيات النبي صلى الله عليه وسلم نار». فاستعجب عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه، فقال: لا، وما طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. انظر إلى قناعة، إلى رضا، ما طالبوا بما عليه الناس في بيوتهم من إيقاد النيران والطبخ والطعام والشراب. ثلاثة أشهر، ثلاثة أهلة، ولا يوقد في أبيات النبي عليه الصلاة والسلام نار. قناعة وصبر ورضا بما قسم الله سبحانه وتعالى. وهذا الباب يطول فيه الكلام، لكن حسبنا ما ذكرنا من هذين المثالين، ومن غيرها من الأمثلة. وأجلّ أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا غاية في الاتصاف بهذا الخلق، كيف لا وهم ممن تربوا على يد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فهذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لما هاجر من مكة إلى المدينة، آخى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري. فقال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: يا أخي، أنا من أكثر الأنصار مالًا، فإني أشاطرك مالي، خذ نصف مالي، ولي زوجتان، انظر أيتهما أحب إليك أطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها. انظر إلى هذا الإيثار وإلى هذه المحبة. فماذا كان من عبد الرحمن بن عوف؟ إنه صاحب قناعة وعفة، قال: «بَ قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق». فدلوه على السوق، فاشترى سمنًا وأقطًا وتاجر فيه، حتى تزوج بأنصارية. فتعجب من هذين الصحابيين: من إيثار ومن كرم سعد بن الربيع، ومن عفة وقناعة عبد الرحمن بن عوف. عِقد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ولذلك عبد الرحمن بن عوف أسعد الله عز وجل عليه، فجاء في صحيح البخاري أنه كان صائمًا، فقدم له طعام ليأكله بعد الإفطار، وكأن هذا الطعام كان طيبًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: «رحم الله أخي مصعب بن عمير، لقد مات وما معه إلا بُرْدَة، يعني: ثوب واحد، كفن فيه، فإذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه». بُرْدَة، ما ما هي كبيرة ولا هي طويلة. ثم ذكر كذلك حمزة بن عبد المطلب، قال: «إنه خير مني»، ثم قال: «لعله قد عجلت لنا حسناتنا»، ثم بكى رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أئمة خير الخلق بعد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هم على هذه الأوصاف الحميدة والأخلاق الكريمة. ولذلك قَبَّبَ الإمام النووي رحمه الله لكتابه "رياض الصالحين" باب القناعة والزهد والعفاف والاقتصاد في الإنفاق والمعيشة وعدم السؤال من غير ضرورة، ثم سرد أحاديث كثيرة تدل على زهد الصحابة وزهد النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك. وهكذا لنعلم أيها الإخوة أن من رزق القناعة فقد عاش حياة طيبة، فيكون مرتاح البال، هادئ النفس، مطمئن القلب، لأن بالقناعة يجعل الله عز وجل غنى العبد في قلبه، لا فيما ينظر في أيدي الناس. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لو نظرت في تفسير ابن كثير، ذكر رحمه الله تعالى أقوالًا للمفسرين في الحياة الطيبة، عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن جمع من المفسرين، فمنهم من فسر الحياة الطيبة بالسعادة، ومنهم من فسر الحياة الطيبة بالعمل الصالح والانشراح له، ومنهم من فسر الحياة الطيبة بالقناعة، فسر الحياة الطيبة بالقناعة. ثم قال بعد ذلك الحافظ ابن كثير: والحياة الطيبة يشمل ذلك كله، يشمل ذلك كله. فمن الحياة الطيبة أن ترزق يا عبد الله القناعة، هذه من الحياة الطيبة، فتكون مطمئن القلب، من أسعد الناس، ومن أغنى الناس، أغنى من الملوك، وأغنى من أرباب الأموال وملاك العقارات والعمارات. جاء عند الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي بكرة، والحديث يحسنه العلامة الألباني، والحديث فيه خلاف، يحسنه العلامة الألباني علي رحمة الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من يأخذ عني خمس خصال فيعمل بهن ويعلم من يعمل بهن؟» فمن حرص أبي هريرة على العلم قال: «أنا يا رسول الله». قال: «فأخذ النبي صلى الله عليه وعليه عَهْدًا». قال: «اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». وهذا هو موضع الشاهد، وهي القناعة، كما تقدم في تعريفها: «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». ثم قال: «أحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». الشاهد من هذا الحديث: أولاً، حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تعلم هذه الخمس، تعلم هذه الخمس، فقال: «فيتعلمهن ويعمل ويعلم من يعمل بهن ويعلمهن من يعمل بهن»، هذا فيه تأكيد على الحرص على هذه الخصال الخمس. ثم ذكر منها: «وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس». إن رزقت الله القناعة وغنى النفس فأنت أغنى الناس. والعَرَض قيل: هو متاع الدنيا، ومنه المال. فليس الغنى من عنده كثير من متاع هذه الدنيا. وإلا فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لابتغى ثانيًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». انظر الآن سبب هذه الصراعات والحروب والقتل والقتال، والحرص على الوزارات والرئاسات والملك، هذا ليس عن فقر، وربما هذا الذي يسعى إلى الملك أو إلى الوزارة أو إلى الرئاسة عنده من الأموال ما يكفيه ويكفي ذريته إلى أن يموت، إلى أن يموت. لكن لماذا هو يحرص على المزيد؟ لأنه حُرِم القناعة، حُرِم القناعة، فصار جشعًا طماعًا، مهما أعطي من الدنيا لا يهنىء له بال، ولا يقر له قرار، هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ هذا هو السبب. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس». لما تكون نفسك غنيًا بالله عز وجل، راضيًا بما قسم الله عز وجل لها، فترتاح وتكون من أغنى الناس. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أبيات تنسب إليه: رأيتُ القناعةَ رأسَ الغنى ** فصرتُ بأذيالها مُمتَسِكْ فلا ذا يراني على بابه ** ولا ذا يراني به مُنْهَمِكْ فصرتُ غنيًا بلا درهم ** أمرُّ على الناسِ شبهَ المَلِكِ أبيات عظيمة تدل على أهمية التحلي بهذا الخلق. قال: رأيت القناعة رأس الغنى، أصل الغنى هو القناعة، إنما الغنى غنى النفس. رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها ممتسك، صار متمسكًا بها، متمسكًا بهذا الخلق، لا يدعو ولا يفرط فيه. ثم قال وهو يبين راحة القنوع وأنه لا يذل نفسه ولا يعرض نفسه للمهانة: «فلا ذا يراني على بابه»، ما أذهب وأسأل وأهين نفسي وأذل نفسي، «فلا ذا يراني على بابه»، «ولا ذا يراني به مُنْهَمِك»، يعني: ألح عليه وأتعرض له وأتعلق به، أبدًا ما أتعلق إلا بالله، هو الرزاق ذو القوة المتين، لا تعلق قلبك بمخلوق، «ولا ذا يراني به مُنْهَمِك». ما هي ثمرة هذه القناعة؟ «فصرتُ غنيًا بلا درهم»، صرت غنيًا وما عندي مال، ما عندي درهم، «أمرُّ على الناس شبه الملك»، أمر على الناس، يقولون: ما شاء الله، هذا ما يسأل أحدًا، ولا يشتكي، ولا يقول: أسعار غالية، وما أشبه في البيت، وما نتعشى، وما نتغذى، ما يشتكي لأحد. وهذا العفاف، وهذا هو العفاف. النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة يقول: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولا التمرتان والتمرتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنى، ما عنده غنى، ولا يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». أبدًا، أبدًا ما عنده شيء، ومع هذا عنده عفاف، وعنده قناعة، عنده قناعة، فلا يتفطن له لأنه لا يتعرض للناس، ما يقول: أنا مسكين، أنا محتاج، لا، لا بلسان مقاله، ولا بلسان حاله، ولا بلسان حاله. جاء أيضًا في الصحيحين من حديث عمر بن تغلب رضي الله عنه أنه قال: «أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال أو سَبْي، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين مُنعوا عتبوا، قالوا: كيف يعطي هؤلاء، نحن ما يعطينا شيء؟». فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إني أعطي رجلًا وأترك رجلًا، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي». ثم قال: «إنما أعطيت رجالًا لما في قلوبهم من الهلع والجشع، وتركت أقوامًا لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، ومنهم عمر بن تغلب، ومنهم عمر بن تغلب راوي الحديث». قال عمر بن تغلب: «فما أحب أن لي بهذه الكلمة من رسول الله حُمْرَ النَّعَم». يعني: عنده هذا مكسب عظيم وفرحة كبرى، أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم من أهل الغنى، ليس المراد الغنى كثرة المال، المراد بالغنى هنا غنى النفس، المراد بالغنى غنى النفس. فانظر كيف أن أهل العفاف لا يتعرضون ولا يذلون أنفسهم، فهم مثل الملوك. وكما قال الإمام الشافعي: «إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، إذا كان عند القلب قنوع كأنك ممن ملكت الدنيا، ممن ملكت الدنيا». ويؤيد ذلك أيضًا، وأخذ لعله الإمام الشافعي هذا البيت، مما جاء عند ابن ماجه والترمذي من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». كأنما ملكت الدنيا، ملكت الدنيا جميعها من طرفها إلى طرفها. قالوا: الحذافير هي أطراف الأرض، أطراف الأرض، كأنما ملكت الدنيا بحذافيرها. من هذا أصبح في يومه وهو آمن في سربه، أي: في بلده أو في بيته أو في محله، آمن، ما يخاف إلا الله عز وجل، معافى في جسده، في صحة وعافية، يخرج ويدخل ويأكل ويشرب، ما يعاني ألم الأمراض، ولا أكسجين التنفس، ولا كذلك شيء من هذه الأمراض، عاذ الله وإياكم منها، في صحة، في عافية، عنده قوت يومه. انظر، ما عنده قوت أسبوعه، ولا شهره، ولا سنة، عنده قوت يومه، فكيف الذي عنده قوت أسبوعه أو قوت شهره أو قوت سنة؟ لا شك أن هذا في نعم عظيمة، كأنما ملك الدنيا، وملك ما هو أعظم من ذلك. فإذا من رزق بالقناعة فهو في الحقيقة ملك من الملوك، فهو ملك من الملوك، وإن كان فقيرًا، وإن كان معدومًا، لأن الغنى كما تقدم إنما هو غنى النفس، إنما هو غنى النفس. والقناعة لها آثار حميدة، ولها فوائد جليلة، منها: كما تقدم، راحة البال، وطمأنينة النفس، وهكذا الحياة الطيبة، ونحو ذلك. كذلك من ثمارها: البعد عن الحسد، فالقنوع لا يحسد، والحسد هو تمني زوال النعمة عن أخيك المسلم، فإذا رأى القانع النعمة على أخيه قال: اللهم زده، اللهم زده، لأنه لا يطمع في ما هو في أيدي غيره، فيسلمه الله عز وجل من هذا الداء العُضال، داء الحسد. ألا قل لمن كان لي حاسدًا: أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في فعله، لأنك لم ترضَ لي ما وهب. فالقانع لا يتمنى زوال النعمة عن أخيه، فيسلم من هذا المرض، هذا بسبب القناعة، بسبب القناعة. القناعة سبب للبعد عن أكل الحرام، أكل الحرام، لأن القانع لربما لعفافه لا تمتد يده إلى الحلال إن كان فيه شيء من الذل، أو فيه شيء من كسر النفس، أو نحو ذلك، فكيف يمد يده إلى الحرام؟ لا يمد يده إلى الحرام، لأنه يعلم أن ما عند الله لا ينال بالحرام، فتجده بعيدًا عن أكل الربا والرشوة، وأن يسأل الناس تكثرًا، من غير ضرورة، من غير ضرورة، فلا تحل له المسألة، وهو يسأل أبدًا، لأنه عنده قناعة، وعنده كذلك رضا بما قسم الله سبحانه وتعالى له. ولذلك ذكر بعض العلماء مثلًا رائعًا في هذا الباب، فقال: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه». من طمع طال طيشه، تجده ما يبالي من أين يأخذ المال، لأنه عنده طمع، عنده جشع، لا يبالي من حلال أو من حرام أخذ المال. فبالقناعة يسلم البر من أن تمتد يده إلى الحرام، أن تمتد يده إلى الحرام. فهذا أيضًا من آثار وفوائد القناعة والتحلي بها. كذلك من الأسباب التي تعين على القناعة، من الأسباب التي تعين على القناعة والبعد عن الجشع والطمع، أن تنظر في أمور الدنيا إلى من هو دونك، إلى من هو أقل منك نِعَمًا في هذه الدنيا، في هذه الدنيا. ويدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم»، أي: هذا في أمور الدنيا، هذا في أمور الدنيا، انظر إلى من هو أسفل منك، ولا تنظر إلى من هو أعلى منك وأرفع. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، أي: فإنه أحرى بكم أن لا تزدروا، أي: تحتقروا، نعمة الله عز وجل عليك. فإن أردت القناعة فانظر إلى حالك: أنت معك سكن، غيرك ما معه سكن، إذن اقنع بهذا. لا تظن أن القناعة في المال فقط، لا، القناعة قد تكون في المال، قد تكون في الزوجة، قد تكون في البيت، قد تكون في السيارة، قد تكون في الدراجة، قد تكون في الجمال والحسن، قد تكون في الولد، وقد، وقد، جميع النعم. فأنت في هذا الباب انظر إلى من هو دونك، إلى من هو أقل منك. أنت عندك بيت، غيرك ربما يستأجر، ربما في الشارع، ما عنده غير. أنت عندك زوجة، غيرك ما عنده زوجة. أنت عندك وظيفة ومهنة، غيرك ما عنده. أنت عندك ولد، غيرك ما عنده ولد، قل، ربما تجشم الصعاب وأنفق الأموال الكثيرة كي يرزق بولد، فيذهب هنا وهناك فلم يرزق، وأنت أنعم الله عز وجل عليك بولد أو ولدين أو ثلاثة أو أربعة، سواء كان ذكورًا أو إناثًا، ارضَ بما قسم الله لك وبما وهب. وهكذا في المال، أنت ما عندك رصيد، لكن تجد قوت يومك، تجد قوت يومك، تتعشى وتتعشى وتفطر، غيرك ما يجد، ربما إلا وجبة واحدة، صواص، مع هذه الأوضاع وهذه الأحوال التي تمر بها البلاد. فإذا لا تنظر إلى من معه الأرصدة في البنوك، أو من معه العمائر، أو من معه الزوجات والأولاد الكثير، ها، تنظر إلى هؤلاء، انظر إلى من هو دونك، فإن كنت كذلك فسترزق بالقناعة، ترزق بالقناعة. جاء رجل عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يشكو إليه الفاقة، يشكو إليه الفاقة، فقال له: «أعندك سكن؟» قال: نعم. قال: «أعندك زوجة؟» قال: نعم. قال: «فإذا فأنت غني». قال: وأيضًا عندي خادم يخدمي. قال: «إذا فأنت ملك من الملوك». هذا معك خادم، ومعك تشكو إليه فاقة، ومعك سكن، ومعك زوجة، هذا هو المعيار في اكتساب القناعة. هذا الذي قسم الله عز وجل لك، يا إخوة، اشكروا نعمة الله عز وجل علينا، لا، لا نطمع فيما فيه أهل الترف وأهل الغنى، والله بلادنا في خير، والآن الناس يشكون من الغلاء، هذا أمر واقع، لكن كثير من الناس ولله الحمد عنده البيت، وعنده السيارة، وعنده الوظيفة، وإن وقعت عليه بعض الأزمات، يعني يأتي وقت ويتغلب عليها، الحمد لله الآن. انظر إلى أهل غزة وما هم فيه، في مخيمات، في مخيمات، في خيام، لا طعام، لا شراب، لا دواء، منهم من فقد والديه، ومنهم من فقد زوجته، ومنهم من فقد إخوانه، مآسي وآلام، وأنت الحمد لله في أمن وأمان، وفي كفاف من العيش. انظر إلى من هو دونك، انظر إلى بعض البلاد الإسلامية التي هجر منها أهلها وأخرجوا من بلادهم، وصاروا مشردين مطاردين، فانظر إلى من هو دونك، يرزقك الله عز وجل القناعة. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، وهكذا من الأسباب التي بها يرزق العبد القناعة، أن يدعو الله سبحانه وتعالى، أن يدعو الله عز وجل ويتضرع إليه، فلقد كانت من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وعرفنا ما معنى العفاف، العفاف أن لا تتطلع إلى ما في أيدي غيرك، وأن لا تشتكي الحال إلى غير الكبير المتعال. وهكذا الغنى، أن يجعل الله عز وجل غناك في قلبك، لا فيما يقذف في قلبك من حب الطمع والجشع، وإنما يجعل غناك في قلبك. فادعُ الله عز وجل أن يغنيك، وأن يرزقك من فضله، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم، اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني من فضلك عمن سواك». أكثر من هذا الدعاء: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني من فضلك عمن سواك». لا تطلب الفضل والرزق والغنى من غير الله عز وجل، اطلبه من الله سبحانه وتعالى، وهو القائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. إن كنت مضطرًا، اسمع إلى قول ربك سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، أإله مع الله؟ سبحانه وتعجب من بعض الناس، كما قال بعض العلماء في بعض السائلين، يقوم يسأل في المسجد بتضرع وببكاء وباستكانة، قال: «لو وجه هذا الحال إلى مولاه لاستجاب الله عز وجل». بكاء، ويعني ذكر لي الحاجة والإفلاق، ما الذي يمنعك أن تقوم من الليل فتشهد لله عز وجل، وتنطرح بين يدي الله سبحانه وتعالى، وتدعو ربك دعاء المضطرين، دعاء المضطرين؟ جاء عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: «سيأتي على الناس زمان لا ينجو منه إلا من دعا الله كدعاء الغريق، كدعاء الغريق». انظر إنسان يغرق، له إلى من يلجأ؟ حتى كفار قريش إذا مسهم الضر في البحر، ضل من يدعون إلا الله عز وجل، يدعون الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. فادعُ الله عز وجل دعاء المضطرين، والله عز وجل يستجيب لدعاء المضطرين. وهكذا مما يعين على التحلي بهذا الخلق، خلق القناعة، أن تعلم يا عبد الله حقارة هذه الدنيا، وأنك غير مخلد فيها، فلِمَ تطمع وتأمل في جمع أموالها وبناء الدور والقصور فيها؟ فاقنع بما آتاك الله عز وجل فيها. فقد خاطب ربنا عز وجل نبيه بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. لا تمدن عينيك إلى ما ترى مع أهل الترف وأهل الغنى من أموال ومن قصور ودور، واعلم أن رزق الله أعظم. فما أحقر هذه الدنيا! جاء في حديث ابن مسعود عند الترمذي، قال: «نام النبي صلى الله عليه وسلم على حصير، فأثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو نأتي لك بوطاء، وِطَاء يعني: فراش تنام عليه، فراش». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها». انظر هذه حال النبي عليه الصلاة والسلام، ينام على حصير حتى يؤثر في جنبه الحصير، هو المصنوع من سعف النخيل، معروف الحصير، لو نام عليه أحد الآن وكان نومه كثيرًا مستغرقًا، أكيد يؤثر على جنبه وعلى المكان الذي ينام عليه، ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير، وهو خير الخلق عليه الصلاة والسلام. فالدنيا هذه حقيرة، ما تستحق أن يطمع الإنسان فيها، وأن يسعى لنيلها، ولو بكى إليها. إن لله عبادًا فطنة، طلقوا الدنيا وخافوا الفتنة، نظروا فيها، فلما علموا أنها ليست لحي وطنة، جعلوها لجة، واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنة. هؤلاء من الفطنة، هؤلاء هم العقلاء، همهم وغايتهم في هذه الدنيا: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، لا تنسَ نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغِ الفساد. ليس معنى هذا أن تترك الكسب، وأن تترك العمل، وأن تبقى جائعًا، وأن تبقى كذلك فقيرًا، وإنما المراد أن لا تطمع فيما هو ليس لك، خذ الأسباب، واترك الكسب، واسعَ في الأرض، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. فالمراد أنك بعد أن تسعى، وبعد أن تطلب رزقك، ارضَ بما قسم الله لك، واقنع بما آتاك الله من فضله، ولا تمدن عينيك إلى ما عند غيرك، هذا هو المراد. وهكذا طالب العلم هو أحق بأن يتصف بهذا الخلق الكريم، القناعة، فإن طالب العلم إذا دخله الجشع والطمع انصرف عن هذا الطريق، وكم نعرف من طوابي علم كانوا على جد واجتهاد، وكانوا على حفظ وعلى ذكاء، ويرجى منهم نفع الإسلام والمسلمين، فلما طمعوا في هذه الحياة الدنيا، ولم يصبروا على حال طلبة العلم، وأرادوا أن ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، فأرادوا الأكل الطيب، وأرادوا المسكن الطيب، وأرادوا العيش كعيش أهل الدنيا، انصرفوا عن طلب العلم. فيا طالب العلم، كن قنوعًا، وليكن شعارك: رضينا بقسمة الجبار فينا، لنا علم، وللجهال مالهم. أحمد الله عز وجل، طالب العلم، أن أعطاك الله عز وجل خير ما يعطي عباده المصطفين، وهو العلم، اصطفاك الله واختارك من بين خلق كثير، فجعلك من حملة العلم، من حفظة القرآن، ومن حفظة السنة، فاصبر على هذا الطريق، وارضَ بما قسم الله لك، وارضَ بما معك من مأكل أو مشرب أو ملبس أو مسكن، فبهذا توفق بإذن الله عز وجل إلى الاستمرار في هذا الطريق، في هذا الطريق. النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى شيئًا من الدنيا عجبه، يقول: «لبيك اللهم، لا عيش إلا عيش الآخرة». هذا نبيك عليه الصلاة والسلام، إذا رأيت يا طالب العلم من أهل الدنيا من معه الأموال، ومن معه الدور والقصور، والسيارة الفاخرة، والمركب كذلك الفاخر، تمثل بقول نبيك عليه الصلاة والسلام: «لبيك اللهم، لا عيش إلا عيش الآخرة». أما عيش الدنيا فيذهب ويفنى ويزول. فاثبت يا طالب العلم على هذا الطريق، وتحلّى بهذا الخلق، واسمع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة هَمَّهُ جمع الله شَمْلَهُ، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». لا تظنن يا عبد الله أن طلب العلم ستبقى معه طيلة حياتك على فقر وعلى قلة ذات اليد، بل طلب العلم والاستمرار فيه من أعظم أسباب السعة الرزق، لعلك ترزق به. قال النبي صلى الله عليه وسلم لذاك الرجل الذي قال له: «إني أحترف، وإن أخي عندك يطلب العلم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلّك ترزق به». وكم من طالب علم صبروا وقنعوا في أول طلبهم للعلم، ففتح الله عليهم، وصاروا ممن فتح الله عليهم في أمر الدنيا، فيأتيهم أهل البلاد أو أهل القرى، ويطلبون منه أن يعلمهم وأن يدرسهم، فيكرموه، وكذلك يكفونه مؤنة الحرفة والمعيشة، ولله الحمد والمنة. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الآخرة هَمَّهُ جمع الله شَمْلَهُ، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». ومن كانت الدنيا هَمَّهُ شتت الله شَمْلَهُ، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتب له، إلا ما كُتب له، مهما حرص عليها، ومهما تعب، ومهما شرق أو غرب، ما يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله عز وجل له. جاءت الصلاة، جاءت الصلاة. طيب، نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم القناعة. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. اشتركوا في القناة.